تبون يجمع علماء الجزائر.. فهل تهزم الكفاءة «جيوش الصابوطاج»؟
استقبل الرئيس عبد المجيد تبون، بقصر المرادية، أعضاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو الاستفادة من الكفاءات الجزائرية التي صنعت أسماءها خارج الوطن. ويضم المجلس شخصيات علمية بارزة، في مقدمتها البروفيسور إلياس زرهوني، منسق المجلس، والمخترع البروفيسور بلقاسم حبة، إلى جانب نخبة من الباحثين والعلماء الجزائريين المنتشرين عبر عدد من الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الدولية. وقد أُنشئ المجلس بموجب المرسوم الرئاسي رقم 26-293 المؤرخ في 7 سبتمبر 2026، باعتباره هيئة استشارية عليا موضوعة لدى رئيس الجمهورية، في محاولة لتنظيم مساهمة الكفاءات العلمية الجزائرية بالخارج في مشاريع التنمية والبحث والتطوير داخل البلاد.
هؤلاء العلماء لم يصلوا إلى مواقعهم بالصدفة ولا بالمجاملة. لقد نجحوا في بيئات علمية ومهنية لا تعرف كثيراً لغة العاطفة ولا تمنح المواقع على أساس الانتماء الوطني. المنافسة في الجامعات الكبرى والمستشفيات ومراكز البحث والشركات العالمية قاسية، والأجنبي مطالب في كثير من الأحيان بأن يبذل جهداً مضاعفاً حتى يثبت نفسه إلى جانب أبناء البلد الذي يعيش فيه. ولهذا فإن الطبيب الجزائري الذي تمتلئ قاعة انتظاره بالمرضى في باريس أو نيويورك أو مونتريال، والباحث الذي تتنافس المؤسسات على خبرته، والمهندس الذي يصل إلى مواقع القرار في كبرى الشركات، لم يحصل على مكانه لأنه جزائري، وإنما لأنه أثبت جدارته وكفاءته في منافسة مفتوحة وشرسة.
ويبدو أن الرئيس تبون يولي ملف الجالية، بمختلف مكوناتها، أهمية خاصة، انطلاقاً من إدراك الحاجة إلى الاستفادة من هذه الخبرات في معالجة الاختلالات التي راكمتها قطاعات عديدة داخل الجزائر. بل إن البروفيسور إلياس زرهوني قال عقب لقاء أعضاء المجلس بالرئيس إنه لمس لديه قناعة بأن الجزائر تحتاج إلى إقلاع حقيقي في مختلف المجالات بالاعتماد على علمائها من داخل الوطن وخارجه. وهي قناعة، إذا تحولت إلى سياسة فعلية ومستدامة، يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لنقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرة التي اكتسبها ملايين الجزائريين في الخارج.
والاهتمام بالجالية لا ينفصل عن رؤية أوسع لعلاقة الجزائر بأبنائها وبكل من ساهم في تاريخها. فقد شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً أكبر أيضاً بأصدقاء الثورة الجزائرية من غير الجزائريين، من الأوروبيين وغيرهم ممن وقفوا إلى جانب القضية الوطنية خلال حرب التحرير. وتوجد اليوم «الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية» التي تعمل على التعريف بمسارات هؤلاء واستعادة صفحات كثيراً ما بقيت بعيدة عن الذاكرة الجماعية، في وقت لا يزال فيه تاريخ الجزائر القديم والحديث عرضة لقراءات انتقائية ومبتورة، بل وأحياناً لخطابات تبسيطية تقدم عبر بعض المنابر الإعلامية أو الدينية وكأن التاريخ يمكن اختزاله في رواية واحدة لا تقبل النقاش.
لكن المشكلة الحقيقية لا تبدأ عند مستوى القناعة السياسية العليا، وإنما عند النزول درجة أو درجتين في هرم الإدارة. فبين الخطاب الداعي إلى إشراك الجالية وبين تجربة عدد من أفرادها على أرض الواقع توجد أحياناً مسافة كبيرة. عشرات، بل مئات التجارب المتداولة بين الجزائريين في الخارج تتحدث عن أشخاص استجابوا لخطاب العودة والاستثمار ونقل الخبرة، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة البيروقراطية والبطء الإداري وتضارب المصالح، وأحياناً ممارسات يصفها أصحابها بالفساد أو العرقلة المتعمدة. وهي حالات تحتاج إلى دراسة جدية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدعو الدولة أبناءها إلى العودة بينما تستقبلهم بعض مستويات الإدارة بمنطق الشك أو التعطيل.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد الذين يقررون العودة بصورة نهائية. فحتى بعض الشركات الأجنبية التي تضم في صفوفها إطارات جزائرية، عندما تقرر إرسالهم إلى الجزائر ضمن بعثات خبرة أو لتنفيذ مشاريع تقنية، تصطدم أحياناً بحساسيات غير مفهومة تجاه وجود خبير جزائري قادم من الخارج. وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يستطيع الجزائري أن يثبت كفاءته داخل مؤسسة دولية، ثم يجد صعوبة في أن تُقبل خبرته في بلده بالسهولة نفسها؟ وكيف يمكن الحديث عن استقطاب الكفاءات إذا كان بعض من يفترض أن يستقبلها ينظر إليها باعتبارها منافساً أو تهديداً لمواقع قائمة؟
الأكثر إيلاماً أن الجزائري، بمجرد أن يقيم سنوات طويلة في الخارج، يتحول في نظر جزء من المجتمع والإدارة إلى شخص «قادِم من الخارج» قبل أن يكون مواطناً. وفي حالات كثيرة يكتشف أن الدفاع عن ممتلكاته أو مصالحه في الجزائر يحتاج إلى حضور دائم لا يستطيع توفيره بسبب إقامته وعمله خارج البلاد. وتصلني، كما تصل إلى كثيرين، شهادات عن نزاعات عقارية ومالية يجد أصحابها أنفسهم خلالها مطالبين بالتنقل المتكرر إلى الجزائر لمتابعة ملفاتهم أمام الإدارات والمحاكم، رغم التطور الكبير في وسائل الاتصال والإجراءات الرقمية التي يمكن أن تخفف عن المواطن المقيم في الخارج أعباء السفر المتكرر.
وسمعت شخصياً شهادة إطار جزائري قال إنه أمضى نحو خمسة عشر عاماً يعمل على مشروع لربط المستشفيات وتطوير آليات العمل بينها، وحين بدأت النتائج تظهر واجه، بحسب روايته، سلسلة من العراقيل التي اعتبرها «صابوطاجاً» لمجهوده. انتهى الأمر بالرجل إلى الإحباط والعودة إلى الهجرة بعد أن اقتنع بأن البيئة التي حاول أن يخدمها لم تكن مستعدة دائماً لحماية العمل العلمي الجاد من صراعات المصالح والمقاومة الداخلية للتغيير. قد تكون هذه تجربة فردية لا يمكن تعميمها، لكنها تشبه شهادات أخرى تستحق أن تُجمع وتُدرس بدل الاكتفاء بالحديث عن استقطاب الجالية في الخطابات الرسمية.
ولهذا فإن نجاح مشروع إشراك علماء الجزائر وكفاءاتها في الخارج لن يقاس بعدد المجالس التي يتم إنشاؤها ولا بعدد الصور الجماعية واللقاءات الرسمية، وإنما بمدى قدرة الدولة على بناء آليات تحمي هذه الكفاءات عندما تبدأ العمل داخل الجزائر. فالعالم أو الطبيب أو المهندس الذي ترك وراءه مؤسسة تحترم وقته وخبرته لن يستطيع العمل طويلاً في بيئة تُغرقه في الملفات والأختام والموافقات المتناقضة. المطلوب ليس فقط «جلب» العلماء، وإنما إعداد مؤسسات قادرة على استقبالهم والاستفادة منهم ومنحهم مساحة للعمل بعيداً عن صراعات الإدارة والمصالح الشخصية.
وقد تكون إحدى أخطر وسائل إفشال هذه الرؤية أن يتم تنفيذها بطريقة سيئة. فآلة الفساد والإفساد لا تعمل دائماً بالمواجهة المباشرة، وقد تكون أكثر ذكاء حين تتسلل إلى المشروع نفسه. ومن بين المخاطر، مثلاً، تقديم شخصيات من الجالية لا تتمتع بالمصداقية أو لا تمثل فعلياً الكفاءة التي يُفترض استقطابها، ثم تقديم فشلها لاحقاً دليلاً على فشل فكرة الاعتماد على الجالية كلها. لذلك تحتاج عملية اختيار الكفاءات إلى معايير صارمة وشفافة لا مكان فيها للمحاباة أو العلاقات الشخصية، لأن خطأ واحداً في الاختيار قد يسيء إلى عشرات الآلاف من الكفاءات الحقيقية التي بنت مسارات علمية ومهنية محترمة في الخارج.
ومؤخراً التقيت بأحد الجزائريين الذين عادوا إلى البلاد وهم يفكرون جدياً في الاستقرار النهائي. وبعد نحو شهر ونصف عاد الرجل إلى الخارج محبطاً، حاملاً معه روايات وتجارب كثيرة سمعها وعاش بعضها بنفسه. ومن بين ما حكاه لي قصة أحد أفراد الجالية الذي دخل، بحسب الرواية التي نقلها، في نزاع خطير حول أمواله وممتلكاته وصل إلى درجة تهديد سلامته الجسدية، قبل أن يتخلى في النهاية عن جزء كبير مما كان يملكه ويعود إلى بلد إقامته. ولا يمكن بالطبع تحويل مثل هذه الرواية الفردية إلى حكم عام على الجزائر أو مؤسساتها، لكنها تكشف حجم الخوف المتداول داخل جزء من الجالية، وهو خوف لا يمكن معالجته بإنكاره، وإنما ببناء منظومة قانونية وإدارية تجعل صاحب الكفاءة أو المستثمر أو صاحب الملكية يشعر بأن الدولة قادرة على حمايته.
إن تخريب إرادة دمج الجالية، إذا لم تتم مواجهة أسبابه، يمكن أن تُكتب حوله مجلدات تبدأ من نظرة بعض التمثيليات الدبلوماسية إلى المواطن المقيم في الخارج، مروراً بعلاقته بالإدارة عندما يعود إلى الجزائر، ووصولاً إلى نظرة جزء من المجتمع إلى من غادر البلاد ونجح خارجها. وبين كل هذه المستويات توجد مشكلة عميقة: الجزائر تريد خبرة أبنائها في الخارج، لكنها لم تتخلص بعد بالكامل من الثقافة التي تنظر أحياناً إلى هؤلاء الأبناء باعتبارهم غرباء أو أصحاب امتيازات أو منافسين على المواقع.
وهنا تكمن أهمية المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج. فنجاحه لن يكون فقط في جمع أسماء كبيرة مثل إلياس زرهوني وبلقاسم حبة وغيرهما، وإنما في قدرته على التحول إلى جسر حقيقي بين الكفاءة الجزائرية في الخارج ومؤسسات الداخل، وعلى تشخيص أسباب فشل التجارب السابقة واقتراح آليات تمنع تكرارها. وإذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية للاستفادة من هذه الطاقات، فإن أول ما ينبغي القيام به هو الاستماع لمن حاولوا العودة وفشلوا، ومعرفة لماذا فشلوا، ومن عرقلهم، وأين اصطدمت مشاريعهم بالإدارة، ثم بناء إجراءات مختلفة على أساس هذه التجارب.
وأتذكر في هذا السياق حديثاً نُسب في إحدى المناسبات إلى سياسي جزائري اقترح على الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة الاستعانة بالمهاجرين لإعادة ترتيب بعض شؤون الدولة، فقيل إن بوتفليقة رد بأن «من الصعب التحكم فيهم». ولا أملك سنداً منشوراً يسمح لي بتقديم هذه العبارة باعتبارها قولاً موثقاً للرئيس الراحل، لكنها تلخص، إن صحت، جانباً من المشكلة التي ظلت تحكم نظرة بعض دوائر السلطة إلى الجالية: الكفاءة المستقلة التي تعود من الخارج تحمل معها ثقافة عمل وتجربة ومقاييس مختلفة، وقد يكون من الصعب إدخالها في منظومة تعودت على الطاعة أكثر من النقاش.
اليوم يبدو أن الرؤية السياسية المعلنة تتجه في الاتجاه المعاكس: المطلوب ليس «التحكم» في كفاءات الجالية، وإنما الاستفادة منها. لكن نجاح هذه القناعة لن يتوقف على الرئيس ولا على العلماء المجتمعين في قصر المرادية وحدهم. المعركة الحقيقية تبدأ عندما ينزل المشروع من أعلى هرم الدولة إلى الإدارة اليومية، حيث يمكن لقرار جيد أن يتحول إلى نجاح وطني، ويمكن أيضاً أن يضيع وسط «جيوش الصابوطاج» والبيروقراطية والمصالح الصغيرة.
وهناك، فرق كبير بين أن تقول للجالية، عودوا وساهموا في بناء الجزائر، وبين أن تجعل الجزائر فعلاً مكاناً يستطيع هؤلاء أن يعودوا إليه ويعملوا فيه ويحصلوا فيه على الحماية والاحترام والفرصة التي وجدها كثير منهم في الخارج.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رحيل محمد بن شيكو.. صاحب «بوتفليقة.. الخديعة الكبرى» ومؤسس «لوماتان»
رحل محمد بن شيكو في باريس بعد معاناة مع المرض. ومحمد، كما عرفته، ينتمي إلى ذلك الرعيل من ا…






