‫الرئيسية‬ الأولى كرامة الطالبات خط أحمر.. من يحاسب على تبعات التشهير؟
الأولى - الحدث - المحلي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

كرامة الطالبات خط أحمر.. من يحاسب على تبعات التشهير؟

كرامة الطالبات خط أحمر.. من يحاسب على تبعات التشهير؟
أحسنت السلطات الجزائرية بإنهاء مهام مديرة الإقامة الجامعية بوهران، في أعقاب الجدل الذي أثاره نشر أسماء طالبات وأرقام غرفهن، بدعوى تأخرهن المتكرر في العودة إلى الإقامة ليلًا. وبصرف النظر عن المخالفات المنسوبة إليهن، فإن نشر بياناتهن أمام العموم فتح الباب أمام التأويلات والأحكام الاجتماعية، بدلًا من معالجة المسألة داخل الأطر الإدارية المختصة. ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين تزامن القرار مع الواقعة وبين الجزم بأسبابه، في غياب توضيح رسمي منشور يحسم هذه العلاقة.

وأعادت هذه القضية طرح سؤال حدود الصلاحيات الإدارية. فالنظام الداخلي لأي مؤسسة ينظم سيرها، ويحدد حقوق المنتفعين بخدماتها وواجباتهم، لكنه لا يمنح المسؤول عنها سلطة مفتوحة على حياتهم الخاصة. كما أن تطبيقه ينبغي أن يظل منسجمًا مع القوانين، ومحكومًا باحترام الكرامة والتناسب بين المخالفة والإجراء المتخذ بشأنها.

لا أحد ينازع الإقامات الجامعية حقها في تنظيم شؤونها، وتحديد مواعيد الدخول والخروج، ومساءلة المخالفين وفق الإجراءات المعتمدة. لكن هذا الحق لا يبرر نشر البيانات الشخصية، ولا يحوّل المخالفة التنظيمية إلى حكم على أخلاق صاحبتها. وكان بالإمكان استدعاء الطالبات، والاستماع إلى توضيحاتهن، ومعالجة وضعياتهن داخل المؤسسة، دون تعريض أسمائهن وأرقام غرفهن للتداول.

وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة في محيط اجتماعي قد تُحمَّل فيه عودة الطالبة المتأخرة دلالات تتجاوز الواقعة نفسها. فعبارة مقتضبة في منشور إداري قد تصبح، بعد تداولها، أساسًا لتأويلات تمس السمعة، وتسبب خلافات أسرية أو ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تملك الإدارة تقدير مداها أو التحكم في نتائجها.

ولا يتعلق الأمر بقبول الفوضى أو التقليل من أهمية الانضباط، بل باختيار الوسيلة المناسبة لفرضه. فالإدارة التي تحافظ على سرية الملفات التأديبية لا تتنازل عن صلاحياتها، وإنما تمارسها بمهنية. والاستماع إلى الطالبة قبل اتخاذ الإجراء لا يضعف المؤسسة، بل يساعدها على التمييز بين مخالفة متعمدة وتأخر فرضته ظروف النقل أو الدراسة أو الأسرة.

وقد سلّطت الواقعة الضوء أيضًا على خطاب اجتماعي يجعل المرأة موضع مساءلة مستمرة عن لباسها وتنقلاتها وساعات عودتها إلى منزلها. وفي بعض الشوارع والمنصات الرقمية، تتجاوز التعليقات حدود إبداء الرأي إلى الإهانة والتشكيك، وكأن مجرد الاختلاف في السلوك يمنح الآخرين حق إصدار الأحكام.

والأشد مدعاة للقلق أن تجد هذه النظرة امتدادًا داخل الممارسة المؤسسية، ولو من غير قصد. فالمسؤول الإداري مطالب بالفصل بين قناعاته الشخصية وواجباته المهنية، وبالتعامل مع الوقائع وفق اختصاصه. ومهمته معالجة المخالفة، لا توفير مادة قد يستخدمها آخرون للطعن في أصحابها.

فالطالبة المقيمة بعيدًا عن أسرتها تحتاج إلى بيئة تجمع بين التنظيم والأمان، وتتيح لها شرح ظروفها دون خشية من انكشاف تفاصيلها أمام العموم. والثقة بين الإدارة والطلبة تقوم، في جانب أساسي منها، على الاطمئنان إلى أن المعلومات المودعة لدى المؤسسة ستُستخدم في حدود الغرض الذي جُمعت من أجله.

وفي خلفية هذا النقاش، تبرز ضرورة مراجعة خطاب متشدد يختزل الأخلاق في مراقبة النساء، ويمنح مظهرهن وحركتهن اهتمامًا يفوق ما يمنحه للعدل والرحمة وصيانة الكرامة. ومن حق المجتمع مناقشة القيم والسلوك، لكن النقاش يفقد معناه حين يتحول إلى وصاية، أو يُستخدم لتبرير الإساءة والتشهير.

كما أن تقديم تصور واحد عن الدين والمجتمع، وإقصاء ما عداه، يحرم الأجيال الجديدة من معرفة تنوع تراثها. فقد عرفت الثقافة العربية والإسلامية مساحات واسعة من الأدب والفكر والاجتهاد والاختلاف، ولا يمكن اختزالها في قائمة من الأحكام المسبقة عن المرأة ودورها.

وتتيح قراءة الجاحظ وأبي العلاء المعري وطه حسين، والاطلاع على أعمال مثل «كليلة ودمنة» و«ألف ليلة وليلة»، التعرّف إلى جوانب من هذا الثراء، وطرح أسئلة تتجاوز التلقي الضيق للماضي. فالمعرفة بالتراث تستلزم قراءته في تنوعه وسياقاته، لا انتقاء ما يوافق تصورًا جاهزًا وإغفال البقية.

ومن المفارقات أن يتوسع بعض المتحدثين باسم الأخلاق في التلميح إلى سمعة النساء، بينما تحتل صيانة الأعراض ورفض القذف وسوء الظن مكانة واضحة في التعاليم الدينية. ولذلك، فإن الانتقال من تأخر طالبة عن موعد العودة إلى التشكيك في سلوكها لا يستند إلى معرفة بظروفها، ولا يراعي خطورة ما قد يترتب عليه.

فلا يعرف المتابعون أسباب التأخر، ولا ما قدمته المعنيات من توضيحات. وحتى إذا ثبتت المخالفة، فإن نطاق المساءلة يظل مرتبطًا بها، ولا يمتد إلى استباحة الحياة الخاصة. وهذه الحدود ينبغي أن تبقى واضحة لدى الإدارة والجمهور على السواء.

ومن هنا، تستحق آثار الواقعة على الطالبات المتابعة والاهتمام، كما تستحق إجراءات التعامل مع البيانات والملفات التأديبية المراجعة. فحذف المنشور، على أهميته، لا يضمن اختفاء نسخه، ولا يمحو بالضرورة ما خلّفه من ضغوط. والأجدى أن تقود القضية إلى ضوابط تمنع تكرارها، وتوضح للمسؤولين أساليب التبليغ والمساءلة التي تحفظ حقوق الجميع.

ولا أعرف لماذا استعدت، وأنا أتابع هذا الجدل، درسًا في التربية الإسلامية لأستاذي الفاضل، الإمام شرفي، حين أكد لنا أن العذرية ليست شرطًا لصحة عقد الزواج. بقيت العبارة في ذاكرتي لأنها كانت تفصل بوضوح بين الحكم الديني وبعض التصورات الاجتماعية التي تُنسب إليه.

لقد كنا نتعلم أن للأحكام ضوابط، وأن للناس كرامة، وأن الحديث عن حياتهم مسؤولية. وهذا ما تحتاج إليه مؤسساتنا اليوم: انضباط يحفظ الحقوق، ومسؤولية تعرف حدودها، ومعالجة إدارية لا تجعل خصوصية الطالبات عرضة للتداول والأحكام.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

باريس تستنجد ببروكسل.. محاولة فرنسية لتوسيع الضغط على الجزائر

معلومات متداولة مفادها أن وزير الخارجية الفرنسي طرح أمام نظرائه في الاتحاد الأوروبي قضية ا…