‫الرئيسية‬ الأولى «محور الشر» يضع السلام في الصحراء الغربية على حافة الانهيار
الأولى - الحدث - الدولي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

«محور الشر» يضع السلام في الصحراء الغربية على حافة الانهيار

«محور الشر» يضع السلام في الصحراء الغربية على حافة الانهيار
دخلت قضية الصحراء الغربية في نهاية أكتوبر 2026 مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، المينورسو، إثر إسقاط روسيا مشروع القرار الأمريكي باستخدام حق النقض، ثم فشل مشروع روسي بديل كان يقترح تمديد البعثة سنة إضافية من دون تغيير اسمها أو طبيعة مهمتها. هذه النتيجة لا تتعلق فقط بمستقبل بعثة أممية تعمل في الإقليم منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل تمس مباشرة الإطار الذي تدير من خلاله الأمم المتحدة النزاع، في وقت لم تُحل فيه القضية السياسية، ولم يمارس الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير، بينما تستمر المواجهات العسكرية منخفضة الحدة منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020.

الخلاف الذي انفجر داخل مجلس الأمن لم يبدأ حول مبدأ تمديد البعثة، إذ أظهر الاستعراض الاستراتيجي الذي قدمه الأمين العام في أكتوبر وجود إدراك لاستمرار أهمية المينورسو رغم القيود السياسية والميدانية والمالية التي تواجهها، وإنما بدأ عندما حاولت الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء الغربية، ربط التجديد بتغيير واسع في طبيعة المهمة وفي الإطار السياسي للمفاوضات. المسودة الأمريكية الأولى اقترحت إعادة تسمية البعثة، وإنهاء مهمتها كعملية لحفظ السلام في أبريل 2027 وتحويلها لاحقاً إلى بعثة سياسية خاصة، مع خفض تدريجي للمكون العسكري وإعادة تنظيم المواقع الميدانية، كما جعلت مقترح الحكم الذاتي المروكي «الأساس الوحيد للمفاوضات» ووصفت الحكم الذاتي تحت السيادة المروكية بأنه «الحل الوحيد القابل للتطبيق». وبعد اعتراضات داخل المجلس، خاصة من روسيا والصين، عُدلت الصياغة وتراجعت واشنطن عن إنهاء عملية حفظ السلام بصورة مباشرة، كما أعادت إدخال الإشارة إلى تقرير المصير، لكنها حافظت على جعل المقترح المروكي الأساس الوحيد للمناقشات وعلى تغيير اسم المينورسو إلى «مينوسو»، بما يعني حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم المهمة.

هذا التحول كان أعمق من تعديل تقني، لأنه نقل النقاش من كيفية الوصول إلى حل يقبله طرفا النزاع إلى تحديد الإطار الذي يجب أن يتحرك داخله الحل قبل اكتمال المفاوضات. القرار 2797 الصادر سنة 2025 كان قد أعطى بدوره وزناً غير مسبوق للمقترح المروكي، إذ دعا إلى مفاوضات تتخذه أساساً، لكنه حافظ في الوقت نفسه على ثلاثة عناصر مهمة، أن الحل يجب أن يكون نهائياً ومقبولاً من الطرفين، وأن يوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، وأن بإمكان الأطراف تقديم أفكار لدعم الوصول إلى تسوية متفق عليها. المشروع الأمريكي الجديد كان سيذهب خطوة إضافية عبر جعل المقترح المروكي الأساس الوحيد للمباحثات، مع إعادة صياغة البعثة التي تحمل في اسمها منذ إنشائها الإشارة إلى الاستفتاء.

بالنسبة إلى جبهة البوليساريو، كان هذا التطور يمس جوهر العملية السياسية، ولذلك وجه ممثلها سيدي محمد عمار في 22 أكتوبر رسالة إلى مجلس الأمن اعتبر فيها أن المسودة الأمريكية الأولى لا تصلح أساساً لمناقشة مستقبل المينورسو أو مسار السلام، محذراً من أن اعتمادها من دون تغييرات جوهرية قد يدفع الجبهة إلى الانسحاب من العملية السياسية. المسألة بالنسبة إلى الطرف الصحراوي لم تكن رفض التفاوض، بل رفض الدخول في مفاوضات يصبح فيها أحد الحلول المطروحة من الطرف الآخر هو السقف المحدد سلفاً للعملية، بما يقلص عملياً قدرة البوليساريو على الدفاع عن خيار الاستقلال أو عن صيغة أخرى لتقرير المصير.

الموقف الجزائري جاء في الاتجاه نفسه، لكنه قدم قراءة أكثر تفصيلاً للمشكلة. فقد أعربت الحكومة الجزائرية في بيانها الصادر بعد فشل التصويت عن بالغ أسفها لعدم تجديد ولاية المينورسو، واعتبرت أن الانحياز المفرط في المشروع الأمريكي جعل النتيجة شبه حتمية، لأن النص مال، بحسب الخارجية الجزائرية، لصالح المروك على حساب جبهة البوليساريو إلى درجة لم يعد معها صالحاً ليكون أساساً لحل عادل ودائم. كما كشفت الجزائر أن وزير الخارجية أحمد عطاف كان قد وجه قبل التصويت رسائل رسمية إلى أعضاء مجلس الأمن يحذرهم فيها من التداعيات السياسية والأمنية للطريقة الجديدة التي بدأ بها التعامل مع النزاع.

وحددت الخارجية الجزائرية نقاط اعتراضها بصورة مباشرة، معتبرة أن المشروع كان يتجه إلى تكريس أمر واقع داخل الإقليم وإعطائه شرعية سياسية على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وأن التعديلات التي أدخلتها واشنطن لم تعالج المشكلة الأساسية، لأن مخطط الحكم الذاتي بقي الأساس الوحيد للمفاوضات. ووفق هذه القراءة، فإن المشكلة ليست في وجود مقترح مروكي على الطاولة، بل في انتقاله من مقترح يقدمه أحد الطرفين إلى الإطار الوحيد الذي يفترض أن يتحرك داخله الطرف الآخر، وهو ما يجعل مساحة الخيارات السياسية غير متوازنة قبل بدء التفاوض الفعلي.

كما ركز البيان الجزائري على حذف حرف «R» من اسم MINURSO، وهو الحرف الذي يرمز إلى Referendum، الاستفتاء، باعتباره إشارة سياسية إلى إخراج الاستفتاء تدريجياً من المرجعية العملية للنزاع. وهذه النقطة تكتسب معناها من استمرار إدراج الصحراء الغربية حتى اليوم على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهي موجودة على هذه القائمة منذ سنة 1963، ما يعني أن الأمم المتحدة نفسها لم تعتبر مسار تقرير الوضع النهائي للإقليم منتهياً. ولذلك فإن تغيير اسم البعثة لا يغير الوضع القانوني للصحراء الغربية داخل منظومة الأمم المتحدة، لكنه يغير الإشارة السياسية التي تحملها المؤسسة الأممية الموجودة في الميدان.

الجزائر ذهبت في بيانها إلى نقطة أخرى أكثر حساسية عندما اعتبرت أن المشروع الأمريكي كان يمهد تدريجياً لتحويل القضية من مسألة مرتبطة بتصفية الاستعمار وتقرير المصير إلى ملف ذي طابع إنساني يبحث أساساً في أوضاع اللاجئين والحلول المستدامة لهم. هذه القراءة تنطلق من أن معالجة الوضع الإنساني للصحراويين، رغم ضرورتها، لا يمكن أن تصبح بديلاً عن معالجة النزاع السياسي نفسه، لأن وجود اللاجئين في المخيمات منذ عقود مرتبط أصلاً بعدم التوصل إلى تسوية نهائية تقبل بها الأطراف المعنية.

الموقف الروسي جاء بدوره رافضاً لتحديد نتيجة العملية مسبقاً، وقال المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا إن موسكو تدعم حلاً سياسياً ودبلوماسياً على أساس قرارات الأمم المتحدة وميثاقها، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير، وإن الصيغة النهائية لأي تسوية يجب أن تكون مقبولة من المروك وجبهة البوليساريو معاً. روسيا اعتبرت أن المشروع الأمريكي كان يقترب من حسم مسائل السيادة داخل مجلس الأمن قبل الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، واستخدمت حق النقض لإسقاطه رغم حصوله على أحد عشر صوتاً من أصل خمسة عشر، مقابل صوت روسي معارض وثلاثة امتناعات.

أهمية الموقف الروسي تظهر بصورة أكبر في ما حدث بعد الفيتو، لأن موسكو قدمت مشروعاً بديلاً لم يطلب إنهاء المينورسو أو تغييرها، بل اقترح تمديد ولايتها سنة إضافية حتى 31 أكتوبر 2027، مع الحفاظ على اسمها ومهمتها والإشارة إلى حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير. المشروع حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة وصوت واحد معارض وامتناع أحد عشر عضواً، فلم يبلغ الحد الأدنى المطلوب لاعتماده، وهو تسعة أصوات، وبذلك فشل هو الآخر. هذه النتيجة تضع المسؤولية السياسية عن الأزمة الحالية في إطار أوسع من مجرد الفيتو الروسي، لأن المجلس رفض أيضاً الصيغة التي كانت ستبقي البعثة من دون التغييرات التي طرحتها واشنطن.

وهنا يظهر جوهر الأزمة داخل مجلس الأمن، فلم يكن الخلاف بين من يريد استمرار الوجود الأممي ومن يريد إنهاءه، وإنما بين تصور أمريكي يعتبر أن المينورسو يجب أن تتغير بالتوازي مع دفع العملية السياسية نحو الحكم الذاتي، وتصور روسي يفضل استمرار البعثة بصيغتها الحالية وترك شكل التسوية للمفاوضات. الصين بدورها كسرت إجراء الصمت على المشروع الأمريكي، وأبدت خلال المشاورات تحفظاً على تحديد النتيجة مسبقاً وعلى تغيير اسم البعثة، معتبرة أن المحافظة على استمرارية المينورسو وعلى مفاوضات تقوم على قدر أكبر من التكافؤ ضرورية للحفاظ على ثقة الأطراف في العملية السياسية.

أما المروك فقد قرأ فشل التجديد بصورة مختلفة تماماً، إذ رحب الديوان الملكي بعدم تجديد ولاية البعثة واعتبره تطوراً مهماً نحو إغلاق الملف داخل الأمم المتحدة، كما أعلن أن انتهاء الولاية يعني في نظر الرباط أن وجود أفراد المينورسو ومعداتها ورموزها في الإقليم يجب أن ينتهي خلال الفترة المقبلة. هذا الموقف يوضح أن الرباط لم تعد تعتبر استمرار البعثة بصيغتها الحالية ضرورياً، خاصة أن اسمها ومهمتها الأصلية يرتبطان بمسار لم يعد المروك يرى أنه يمثل الطريق الواقعي للحل، في حين تتمسك جبهة البوليساريو بأن انتهاء البعثة لا يغير الوضع القانوني للنزاع ولا يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وتأتي هذه المواجهة في لحظة تختلف جذرياً عن السنوات التي كانت فيها قضية الصحراء الغربية مجمدة عسكرياً، لأن النزاع يشهد منذ سنة 2020 أعمالاً عسكرية منخفضة الحدة بعد انهيار وقف إطلاق النار، بينما استمرت المينورسو في أداء وظائف المراقبة والاتصال والإبلاغ وتقليل مخاطر التصعيد رغم عدم قدرتها على إعادة وقف إطلاق النار إلى وضعه السابق. ولذلك فإن النقاش حول مستقبلها لا يتعلق فقط بتاريخ الاستفتاء أو بشكل العملية السياسية، بل بوجود آلية ميدانية ما تزال توفر لمجلس الأمن والأمم المتحدة قدرة مستقلة على متابعة التطورات العسكرية والتواصل مع الأطراف. وقد حذرت منظمات إنسانية بعد فشل التصويت من أن فقدان هذه الوظائف يمكن أن يرفع المخاطر على المدنيين وعلى الاستقرار الإقليمي.

هذا البعد هو الذي يجعل الأزمة الحالية أخطر بالنسبة إلى الطرف الصحراوي من مجرد تراجع جديد في لغة قرارات مجلس الأمن، لأن فقدان المينورسو يحدث في الوقت نفسه الذي تتجه فيه الولايات المتحدة وفرنسا نحو دعم أكثر وضوحاً للمقترح المروكي، بينما تعتبر البوليساريو أن المسار السياسي يجب أن يظل مفتوحاً على نتيجة تتيح تقرير المصير الحقيقي. إذا انتهى الوجود الميداني للبعثة من دون اتفاق بديل، فإن الضغط لا يقع بالتساوي على الطرفين، فالمروك يسيطر على معظم الإقليم ويتمتع باعترافات سياسية متزايدة بموقفه من بعض القوى الكبرى، بينما تعتمد البوليساريو بدرجة أكبر على استمرار الاعتراف الدولي بأن الوضع النهائي للإقليم لم يحسم بعد وعلى بقاء الأمم المتحدة طرفاً مركزياً في إدارة النزاع.

وهنا يصبح بيان الجزائر مهماً في تفسير الموقف الصحراوي أيضاً، لأنه يضع الخلاف في إطار أوسع من مسألة الحكم الذاتي وحدها، فالمشكلة بالنسبة إلى الجزائر ليست رفض أي حل تفاوضي مع المروك، وإنما رفض أن يصبح الحل المروكي نقطة الانطلاق والنتيجة المحتملة الوحيدة في الوقت نفسه. الخارجية الجزائرية اعتبرت أن مثل هذا المسار يضيق المجال أمام جبهة البوليساريو لتقديم تصورها الخاص ويضعف مبدأ أن الحل يجب أن يكون مقبولاً من الطرفين، وهو المبدأ الذي بقي حاضراً حتى في القرار 2797 الذي كان بدوره أكثر قرباً من الموقف المروكي مقارنة بالقرارات السابقة.

كما أن الأزمة تكشف حدود الرهان على طول أمد النزاع باعتباره عاملاً كافياً لتغيير طبيعته القانونية والسياسية. فمرور أكثر من خمسة عقود على النزاع وعدم تنظيم الاستفتاء لا يؤديان في حد ذاتهما إلى إنهاء وضع الصحراء الغربية داخل الأمم المتحدة، كما أن توسع الاعترافات السياسية بمقترح الحكم الذاتي لا يساوي قراراً أممياً يحسم السيادة على الإقليم. في المقابل، فإن استمرار الجمود يغير فعلياً موازين القوة على الأرض ويزيد من صعوبة الوصول إلى حل، وهو ما يفسر ضغط واشنطن من أجل مقاربة تعتبرها أكثر واقعية، لكنه يفسر أيضاً رفض البوليساريو والجزائر وروسيا لأي صيغة ترى أنها تحول الواقع الميداني الذي نشأ خلال العقود الماضية إلى نتيجة سياسية نهائية.

المينورسو تقع الآن في قلب هذا التناقض، فهي من جهة بعثة فشلت في تنفيذ المهمة الأكثر ارتباطاً باسمها، أي تنظيم الاستفتاء، لكنها من جهة أخرى أصبحت مع مرور الوقت جزءاً أساسياً من إدارة النزاع ومن الوجود الأممي على الأرض. وهذا يفسر لماذا يستطيع المروك اعتبار انتهاء البعثة نهاية مرحلة تجاوزها الزمن، بينما تعتبر البوليساريو أن إنهاءها قبل التوصل إلى حل نهائي يمثل إغلاقاً لآلية أممية من دون تنفيذ الهدف السياسي الذي أنشئت من أجله، وبين الموقفين يقف مجلس الأمن عاجزاً حتى الآن عن الاتفاق على صيغة تحافظ على البعثة من دون أن يحسم في الوقت نفسه الخلاف حول طبيعة التسوية.

ومن الناحية القانونية، كانت ولاية المينورسو قائمة حتى 31 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2797، وحتى آخر المعطيات المتاحة لم يعتمد مجلس الأمن قراراً جديداً لتمديدها. انتهاء الولاية لا يعني اختفاء كل عناصر البعثة فوراً، لأن إنهاء عملية أممية يتطلب إجراءات لوجستية وأمنية وترتيبات تخص الأفراد والمعدات والمواقع، لكنه يعني أن استمرار المهام السابقة يحتاج إلى أساس جديد من مجلس الأمن، وهو ما لم يتحقق بعد.

أما من الناحية السياسية، فإن خسارة المينورسو في هذه اللحظة ستترك العملية الأممية أكثر ضعفاً مما كانت عليه قبل أيام، بينما تبقى كل عناصر النزاع الأساسية قائمة، سيطرة مروكية على الجزء الأكبر من الإقليم، جبهة بوليساريو تطالب بالاستقلال، نشاط عسكري لم يتوقف بصورة كاملة منذ 2020، عشرات الآلاف من اللاجئين الصحراويين في الجزائر، وخلاف دولي متزايد حول ما إذا كان الحكم الذاتي يمثل إطار الحل أو مجرد مقترح من بين مقترحات أخرى. هذه العناصر تجعل انهيار البعثة أقرب إلى إضافة فراغ جديد إلى نزاع لم يُحل، لا إلى إنهاء مرحلة أصبحت غير ضرورية.

وسنة 1991 لا تدخل هنا إلا لفهم أصل هذا الفراغ، لأنها السنة التي أنشئت فيها المينورسو في سياق وقف إطلاق النار وخطة التسوية، أما الأزمة الحالية فهي أزمة 2026 بكل ما تغير خلالها من موازين دولية ومواقف سياسية وواقع ميداني. القضية اليوم ليست العودة زمنياً إلى بداية التسعينيات، وإنما معرفة ما الذي يبقى من أدوات إدارة النزاع إذا انتهت البعثة في وقت لم يوجد فيه اتفاق سياسي بديل ولم تتوقف المواجهة المسلحة بصورة كاملة.

ولهذا فإن الخطر المباشر لا يتمثل في إعلان حرب جديدة في اليوم التالي لانتهاء الولاية، بل في تراجع أدوات الاحتواء والمراقبة والاتصال في نزاع عسكري قائم أصلاً بدرجة منخفضة. كلما تقلص حضور الأمم المتحدة على الأرض تقلصت قدرتها على التحقق المستقل من الأحداث وعلى التواصل الميداني مع الأطراف وعلى منع الحوادث المحلية من التحول إلى أزمات أكبر، وهو ما يجعل مستقبل المينورسو مرتبطاً مباشرة بمستقبل الاستقرار وليس فقط بمستقبل الاستفتاء.

وبالنسبة إلى الشعب الصحراوي، فإن الأزمة الحالية تضع مرة أخرى مسألة أساسية في قلب الملف، وهي الفرق بين التفاوض حول مستقبله والتفاوض داخل مستقبل جرى تحديد حدوده السياسية سلفاً. فإذا كان الحكم الذاتي تحت السيادة المروكية هو الأساس الوحيد، فإن العملية تنتقل عملياً من تحديد الوضع النهائي للإقليم إلى تحديد تفاصيل الحكم داخله، بينما تستمر الأمم المتحدة نفسها في إدراج الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. هذا التناقض بين التحول السياسي داخل مجلس الأمن والوضع الذي ما يزال قائماً داخل منظومة تصفية الاستعمار هو أحد أهم أسباب استمرار الخلاف وعدم قدرة القوى الكبرى على إنتاج قرار يحظى بقبول جميع الأطراف.

والنتيجة التي خرج بها مجلس الأمن في 30 أكتوبر لم تمنح المروك قراراً أممياً يحسم السيادة، ولم تمنح البوليساريو مساراً جديداً نحو الاستفتاء، ولم تحافظ حتى الآن على المينورسو بصيغتها القائمة، وإنما كشفت انتقال النزاع إلى مرحلة أصبح فيها مستقبل الوجود الأممي نفسه جزءاً من الصراع السياسي. روسيا منعت تمرير مشروع رأت أنه يستبق السيادة، والولايات المتحدة رفضت الاكتفاء بتمديد بسيط للمهمة القديمة، بينما بقيت جبهة البوليساريو والجزائر متمسكتين بأن تقرير المصير لا يمكن أن يتحول إلى نتيجة محددة مسبقاً تحت عنوان الواقعية السياسية.

وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة جديدة تحافظ على حضور أممي ذي معنى وتعيد بناء إطار تفاوضي يستطيع الطرف الصحراوي الدخول إليه من دون اعتبار موقفه محسوم النتائج مسبقاً، فإن الأزمة ستتجاوز الخلاف حول اسم المينورسو إلى أزمة ثقة كاملة في المسار الأممي، وهو تطور سيكون له تأثير مباشر على حسابات جبهة البوليساريو وعلى مستقبل المواجهة العسكرية وعلى قدرة الأمم المتحدة على البقاء طرفاً قادراً على إدارة النزاع.

في هذه المرحلة لا تحتاج الصحراء الغربية إلى قرار يعلن انتصار رواية سياسية على أخرى بقدر ما تحتاج إلى إطار لا يغلق النتيجة قبل التفاوض ولا يترك الفراغ الأمني يتوسع في الميدان. أما إذا انتهت المينورسو من دون بديل، وبقي الحكم الذاتي هو الإطار الذي تدفع به القوى الداعمة للمروك، واستمرت البوليساريو في رفضه والتمسك بالاستقلال، فإن القضية لن تكون قد اقتربت من الحل، بل ستكون قد دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها حضور الأمم المتحدة أضعف، والثقة في العملية السياسية أقل، ودور القوة على الأرض أكبر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

شنقريحة يدعو لبناء الوعي.. فمن يمكّن الصحافة من كسب المعركة؟

حين يغادر صحفي متمرس غرفة التحرير، لا تخسر المؤسسة اسمًا من قائمة العاملين فقط. تخسر شبكة …