‫الرئيسية‬ الأولى الجزائر تعيد تفعيل أوراقها الدولية.. الفيتو الروسي يربك واشنطن في ملف الصحراء الغربية
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

الجزائر تعيد تفعيل أوراقها الدولية.. الفيتو الروسي يربك واشنطن في ملف الصحراء الغربية

الجزائر تعيد تفعيل أوراقها الدولية.. الفيتو الروسي يربك واشنطن في ملف الصحراء الغربية
فيتو روسي أسقط محاولة أمريكية داخل مجلس الأمن لتمرير تحول عميق في الموقف الأممي من قضية الصحراء الغربية، عبر جعل مقترح الحكم الذاتي المروكي الأساس الوحيد لاستمرار المفاوضات، في خروج واضح عن التوازن الذي حافظت عليه الأمم المتحدة لعقود بين البحث عن حل سياسي وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. وجاء الموقف الروسي مدعوماً سياسياً بامتناع الصين وباكستان والصومال عن التصويت، في مقابل أغلبية غربية ودول أخرى أيدت المشروع الأمريكي. ورغم أن الجزائر لم تكن عضواً مصوتاً في المجلس سنة 2026، فإن النتيجة جاءت في اتجاه الموقف الذي دافعت عنه دبلوماسيتها باستمرار، الرافض لفرض حل نهائي على الصحراويين خارج إرادتهم.

قراءة الاصطفافات أصبحت اليوم ضرورية، لأن ما حدث في مجلس الأمن لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تصويت تقني حول تمديد مهمة «المينورسو». روسيا استعملت حق النقض، والصين لم تلتحق بالمشروع الأمريكي، وباكستان تمسكت في مداخلاتها بأهمية حق تقرير المصير، بينما اختارت الصومال هي الأخرى الامتناع. وهذا المشهد يعيد إلى الأذهان شبكة العلاقات التقليدية التي بنتها الجزائر خلال عقود مع موسكو وبكين وعدد من دول آسيا وإفريقيا، لكن هذه المرة داخل عالم جديد يتجه بسرعة نحو تعددية قطبية تنهي تدريجياً زمن الانفراد الغربي بصياغة القرارات الدولية.

التصويت أظهر أيضاً أن الجزائر ليست معزولة دولياً كما تحاول بعض الدعاية المروكية تقديمها، وأن لديها هامشاً سياسياً مهماً داخل المعسكر الصاعد الذي تقوده روسيا والصين، إلى جانب قوى مثل باكستان التي تتمسك في هذا الملف بمبدأ تقرير المصير. وهذا لا يعني وجود «حلف جزائري» بالمعنى العسكري أو التنظيمي للكلمة، فكل دولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها، لكنه يعني أن القراءة الجزائرية للنزاع لا تزال تجد سنداً لدى قوى دولية كبرى قادرة على تعطيل مشروع تدعمه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول غربية أخرى.

الأكثر إثارة في هذا التصويت هو الموقف الأمريكي نفسه. فقبل أسابيع فقط كان مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس يتحدث عن الجزائر باعتبارها شريكاً مهماً، ويشيد بدورها في البحث عن تسوية، ويقر بأن الجزائر لا تستطيع فرض حل على جبهة البوليساريو، كما أكد أنه لا توجد تسوية وشيكة. لكن المشروع الذي قدمته واشنطن إلى مجلس الأمن ذهب في اتجاه مختلف، حين جعل المقترح المروكي أساساً وحيداً لاستمرار النقاش، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول المسافة بين الخطاب الأمريكي الموجه إلى الجزائر وبين ما تحاول واشنطن تمريره فعلياً عندما تصل القضية إلى مجلس الأمن.

وبذلك فقدت واشنطن جزءاً من الصورة التي حاولت بناءها باعتبارها وسيطاً قادراً على جمع الأطراف حول تسوية متوازنة. فالمشروع الأمريكي لم يكتف بدعم الحكم الذاتي، بل سعى في صيغته الأولى إلى وصفه بأنه الحل الوحيد الممكن، قبل أن يتم تعديل بعض العبارات تحت ضغط الاعتراضات. ومع ذلك بقي النص النهائي يجعل المقترح المروكي «الأساس الوحيد» للمناقشات المقبلة، وهو ما اعتبرته روسيا والصين خروجاً عن الإطار التاريخي للعملية الأممية ومحاولة لتحديد نتيجة التفاوض قبل أن يتم التفاوض أصلاً.

ومن الصعب أيضاً تجاهل التطابق الموجود بين هذا التحول الأمريكي والمواقف الإسرائيلية المعلنة من القضية. إسرائيل اعترفت رسمياً سنة 2023 بما تسميه «السيادة المغربية» على الصحراء الغربية، كما أن الولايات المتحدة حافظت على اعترافها الذي أعلنه ترامب في نهاية ولايته الأولى. وبالتالي فإن الجزائر تجد نفسها اليوم في مواجهة محور سياسي يدعم الرؤية المروكية للنزاع، في مقابل قوى دولية أخرى ترفض، بدرجات مختلفة، إغلاق ملف تقرير المصير بقرار صادر من فوق. وهذه ليست قراءة أيديولوجية فقط، بل واقع معلن في مواقف الحكومات نفسها.

الجزائر بهذا المعنى تعيد تفعيل ثقل علاقاتها التقليدية التي تعود جذورها إلى مرحلة الحرب الباردة، لكن في سياق مختلف تماماً. لم يعد العالم منقسماً ببساطة بين معسكرين كما كان في القرن الماضي، وإنما أصبح أمام منظومة أكثر تعقيداً، فيها روسيا والصين وقوى آسيوية وإفريقية تسعى إلى منع الغرب من الاحتفاظ وحده بسلطة تحديد قواعد اللعبة. والصحراء الغربية تحولت في هذا التصويت إلى واحدة من ساحات هذا الصراع الجديد بين أحادية غربية تحاول فرض قراءتها وبين تعددية دولية تريد إعادة التوازن إلى المؤسسات الدولية.

وفي قلب هذه المعركة تبقى الحقيقة القانونية التي لا تستطيع كل الحملات الإعلامية محوها. محكمة العدل الدولية أصدرت رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975، وخلصت إلى أن المعطيات التي عرضت عليها لا تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين المملكة المغربية والصحراء الغربية. صحيح أن المحكمة أشارت إلى وجود روابط ولاء قانونية بين سلطان المغرب وبعض القبائل، لكنها أكدت أن هذه الروابط لا ترقى إلى سيادة إقليمية على الأرض. وهذه هي النقطة الأساسية التي حاولت الدعاية المروكية لعقود القفز فوقها، لأن الإقرار بوجود روابط تاريخية شيء، والقول بوجود سيادة قانونية على الإقليم شيء آخر تماماً.

وحتى ملف المجال الجوي للصحراء الغربية ما يزال يكشف استمرار التعقيد الذي تركه الاستعمار الإسباني وراءه. فإسبانيا ما تزال تدير خدمات للملاحة الجوية فوق أجزاء من المنطقة ضمن ترتيبات مرتبطة بمجال معلومات الطيران لجزر الكناري، وهذا لا يعني أن مدريد ما تزال صاحبة السيادة على سماء الصحراء الغربية، كما يقال أحياناً، لكنه يكشف أن الوضع القانوني والتقني للإقليم لم يتحول ببساطة إلى سيادة مروكية كاملة كما تحاول الرباط تقديمه للرأي العام.

الفيتو الروسي جاء إذن في لحظة مفصلية، وأسقط محاولة أمريكية كان من شأنها تغيير قواعد الملف بصورة جذرية. وهو لا يمكن وصفه قانونياً بأنه «فيتو جزائري بالوكالة»، لأن موسكو تتخذ قراراتها وفق مصالحها ورؤيتها الخاصة، لكن من الواضح أن نتيجته خدمت الموقف الجزائري ومنعت تمرير نص كان سيضع الحكم الذاتي المروكي في موقع شبه نهائي داخل المرجعية الأممية.

كما أن الامتناع الصيني والباكستاني له دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها. فالصين، وهي قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن، رفضت الالتحاق بالمشروع الأمريكي، وباكستان، القوة النووية الإسلامية، واصلت التمسك بمبدأ تقرير المصير، بينما اختارت الصومال هي الأخرى عدم منح واشنطن صوتها. وهذا يعني أن المعركة حول الصحراء الغربية لم تعد مجرد خلاف مغاربي كما يحاول البعض تصويرها، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بإعادة تشكيل النظام الدولي.

لكن الصورة لم تنته بانتصار كامل لأي طرف، لأن المشروع الروسي الذي كان يقترح تمديد ولاية «المينورسو» بصورة مباشرة لسنة إضافية لم يحصل هو الآخر على العدد الكافي من الأصوات. وبهذا دخل مجلس الأمن في حالة انسداد حقيقية، وفشل المعسكر الأمريكي في تمرير مشروعه كما فشلت موسكو في تمرير مشروعها البديل. وهذه النتيجة في حد ذاتها تؤكد أن الملف أصبح أكبر من قدرة طرف واحد على حسمه.

المهم بالنسبة إلى الجزائر هو أن محاولة فرض الرؤية المروكية باعتبارها الحل الوحيد اصطدمت بجدار روسي ورفض صيني وتحفظات دول أخرى، وأن حق تقرير المصير لم يختف من النقاش كما كانت الرباط وحلفاؤها يرغبون. بل إن ما حدث أعاد الملف إلى جوهره الحقيقي، وهو أن أي حل لا يمكن أن يعيش إذا لم يكن مقبولاً من الشعب الصحراوي نفسه.

وفي هذا السياق تبدو تصريحات واشنطن السابقة عن البحث عن حل متوافق عليه أقل إقناعاً بعد الاختبار الحقيقي في مجلس الأمن. فحين تتحدث الإدارة الأمريكية إلى الجزائر تقول إن الحل يجب أن يكون مقبولاً وإن الجزائر شريك مهم، لكنها عندما تكتب مشروع القرار تحاول جعل الحكم الذاتي المروكي نقطة الانطلاق الوحيدة. وهنا يظهر التناقض بين الدبلوماسية الناعمة التي تستعمل في اللقاءات الثنائية وبين النصوص التي تحاول القوى الكبرى تمريرها عندما تصبح مصالحها وحساباتها الاستراتيجية على المحك.

لقد أرادت واشنطن أن تغير قواعد الملف، فأوقفتها موسكو بالفيتو، ورفضت بكين وباكستان والصومال الانخراط في النص. والجزائر، وإن لم تكن جالسة هذه المرة على مقعد عضو مجلس الأمن، كانت حاضرة سياسياً من خلال موقفها وتحالفاتها وعلاقاتها الدولية، وخرجت من هذه الجولة وقد أثبتت أن الرهان على عالم متعدد الأقطاب لم يعد مجرد خطاب دبلوماسي.

الصحراء الغربية تعود بذلك إلى قلب الصراع الدولي، لا فقط بين الجزائر والمروك، وإنما بين تصورين للعالم، تصور يريد أن تفرض القوى الغربية الحلول وفق موازين مصالحها، وتصور آخر يرفض أن يبقى مجلس الأمن أداة لتثبيت الأمر الواقع كلما توافق عليه الغرب.

وإذا كانت هذه الجولة قد انتهت بالانسداد، فإن الرسالة التي خرجت من نيويورك واضحة، لا واشنطن استطاعت فرض مشروعها، ولا المروك استطاع تحويل الدعم الغربي و”الإسرائيلي” إلى شرعية أممية نهائية، ولا قضية الصحراء الغربية خرجت من دائرة تقرير المصير.

قد تكون هذه أولى المعارك الكبرى التي تكشف كيف ستتعامل الجزائر مع النظام الدولي الجديد، ليس بمنطق العزلة ولا بالشعارات، وإنما باستعمال ثقل علاقاتها التقليدية مع روسيا والصين والقوى الصاعدة من أجل منع فرض حلول تعتبرها تهديداً لمصالحها وللمرجعية التي دافعت عنها منذ عقود.

الجزائر هذه المرة لم تكن داخل مجلس الأمن بصوت، لكنها كانت حاضرة بثقل الموقف وبشبكة العلاقات، والفيتو الروسي كان كافياً لإسقاط مشروع كانت واشنطن تريد من خلاله تغيير قواعد اللعبة في الصحراء الغربية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إجماع في مجلس الأمة على إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر

صادق مجلس الأمة، الأحد 25 أكتوبر، بإجماع المصوّتين، على الإخطار الموجّه من رئيس الجمهورية،…