‫الرئيسية‬ الأولى هل تدفع أمريكا نحو حرب طائفية بين الشيعة والسنة في الخليج؟
الأولى - الحدث - الدولي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫29 دقيقة مضت‬

هل تدفع أمريكا نحو حرب طائفية بين الشيعة والسنة في الخليج؟

هل تدفع أمريكا نحو حرب طائفية بين الشيعة والسنة في الخليج؟
تتزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون بصدد التحضير لمرحلة جديدة من التصعيد العسكري ضد إيران، لا تستبعد سيناريو التدخل البري، بدعم من إسرائيل، بهدف السيطرة على جزيرة خرج النفطية الاستراتيجية. ويبدو أن هذا الخيار بات مطروحاً بجدية في حسابات إدارة الرئيس دونالد ترامب، رغم التحذيرات المتزايدة من شخصيات عسكرية وسياسية أمريكية من مغبة الانزلاق إلى حرب برية قد تتحول إلى مستنقع يصعب الخروج منه. وقد ذهب مسؤولون أمريكيون سابقون إلى حد اعتبار أن ترامب خسر الحرب ضد إيران، وأن الخيارات المتاحة أمامه للخروج من هذه الورطة أصبحت محدودة.

ولا يمكن فهم هذا التصعيد المحتمل بمعزل عن الوضع الداخلي الأمريكي، الذي يزداد تعقيداً على المستويين السياسي والاقتصادي. فالرئيس ترامب يواجه ضغوطاً متصاعدة قد تنعكس على نتائج انتخابات التجديد النصفي، وتؤدي إلى خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس، بما يضعه أمام مأزق سياسي قد يحدّ من قدرته على تنفيذ أجندته، ويفتح الباب أمام تحقيقات ومواجهات مؤسسية أكثر حدة مع خصومه الديمقراطيين. أما اقتصادياً، فإن ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من زيادة تكاليف المعيشة والإنتاج يفاقم حالة التذمر الشعبي، ويضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب. وتزداد خطورة المشهد مع التحذيرات التي يطلقها بعض المقربين السابقين من ترامب بشأن طبيعة تفكيره في إدارة الحرب، ولا سيما ما يتعلق بالتلويح باستخدام السلاح النووي ضد إيران.

وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان التصعيد العسكري يهدف فقط إلى تحقيق أهداف استراتيجية ضد إيران، أم أنه يرتبط أيضاً بحسابات سياسية داخلية يسعى ترامب من خلالها إلى تجنب الظهور بمظهر الرئيس الذي خسر الحرب. فحين تصبح الهيبة الشخصية والسياسية للرئيس جزءاً من معادلة اتخاذ القرار العسكري، تتراجع فرص التسوية، ويزداد احتمال اتخاذ قرارات متسرعة قد يدفع ثمنها ملايين البشر، لا في إيران وحدها، بل في المنطقة بأكملها.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن التدخلات العسكرية الأمريكية كثيراً ما خلّفت وراءها دماراً واسعاً وأزمات طويلة الأمد، من فيتنام إلى أفغانستان، وصولاً إلى حروب الخليج. ولذلك، فإن أي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران، وخصوصاً إذا اتخذت شكل غزو بري لجزيرة خرج ذات الأهمية النفطية والاستراتيجية، لن تكون عملية عسكرية محدودة بالضرورة، بل قد تشكل شرارة لحرب إقليمية يصعب التحكم في مساراتها أو احتواء تداعياتها. وقد لا يكون المخرج من هذا السيناريو الكارثي إلا بتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية والدبلوماسية على ترامب لمنعه من اتخاذ خطوة قد تدفع الخليج والشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في المواجهة العسكرية وحدها، بل في احتمال تحولها إلى صراع طائفي بين السنة والشيعة. فإشعال الانقسامات المذهبية في المنطقة يمثل، من منظور كثير من منتقدي السياسات الإسرائيلية والغربية، أحد السيناريوهات التي يمكن أن تخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، لأنها تضعف دول المنطقة من الداخل، وتحوّل الصراع من مواجهة مع الاحتلال والسياسات التوسعية إلى اقتتال بين شعوب تجمعها روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.

والغرب يدرك، بحكم تجربته التاريخية، أن الحروب الدينية والطائفية من أكثر الصراعات تعقيداً، وأن آثارها قد تستمر أجيالاً بعد توقف المعارك. فقد شهدت أوروبا حروباً دينية دامية بين الكاثوليك والبروتستانت، خلّفت مآسي بشرية وسياسية عميقة. وإذا انتقلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى الشارع العربي والإسلامي، وتحولت إلى تعبئة مذهبية تستهدف السنة والشيعة بعضهم ضد بعض، فإن إسرائيل ستكون من أبرز المستفيدين من هذا الانقسام، إذ ستتراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية، وتنشغل دول المنطقة بصراعات داخلية تستنزف قدراتها وتفكك تحالفاتها.

وفي هذا السياق، يبرز خطر توظيف الانتماء المذهبي في بناء تحالفات سياسية وعسكرية جديدة، بحيث يُعاد تقديم الصراع على أنه مواجهة بين دول سنية وإيران الشيعية، بدلاً من النظر إليه باعتباره صراعاً على النفوذ والمصالح والأمن الإقليمي. وقد تجد إسرائيل في مثل هذا الاستقطاب فرصة لتعزيز علاقاتها مع بعض الدول، وتقديم نفسها باعتبارها شريكاً في مواجهة خطر مشترك، بينما تكون النتيجة الفعلية هي تعميق الانقسام داخل العالم الإسلامي. غير أن اختزال مواقف الدول في هويتها المذهبية يتجاهل حقيقة أن المصالح السياسية والحسابات الأمنية لا تتطابق بالضرورة مع الانتماءات الدينية.

وما يثير القلق أن مؤشرات هذا الاستقطاب لم تعد محصورة في مراكز القرار أو وسائل الإعلام التقليدية، بل امتدت إلى شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتصدر الخطاب الطائفي جانباً متزايداً من النقاشات. والمثير للسخرية والقلق معاً أن بعض الجزائريين، الذين لا تربطهم علاقة مباشرة بهذا الصراع، انخرطوا في سجالات مذهبية لا تخدم سوى تأجيج الكراهية، حتى بدا بعضهم أكثر تطرفاً من أطراف الصراع أنفسهم. وهنا تكمن خطورة الدعاية السياسية والطائفية: فهي لا تكتفي بتقسيم المجتمعات التي تعيش الصراع، بل تصدّر الانقسام إلى مجتمعات بعيدة عنه، وتحول الخلافات السياسية إلى عداوات دينية يصعب احتواؤها.

ولعل ما يجري في سوريا يقدم مثالاً واضحاً على خطورة هشاشة التوازنات الداخلية عندما تتداخل الانقسامات الطائفية مع التدخلات الخارجية والصراع على السلطة. فالمطالب الانفصالية، والبحث عن الحماية لدى قوى خارجية، بما فيها إسرائيل، قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تزيد من تفكيك الدولة وتعمّق انعدام الثقة بين مكوناتها. ومن هنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بـ«قنبلة الجولاني»، في إشارة إلى التداعيات المحتملة للسياسات والصراعات المرتبطة بالقيادة السورية الحالية؛ إذ إن استمرار التوترات من دون تسوية سياسية جامعة قد يضع البلاد والمنطقة أمام أزمات جديدة، لا يمكن التنبؤ بحدودها أو بنتائجها.

إن إنزال القوات الأمريكية على الأراضي الإيرانية لن يكون، في هذه الحالة، مجرد تطور عسكري، بل قد يشكل نقطة تحول تدفع المنطقة بأكملها إلى مواجهة مفتوحة. فإيران ليست دولة معزولة جغرافياً أو سياسياً، وأي حرب واسعة ضدها ستترك آثاراً مباشرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية، كما قد تستدعي تدخل أطراف إقليمية أخرى، وتفتح جبهات متعددة يصعب إغلاقها في وقت قصير. أما الخطاب السياسي الذي يصور الإسلام، بصورة عامة، باعتباره تهديداً للمجتمعات الغربية، كما في تصريحات ترامب بشأن أعمال الشغب في فرنسا، فإنه يثير بدوره تساؤلات حول مدى تأثير التصورات الأيديولوجية والدينية في مواقفه من العالم الإسلامي، بشيعته وسنته. ومع ذلك، فإن الحكم على دوافع القرارات العسكرية يقتضي التمييز بين التصريحات السياسية والأدلة التي تثبت وجود توجه محدد لدى الإدارة الأمريكية.

إن ما يجري في المنطقة لا يمكن فصله عن عقود من التدخلات الخارجية، والصراعات على النفوذ والثروات، ومحاولات استثمار الانقسامات الداخلية لتحقيق أهداف استراتيجية. والخطر الحقيقي هو أن تتحول هذه العوامل إلى مشروع تفكيك طويل الأمد، تكون الشعوب العربية والإسلامية ضحيته الأولى، فيما تجني القوى الأكثر استفادة من انقسام المنطقة مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية. وقد بدأت بعض ملامح هذا المشهد تظهر في ساحات الصراع المختلفة، ومنها اليمن، حيث تداخلت التدخلات الإقليمية والدولية مع الانقسامات المحلية، وأدت إلى حرب مدمرة وأزمة إنسانية طويلة.

وفي النهاية، فإن مطالبة ترامب وزارة الدفاع الأمريكية، أو البنتاغون، بإعداد سيناريوهات لضرب إيران قبل الانتخابات الأمريكية، إذا تأكدت تفاصيلها، ستكون مؤشراً بالغ الخطورة على احتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعاً. فالتخطيط لضربات عسكرية جديدة قد يفتح الباب أمام ردود متبادلة تتجاوز الحسابات الأولية، وتحوّل الخليج إلى ساحة حرب شاملة. ويبدو أن أحد أكبر التحديات التي تواجه ترامب هو رفضه الظهور بمظهر الرئيس الذي أخفق في تحقيق أهدافه العسكرية، لأن الاعتراف بالفشل قد ينعكس على صورته السياسية وعلى ادعائه استعادة الهيبة الأمريكية.

لكن التاريخ يثبت أن الإصرار على تجنب الاعتراف بالخسارة قد يقود أحياناً إلى خسائر أكبر بكثير. وإذا كان ترامب يسعى إلى حماية سمعته ومكانة الولايات المتحدة الدولية، فإن توسيع الحرب قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً: استنزاف القوة الأمريكية، وزعزعة استقرار الخليج، وارتفاع كلفة الطاقة، وتعميق الانقسامات الطائفية، وفتح المجال أمام صراعات قد تستمر سنوات طويلة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط ما إذا كانت أمريكا ستشن حرباً جديدة على إيران، بل أيضاً ما إذا كانت المنطقة ستسمح بتحويل هذه الحرب إلى صراع بين السنة والشيعة. فالمواجهة العسكرية، مهما بلغت حدتها، يمكن أن تنتهي بتسوية سياسية، أما تحويلها إلى حرب مذهبية شاملة فقد يترك جراحاً عميقة في المجتمعات الإسلامية يصعب التئامها لعقود. ومن هنا، فإن منع الحرب لا يعني الدفاع عن سياسات إيران أو تبرير مواقفها، بل يعني رفض أن تتحول شعوب المنطقة إلى وقود لصراعات القوى الكبرى، أو أن يصبح الانقسام المذهبي بديلاً عن الوعي بالمصالح المشتركة ومواجهة الأخطار الحقيقية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

المروك والجزائر.. قصة هوس لا تنتهي!

أصبح من الواضح اليوم أن مملكة المروك أصيبت بمتلازمة الجزائر، ولا أمل في شفائها من هذا المر…