‫الرئيسية‬ الأولى إرهابيو «تيك توك» يروّعون الجزائريين
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫15 دقيقة مضت‬

إرهابيو «تيك توك» يروّعون الجزائريين

إرهابيو «تيك توك» يروّعون الجزائريين
لم يعد الأمر يتعلق بمجرد خطابات دينية متشددة أو آراء صادمة منشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل ظهرت فيديوهات تدعو بصورة صريحة إلى ضرب المرأة والاعتداء عليها، وتبرر استخدام العنف ضدها بسبب لباسها أو سلوكها أو وجودها في الفضاء العام.

هذه المقاطع المتداولة، خصوصًا عبر منصة «تيك توك»، تجاوزت كل حدود النقاش والرأي، وتحولت إلى تحريض مباشر على العنف ضد النساء، في مشهد خطير يعيد إلى أذهان الجزائريين الخطاب الذي سبق سنوات الإرهاب، حين بدأت الدعوات بالتكفير والتهديد، ثم انتهت بالاعتداء والقتل وسفك الدماء.

يظهر أصحاب هذه الفيديوهات أمام الكاميرا وهم يمنحون أنفسهم سلطة الحكم على المرأة الجزائرية، ويقررون متى يجوز ضربها، وكيف يجب تأديبها، وما اللباس الذي يحق لها ارتداؤه، وإلى أين يمكنها الذهاب. وكأن الجزائر أصبحت غابة بلا قانون، أو كأن جسد المرأة وحريتها أصبحا ملكًا لمتطرف يحمل هاتفًا وينصب نفسه قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه.

إن الدعوة إلى ضرب المرأة ليست فتوى ولا موعظة ولا رأيًا دينيًا، بل تحريض واضح على ارتكاب اعتداءات جسدية قد تؤدي إلى إصابات خطيرة أو حتى إلى جرائم قتل. ومن ينشر مثل هذا الخطاب لا يمارس حرية التعبير، وإنما يشجع متابعيه على ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون.

الأخطر أن هذه المقاطع تصل إلى آلاف الشباب في وقت قصير، وتقدم العنف باعتباره سلوكًا شرعيًا أو بطولة أخلاقية. وقد يجد شخص مضطرب أو متطرف في هذه الدعوات مبررًا للاعتداء على زوجته أو أخته أو امرأة لا يعرفها في الشارع، ثم يدعي أنه كان يطبق ما سمعه من أحد دعاة «تيك توك».

ولا يمكن التعامل مع هذه الفيديوهات على أنها مجرد كلام فارغ أو بحث عن الشهرة والمشاهدات، لأن التحريض العلني يخلق مناخًا يسمح بوقوع الجريمة. فالكلمة التي تطلق عبر شاشة الهاتف قد تتحول في اليوم التالي إلى صفعة أو طعنة أو جريمة قتل داخل منزل أو في شارع عمومي.

لقد أصبح بعض المتطرفين الرقميين يراقبون لباس النساء وخروجهن إلى البحر وحضورهن في الأعراس والجامعات وأماكن العمل، ثم يطلقون ضدهن حملات من السب والتشهير والتهديد. واليوم انتقل بعضهم من وصف المرأة بالعاصية أو الفاسدة إلى الدعوة العلنية لضربها، وهو تصعيد خطير لا يجوز أن يمر دون متابعة.

الإرهاب لم يبدأ يومًا بالسلاح وحده. لقد بدأ بخطاب يقسم المجتمع إلى مؤمنين وكفار، ويبرر الاعتداء على المخالف، ويمنح أشخاصًا مجهولين حق تطبيق العقوبة بأيديهم. وهو الخطاب نفسه الذي يعود اليوم، ولكن عبر مقاطع قصيرة وخوارزميات تدفع بالمحتوى المتطرف إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين.

في السابق، كان المتطرف يوزع منشورًا سريًا أو شريطًا مسجلًا، أما اليوم فيستطيع الوصول إلى مئات الآلاف من الهواتف خلال ساعات. يتحدث أمام الكاميرا، يصرخ، يشتم، يهدد، ويدعو إلى ضرب المرأة، ثم يحصد المشاهدات والتعليقات وكأنه يقدم مادة ترفيهية لا خطابًا يمكن أن يهدد حياة الناس.

إن كل فيديو يدعو إلى ضرب النساء يجب أن يكون محل فحص وتحقيق من المصالح الأمنية المختصة بمكافحة الجريمة الإلكترونية. وينبغي حفظ الأدلة الرقمية وتحديد أصحاب الحسابات الحقيقية والتحقق من محتوى المقاطع وسياقها، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة متى ثبتت الدعوة إلى العنف أو التهديد أو التحريض على الاعتداء.

فالدولة لا يمكنها انتظار سقوط ضحية حتى تتحرك. وظيفتها الأساسية هي الوقاية من الجريمة وحماية المواطنين، والمرأة الجزائرية مواطنة كاملة الحقوق لا يجوز تركها تحت رحمة أشخاص يهددونها من خلف الشاشات.

كما أن مسؤولية المنصات الرقمية مطروحة بقوة. فكيف تسمح منصة لمقطع يدعو إلى ضرب المرأة بالبقاء والانتشار وجمع المشاهدات؟ ولماذا تحذف أحيانًا محتويات بسيطة، بينما تظل فيديوهات التحريض على العنف متاحة لساعات أو أيام، ثم يعود أصحابها بحسابات جديدة بعد غلق حساباتهم القديمة؟

لكن المسؤولية لا تقع على المنصات وحدها. على وزارة الشؤون الدينية أن تتدخل عندما يستخدم أصحاب هذه المقاطع لغة دينية أو يقدمون أنفسهم على أنهم أئمة أو دعاة. ويجب توضيح أن الدعوة إلى ضرب النساء ليست خطابًا دينيًا مقبولًا، وأن المنابر والصفات الدينية لا تمنح أحدًا حصانة من المتابعة.

كما تقع مسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام الوطنية، التي يفترض أن تكشف هذه الظاهرة وتناقش خطرها دون إعادة نشر المقاطع بطريقة تمنح أصحابها شهرة إضافية. المطلوب هو معالجة مهنية تفضح التحريض، وتحمي هوية الضحايا، وتجنب تحويل المتطرفين إلى نجوم على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما المواطن، فعليه ألا يكتفي بمشاركة الفيديو غضبًا أو سخرية، لأن إعادة النشر تخدم صاحبه وتزيد من وصول خطابه. الأفضل هو الاحتفاظ بالرابط أو تسجيل المقطع كدليل، ثم التبليغ عنه لدى المنصة والجهات الأمنية المختصة، دون الدخول في تهديدات مضادة أو حملات تشهير غير قانونية.

إن الصمت أمام الدعوة إلى ضرب المرأة يعني منح هذا الخطاب فرصة للتحول إلى ممارسة يومية داخل البيوت والشوارع. ومن يقبل اليوم أن يهدد شخص امرأة بسبب لباسها، قد يقبل غدًا أن يضربها، ثم أن يعاقبها أو يقتلها باسم فهم متطرف للدين.

المرأة الجزائرية ليست ملكًا لدعاة «تيك توك»، ولا يملك أي شخص حق تأديبها أو ضربها أو فرض وصايته عليها. هناك دولة وقانون وقضاء، وأي خلاف أو مخالفة لا تعالج بالعنف ولا بالتحريض ولا بإنشاء شرطة دينية افتراضية.

لقد دفع الجزائريون ثمن الإرهاب غاليًا، ولا يمكن السماح بعودة خطابه من بوابة مواقع التواصل الاجتماعي. الفرق الوحيد أن إرهابي الأمس كان يحمل منشورًا أو سلاحًا، بينما يحمل إرهابي اليوم هاتفًا ذكيًا ويزرع الكراهية في عقول آلاف المتابعين.

المطلوب تدخل سريع وحاسم من المصالح الأمنية والقضائية المعنية، ليس لقمع الآراء أو محاربة الدين، بل لحماية النساء والمجتمع من التحريض على العنف، ووضع حد لكل من يعتقد أن عدد متابعيه يسمح له بتهديد الجزائريين والدعوة إلى الاعتداء عليهم دون حساب.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

خطاب على المقاس… ونائب تحاصره فضيحة التطبيع

اختار النائب عبد الوهاب يعقوبي، بعد رفض ملف ترشحه لعهدة نيابية جديدة، أن يخرج إلى الرأي ال…