‫الرئيسية‬ الأولى هل يجري التحضير لموجة ثانية من تهجير إطارات الجزائر؟
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫59 دقيقة مضت‬

هل يجري التحضير لموجة ثانية من تهجير إطارات الجزائر؟

هل يجري التحضير لموجة ثانية من تهجير إطارات الجزائر؟
حذّرت الأمينة العامة لحزب العمال، السيدة لويزة حنون، في مقطع فيديو متداول، من تنامي حملات وخطابات قد تؤسس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لما يشبه «الشرطة الدينية» في الجزائر؛ شرطة تتولى مراقبة سلوك المواطنين في الشوارع، وتمنح نفسها سلطة الحكم على لباسهم وحياتهم الخاصة وتصنيفهم وفق قراءات متشددة للدين.

هذا التحذير ليس معزولًا عن واقع بدأ يتشكل منذ سنوات، من خلال محاولات توطين تيارات دينية متطرفة، في مقدمتها الوهابية والسلفية المتشددة وبعض التيارات التكفيرية والمداخلية، بعد أن تراجعت مكانتها ونفوذها حتى في عدد من البلدان الخليجية التي احتضنتها لعقود، ثم اكتشفت حجم الأضرار التي ألحقتها بالحياة الاجتماعية والثقافية وبعلاقة الفرد بالمجتمع والدولة.

لقد عانت مجتمعات عربية عديدة، طوال سنوات، من قهر هذه التيارات التي حوّلت حياة الناس اليومية إلى ساحة للمراقبة والتخوين والتحريم، وفرضت على المواطنين أنماطًا موحدة من التفكير واللباس والسلوك، قبل أن تبدأ الدول التي نشأت فيها بمراجعة سياساتها والحد من نفوذها وإبعادها عن المجال العام.

غير أن هذه التيارات، بدل أن تختفي، أخذت تبحث عن فضاءات جديدة لإعادة الانتشار، ويبدو أن الجزائر، ومعها بدرجة أقل عدد من بلدان شمال إفريقيا، أصبحت هدفًا مفضلًا لها، بسبب هشاشة التأطير الثقافي في بعض المناطق، وتراجع حضور المؤسسات، وانتشار الخطاب الشعبوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

إن عملية تدمير الحياة الاجتماعية في الجزائر ليست مسألة عابرة ولا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد اختلاف فقهي أو ديني. فقد سبق للجزائريين أن عاشوا تجربة قاسية خلال سنوات الإرهاب، حين مهّدت خطابات التكفير والكراهية والعنف الرمزي لظهور جماعات مسلحة ارتكبت جرائم بشعة في حق الشعب والدولة.

لقد حضّر خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، إلى جانب تنظيمات أكثر تطرفًا، الأرضية الفكرية والسياسية التي سبقت العشرية السوداء. وكانت إحدى أخطر نتائج تلك المرحلة تهجير جيل كامل من الإطارات والكفاءات الجزائرية إلى الخارج، بعد أن أصبح الأطباء والأساتذة والمهندسون والصحفيون والمثقفون والفنانون أهدافًا مباشرة للتهديد والاغتيال.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن مئات الآلاف من الجزائريين، وبينهم عدد كبير من أصحاب الكفاءات، غادروا البلاد خلال تلك المرحلة أو بعدها، مصطحبين عائلاتهم إلى أوروبا وأمريكا الشمالية ودول أخرى. وقد شكّل هذا النزيف البشري خسارة استراتيجية لا تقل خطورة عن الخسائر المادية التي خلّفها الإرهاب.

لكن الجزائر، رغم كل شيء، لم تسقط. لقد صمدت بصعوبة، بفضل مقاومة الشعب ومؤسسات الدولة وتضحيات الجيش وقوات الأمن والمواطنين. غير أن مؤشرات السنوات الأخيرة تطرح سؤالًا خطيرًا: هل يجري التحضير اليوم، بأساليب مختلفة، لموجة ثانية من تهجير ما تبقى من الإطارات والطبقة الوسطى؟

هذه المرة قد لا يكون التهجير نتيجة الاغتيالات والقنابل، بل نتيجة تحويل الحياة الاجتماعية إلى جحيم، واستهداف المرأة، ومحاصرة الفنون، وتجريم الفرح، والتدخل في الحياة الخاصة للأسر، وفرض نمط اجتماعي متشدد يدفع الآباء والأمهات إلى البحث عن مستقبل أكثر أمنًا وحرية لأبنائهم وبناتهم خارج البلاد.

إن التأسيس لشرطة دينية شبيهة بما عُرف في السعودية باسم «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» يشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع وعلى سلطة الدولة. فقد عرفت تلك الهيئة، قبل تقليص صلاحياتها بصورة كبيرة، بتدخلها في لباس المواطنين وحياتهم الخاصة والتجمعات العامة، وبممارسات أثارت انتقادات واسعة داخل المجتمع السعودي نفسه.

ولا يمكن للجزائر أن تسمح بظهور نسخة محلية من هذا النموذج، سواء بصورة رسمية أو عبر مجموعات ضغط غير معلنة تمنح نفسها حق مطاردة المواطنين والتشهير بالنساء ومراقبة الأعراس والحفلات والشواطئ والفضاءات العامة.

لقد سبق أن حذرت، منذ سنوات وفي مقالات منشورة في صحف وطنية، من ظهور ملامح شرطة دينية غير رسمية، خاصة في بعض الولايات الداخلية، حيث تتراجع أحيانًا سلطة القانون أمام نفوذ جماعات محلية متشددة، أو أمام تواطؤ بعض المسؤولين المحليين وصمتهم، أو خوفهم من مواجهة الخطاب الديني الشعبوي. وكانت المؤشرات واضحة، بدءًا من التضييق على قاعات الأفراح، مرورًا بمحاولات فرض حفلات من دون موسيقى، وصولًا إلى تخويف أصحاب القاعات والفنانين والعائلات، بحجة أن الغناء والرقص والاحتفال أمور محرمة.

هذا الخطاب يتجاهل التاريخ الإسلامي نفسه، الذي عرف الموسيقى والشعر والغناء والفنون في عصور مختلفة، بما فيها العهدان الأموي والعباسي. وقد كانت قصور الخلفاء، ومن بينها بلاط هارون الرشيد، فضاءات للشعر والموسيقى والمناظرات الأدبية والعلمية.

ولا يعني الاستناد إلى التاريخ تبرير كل ما وقع فيه، وإنما كشف التناقض الصارخ لدى من يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب التفسير الوحيد للدين، ثم يتجاهلون التنوع الكبير الذي عرفته الحضارة الإسلامية في الفقه والفكر والثقافة والفنون. ويعود التيار المتطرف اليوم لاستغلال فاجعة دار الأيتام بالمحمدية، التي ذهب ضحيتها أطفال أبرياء، من أجل تمرير خطاب اجتماعي خطير لا علاقة له بالدفاع عن الضحايا ولا بالمطالبة بكشف المسؤوليات الحقيقية عن الحادثة.

لقد جرى توظيف هذه الفاجعة في اتجاهين أساسيين:

الاتجاه الأول يتمثل في تجريم المرأة الجزائرية وشيطنتها، من خلال ربط المأساة بالأمهات اللواتي أنجبن خارج إطار الزواج، وكأن المرأة وحدها مسؤولة عن ولادة الطفل، وكأن الرجل غير موجود في المعادلة ولا يتحمل أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية أو اجتماعية. هذا الخطاب يكشف ازدواجية فاضحة؛ فهو يحمّل المرأة كامل المسؤولية، ثم يتجاهل الرجل الذي شارك في العلاقة أو استغل المرأة أو تخلى عن الطفل. كما أنه يحوّل الأطفال مجهولي النسب من ضحايا يحتاجون إلى الحماية والرعاية إلى مادة للتشهير والوصم الاجتماعي. والحقيقة أن الإسلام لم يحمّل الطفل مسؤولية ظروف ولادته، ولم يعتبر مجهول النسب مذنبًا أو أقل قيمة من غيره. كما عرف التاريخ الإسلامي شخصيات عُرفت بخلافات حول نسبها، ومن بينها القائد والسياسي زياد بن أبيه، الذي كان من أبرز رجال الدولة في العهد الأموي، رغم الجدل التاريخي المعروف بشأن نسبه.

المبدأ الديني والإنساني واضح: لا يتحمل الطفل وزر والديه، ولا يجوز معاقبته أو إهانته أو حرمانه من حقوقه بسبب خطأ لم يرتكبه. غير أن التيار المتطرف، عديم الحس الإنساني، وجد في حادثة المحمدية فرصة جديدة للهجوم على المرأة الجزائرية وإعادة إنتاج خطاب الكراهية ضدها. ولم نسمع، في أغلب هذه الحملات، حديثًا جديًا عن مسؤولية الرجال، ولا عن شبكات الاستغلال، ولا عن الابتزاز الجنسي، ولا عن التخلي عن الأطفال، ولا عن تقصير المؤسسات، ولا عن ضرورة توفير حماية اجتماعية وقانونية للأمهات والأطفال.

لقد اختُزلت القضية كلها في جسد المرأة وسلوكها، لأن الهدف الحقيقي ليس معالجة المأساة، وإنما استغلالها لضرب مكانة المرأة والبنت وكل أنثى في المجتمع الجزائري.

أما الاتجاه الثاني فيتمثل في استخدام الفاجعة لضرب مظاهر الفرح والاحتفال في المجتمع. فقد انتشرت صور وتعليقات تدين إقامة حفلات الغناء والرقص بالتزامن مع الحادثة، وكأن المطلوب من المجتمع بأكمله أن يدخل في حداد دائم، أو كأن وقوع مأساة في مكان ما يبرر تجريم الأعراس والمناسبات العائلية في كل أنحاء البلاد.

لا أحد ينكر ضرورة احترام الضحايا أو مشاعر عائلاتهم، ولا أحد يقبل تحويل المآسي إلى مادة للترفيه. لكن هناك فرقًا بين التضامن الإنساني مع الضحايا وبين استخدام الحزن وسيلة لفرض نمط اجتماعي متشدد يجرّم الفرح والموسيقى والفنون.

الهدف ليس الحزن على الأطفال، بقدر ما هو شيطنة مظاهر الاحتفال في المجتمع بصفة عامة، وفرض تصور يعتبر كل غناء أو موسيقى أو رقص فعلًا محرمًا، رغم أن هذه المسائل عرفت اختلافًا فقهيًا وفكريًا واسعًا عبر التاريخ الإسلامي. وقد عاد أحد الأئمة المعروفين في سطيف، بعد فترة من الصمت، إلى إطلاق خطابات صاخبة يقدم من خلالها نفسه وكأنه صاحب الحق الحصري في تحديد من يدخل الجنة ومن يستحق الإدانة. إن رجل الدين، أيًا كانت صفته، لا يملك مفاتيح الجنة ولا حق توزيع شهادات الإيمان والأخلاق على المواطنين.

أما الأخطر فهو صدور عبارات مهينة عن أئمة تابعين لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، من بينها وصف الرجل الذي يذهب مع زوجته إلى البحر بأنه «ديوث». فهذه الكلمة شتيمة ثقيلة لا يمكن قبولها في خطاب ديني مسؤول، ولا يجوز أن تصدر عن إمام يتقاضى راتبه من الخزينة العمومية ويؤدي مهمة يفترض أن تقوم على الوعظ والحكمة واحترام المواطنين.

من حق الإمام أن يعرض رأيًا فقهيًا ضمن حدود القانون واحترام الآخرين، لكن ليس من حقه إهانة ملايين الجزائريين أو التشكيك في شرفهم وكرامتهم بسبب ذهابهم مع زوجاتهم وبناتهم إلى البحر. وعندما يتقاضى الإمام أجره من المال العام، فإنه يصبح ملزمًا بواجب التحفظ وباحترام قوانين الجمهورية ومؤسساتها ومواطنيها. أما تحويل المنبر إلى وسيلة للسب والتخويف والتحريض الاجتماعي، فهو انحراف عن الوظيفة الدينية ومسّ مباشر بهيبة الدولة.

عندما نجمع هذه المؤشرات، نصل إلى نتيجة واحدة: هناك محاولة ممنهجة، سواء كانت منسقة أو ناتجة عن تقاطع مصالح، لتدمير الحياة الاجتماعية في الجزائر وتحويلها إلى فضاء خانق، خاصة بالنسبة إلى المرأة والبنت والأنثى بصفة عامة.

إن الضغط المتواصل على النساء، والتدخل في لباسهن وحركتهن ودراستهن وعملهن وذهابهن إلى البحر أو الأعراس، كفيل وحده بدفع كثير من العائلات، خاصة المنتمية إلى الطبقة الوسطى، إلى التفكير في الرحيل عن البلاد أو إرسال بناتها وأبنائها إلى الخارج. ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن الأموال، وبيع الممتلكات، وتحويل المدخرات، والبحث عن تأشيرات الدراسة والعمل والإقامة، حتى تتمكن العائلات من تأمين مستقبل أبنائها في بلدان تعتبرها أكثر رحمة واستقرارًا واحترامًا للحياة الخاصة.

وتأتي أوروبا في مقدمة الوجهات بحكم القرب الجغرافي، فضلًا عن حاجتها المتزايدة إلى اليد العاملة والكفاءات بسبب تراجع معدلات الإنجاب وارتفاع نسبة الشيخوخة. وبهذا تتحول الجزائر، من حيث تدري أو لا تدري، إلى خزان بشري مجاني لدول أخرى تستفيد من أطبائها ومهندسيها وباحثيها وتقنييها بعد أن أنفقت الدولة الجزائرية على تكوينهم لسنوات.

إن الأضرار التي تلحقها الحركات الدينية المتطرفة بالجزائر لا تقف عند حدود خطاب متشدد على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تهدد الأمن الاجتماعي، وتدفع بالكفاءات إلى الهجرة، وتضرب صورة الدولة، وتفكك الأسرة، وتحوّل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع دائم. وإذا استمرت هذه الظاهرة دون ردع، فإن الجزائر قد تواجه موجة تهجير ثانية أخطر من الأولى؛ لأن البلاد لم تعد تحتمل خسارة مزيد من الإطارات، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة والتكنولوجيا والبحث العلمي.

إن مسؤولية السلطات الحالية كبيرة، وربما تتجاوز مسؤولية السلطات التي واجهت بدايات الأزمة خلال سنوات العشرية السوداء، لأن التجربة التاريخية أصبحت معروفة، ولم يعد من المقبول الادعاء بأن الخطر غير واضح أو أن الدولة لم تكن على علم بما يمكن أن تؤدي إليه خطابات التكفير والكراهية والتمييز. وعليه، يتوجب على مؤسسات الدولة أن تكون حاسمة، وأن تستخدم كل الوسائل القانونية والتربوية والإعلامية لمواجهة هذه الجريمة الاجتماعية التي ترتكب باسم الدين، والتصدي للتيار المتطرف الفاسد الذي يحرّف التاريخ الإسلامي، ويستغل المآسي الإنسانية، ويشيطن المرأة، ويهدد استقرار الأسرة والمجتمع.

المطلوب ليس محاربة الدين، كما سيحاول المتطرفون الادعاء، وإنما حماية الدين من الاستغلال السياسي، وحماية المجتمع من التحريض، وحماية المنابر من أن تتحول إلى منصات للسب والتكفير، وحماية المرأة التي تمثل ركيزة أساسية في بناء الأسرة والدولة واستقرار المجتمع.

إن مواجهة التطرف لم تعد خيارًا فكريًا أو ثقافيًا، بل أصبحت قضية أمن قومي. فالدولة التي لا تحمي مواطنيها من الإهانة والتحريض والتدخل في حياتهم الخاصة، قد تستيقظ يومًا لتجد أن أفضل كفاءاتها قد غادرت، وأن المجتمع الذي كان يفترض أن تحميه قد أصبح ساحة مفتوحة أمام تجار الدين وخدام الأجندات الخارجية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

الفاف تختار البريكولاج… والمنتخب يدفع الثمن

كما كان متوقعاً، أكدت لجنة خبراء الفاف أن بيتكوفيتش سيبقى على رأس العارضة الفنية للمنتخب ا…