‫الرئيسية‬ الأولى العثور على دانيال صياد ميتًا قرب باريس… أسرار إبستين و«الماك» تعود إلى الواجهة
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

العثور على دانيال صياد ميتًا قرب باريس… أسرار إبستين و«الماك» تعود إلى الواجهة

العثور على دانيال صياد ميتًا قرب باريس… أسرار إبستين و«الماك» تعود إلى الواجهة
لم تكن وفاة دانيال عمار صياد، مستقطب عارضات الأزياء الذي ارتبط اسمه بملفات المجرم الجنسي الأمريكي جيفري إبستين، مجرد حادثة جديدة تضاف إلى الوقائع الغامضة والمثيرة المحيطة بواحد من أخطر ملفات الاستغلال الجنسي في العالم.

فالرجل الذي عُثر عليه ميتًا داخل منزله قرب العاصمة الفرنسية باريس لم يكن مجرد وسيط عمل لسنوات في عالم الأزياء واستقطاب العارضات، بل كان أيضًا ممثلًا سابقًا للحركة الانفصالية الإرهابية «الماك» لدى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وهذا الجانب السياسي من مسيرة صياد غاب عن جزء كبير من التغطية الإعلامية الفرنسية، التي ركزت أساسًا على علاقته بإبستين، والشكاوى المرفوعة ضده، والتحقيق المفتوح في فرنسا بشأن اتهامات بالاغتصاب والاتجار بالبشر.

لكن بالنسبة إلى الرأي العام الجزائري، لا يمكن التعامل مع الدور الذي أداه داخل الحركة الإرهابية «الماك» باعتباره تفصيلًا ثانويًا، لأن الرجل لم يكن مجرد متعاطف معها أو ناشط هامشي ظهر في تظاهرة عابرة، بل منحته الحركة صفة تمثيلية خارجية، وكلفته بالتحرك باسمها داخل منطقة تتمتع بثقل سياسي ومالي وإعلامي كبير.

والعلاقة بين دانيال صياد و«الماك» ليست اتهامًا إعلاميًا أو استنتاجًا مبنيًا على صور ومنشورات مجهولة، بل تؤكدها إعلانات صادرة عن المنابر التابعة للحركة نفسها، تضمنت تعيينه سنة 2017 ممثلًا لما تسميه «القبائل» لدى ثلاث ممالك خليجية، قبل الإعلان عن ابتعاده عن نشاطها بعد تصاعد الجدل بشأن ورود اسمه في ملفات إبستين.

عُثر على دانيال صياد، البالغ من العمر 69 عامًا، ميتًا مساء الاثنين 20 يوليو 2026 داخل منزله بمدينة كولومب، في إقليم أو-دو-سين بالضاحية الغربية للعاصمة الفرنسية. وأعلنت نيابة نانتير فتح تحقيق لتحديد أسباب الوفاة، موضحة أن الشرطة القضائية في أو-دو-سين تتولى التحريات، وأن تشريحًا طبيًا سيُجرى للكشف عن الظروف الدقيقة لموته. ورغم تداول معلومات إعلامية ترجح وفاته إثر توقف قلبي، فإن النيابة الفرنسية لم تعلن، في المرحلة الأولى من التحقيق، نتيجة نهائية تحسم سبب الوفاة، كما لم تكشف عن وجود شبهة جنائية مؤكدة. وكان صياد، وقت وفاته، موضوع تحقيق في باريس أوكل إلى المصلحة المتخصصة في مكافحة الاتجار بالبشر، عقب تقديم عدة شكاوى ضده، من بينها اتهامات بالاغتصاب والاستغلال والاتجار بالبشر. وقد ظل الرجل ينفي الوقائع المنسوبة إليه، وأعلن رغبته في أن تستمع إليه العدالة الفرنسية حتى يقدم روايته بشأن الاتهامات وعلاقاته المهنية والشخصية.

وقالت محاميته بعد إعلان وفاته إن موكلها مات وهو متمسك ببراءته، وإنه طلب، عن طريقها، أن تستمع إليه الجهات القضائية، لكنها لم تفعل ذلك قبل رحيله. وبوفاته، انتهت عمليًا إمكانية محاكمته شخصيًا ومواجهته بالمشتكيات، لكن ذلك لا يعني سقوط الوقائع والشكاوى والأدلة الرقمية، ولا يعفي القضاء من البحث في أدوار الأشخاص الآخرين الذين تعاملوا معه أو استفادوا من نشاطه.

عمل دانيال صياد لسنوات في مجال البحث عن الوجوه الجديدة واستقطاب الشابات الراغبات في دخول عالم عرض الأزياء. وكشفت الوثائق المنشورة في إطار ملفات جيفري إبستين عن وجود مراسلات واتصالات امتدت سنوات بين الرجلين. وتضمنت تلك المراسلات صورًا ومعلومات عن شابات وعارضات طامحات، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالسفر واللقاءات والتقديم إلى شخصيات تعمل في عالم الأزياء والمال. كما ظهر اسم صياد في عدد كبير من الوثائق المرتبطة بإبستين، إلى جانب أسماء وكلاء وشخصيات معروفة في قطاع الموضة، من بينهم الفرنسي جان لوك برونيل. غير أن كثرة ورود اسمه في الوثائق، مهما كانت لافتة، لا تشكل وحدها حكمًا قضائيًا بالإدانة، لكنها تؤكد وجود علاقة واتصالات ممتدة كان يفترض أن يحدد التحقيق طبيعتها وحدودها، وأن يكشف ما إذا كان صياد يعرف حقيقة النشاط الإجرامي لإبستين.

وكان السؤال الأساسي المطروح يتمثل في معرفة ما إذا كان استقطاب صياد للشابات يدخل في إطار نشاط مهني عادي داخل عالم الأزياء، أم كان جزءًا من شبكة منظمة تستعمل وعود العمل والشهرة والسفر لاستدراج الفتيات والنساء واستغلالهن.

ظل صياد يؤكد أن علاقته بإبستين كانت مهنية، وأنه لم يكن على علم بالجانب الإجرامي من نشاطه. لكن المشتكيات ومحاميهن اعتبروا أن طبيعة المراسلات وطريقة استقطاب النساء وترتيب اللقاءات تستحق تحقيقًا موسعًا، خصوصًا أن بعض الشابات كن في بداية مسارهن المهني وفي سن صغيرة.

في 10 فبراير 2026، قدمت عارضة الأزياء السويدية السابقة إيبا كارلسون شكوى في باريس ضد دانيال صياد، اتهمته فيها باغتصابها عندما كانت في العشرين من عمرها، ثم باستغلالها وتقديمها إلى جيرالد ماري، المدير السابق لوكالة «إيليت» لعارضات الأزياء. واتهمت كارلسون جيرالد ماري بدوره بارتكاب اعتداء جنسي ضدها، وهي اتهامات ظل الرجلان ينفيانها. وقالت كارلسون إنها تعرفت إلى صياد في السويد عندما كانت شابة، وإنه وعدها بمساعدتها على دخول عالم عرض الأزياء، قبل أن تنتقل إلى موناكو وفرنسا.

وبحسب روايتها، لم تكن تعرف هويته الكاملة قبل أن تتعرف إلى صورته بعد نشر الوثائق المرتبطة بقضية إبستين. واستمعت إليها المصالح الفرنسية المتخصصة في مكافحة الاتجار بالبشر، بينما تحدثت تقارير عن شكاوى وشهادات أخرى قدمتها نساء ضد صياد. وجاءت وفاته قبل أن تتم مواجهته بجميع المشتكيات، وقبل أن يقدم تفسيرًا قضائيًا كاملًا للمراسلات والرحلات واللقاءات الواردة في الملفات. ولهذا عبرت كارلسون عن صدمتها وإحباطها، معتبرة أن موت صياد يحرمها ويحرم نساء أخريات من المواجهة القضائية ومن الحصول على أجوبة بشأن ما تعرضن له. كما انتقد محامون تأخر السلطات الفرنسية في الاستماع إليه، رغم خطورة الاتهامات وتعدد الشكاوى، وطالبوا بمواصلة التحقيق في أدوار الأشخاص الآخرين الذين قد تكون لهم صلة بالوقائع.

الجانب الأكثر خطورة بالنسبة إلى الجزائر يتعلق بالدور الذي تولاه دانيال صياد داخل الحركة الانفصالية الإرهابية «الماك»، التي صنفتها الدولة الجزائرية منظمة إرهابية في مايو 2021. وتعود علاقة صياد بالحركة، وفق الوثائق المنشورة، إلى سنة 2017 على الأقل، عندما أعلنت الهياكل التابعة لما يسمى «الحكومة القبائلية المؤقتة في المنفى» تعيين عدد من الأشخاص بصفة «ممثلين دبلوماسيين» في دول مختلفة. وتضمنت قائمة التعيينات اسم دانيال عمار صياد ممثلًا لدى السعودية والإمارات والبحرين، مع الإعلان عن إرسال ما سمي «أوراق اعتماده» إلى رؤساء الدول المعنية. ولا يتعلق الأمر إذن بعضو مجهول داخل التنظيم، بل بشخص منحته الحركة صفة تمثيلية، وسمحت له بالتحدث باسمها والتواصل مع جهات وشخصيات أجنبية داخل منطقة استراتيجية.

كما أن اختيار السعودية والإمارات والبحرين لم يكن تفصيلًا عابرًا، لأن الحركة الانفصالية كانت تسعى إلى بناء شبكات دعم خارج الجزائر، والحصول على غطاء سياسي وإعلامي ومالي، وتسويق مشروعها الانفصالي لدى مؤسسات وشخصيات أجنبية. وكان ممثلوها في الخارج جزءًا من محاولة إنشاء نشاط موازٍ للدبلوماسية الجزائرية، والظهور في صورة كيان يملك مؤسسات وتمثيلًا دوليًا، رغم افتقاده إلى أي شرعية دستورية أو قانونية داخل الجزائر.

إن اختيار دانيال صياد لتمثيل الحركة لدى ثلاث دول خليجية يطرح أسئلة لا تستطيع قيادة «الماك» تجاوزها بمجرد القول إن مهمته انتهت أو إنه انسحب لاحقًا من النشاط.

هل وقع الاختيار عليه بسبب خبرة سياسية أو دبلوماسية حقيقية؟ أم بسبب شبكة علاقاته داخل عالم الأزياء والمال والسفر الدولي، وقدرته على الوصول إلى شخصيات ودوائر مغلقة يصعب على الناشط السياسي التقليدي دخولها؟ هل عقد لقاءات باسم الحركة مع مسؤولين أو رجال أعمال أو شخصيات إعلامية؟ وهل بحث عن دعم مالي أو سياسي؟ وما طبيعة التقارير التي كان يرفعها إلى قيادة التنظيم؟ وما النتائج التي حققها خلال الفترة التي تحرك فيها باسمها؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بماضي شخصي منفصل عن الحركة، لأن صياد كان يتحدث باسم تنظيم منحه صفة تمثيلية، وكل اتصال أجراه بهذه الصفة يرتب مسؤولية سياسية وتنظيمية على الجهة التي عينته.

ولا يكفي أن تقول الحركة إن نشاطه في عالم الأزياء لم يكن جزءًا من عمله السياسي. فالحركة مطالبة أولًا بإثبات أنها كانت تملك آليات حقيقية لفحص خلفية ممثليها ومراقبة تحركاتهم وعلاقاتهم. أما الزعم بأن قيادة «الماك» لم تكن تعرف حتى طبيعة المهنة الأساسية لممثلها لدى ثلاث دول، فإنه لا يبرئها، بل يفضح مستوى الفوضى داخلها. فكيف يمكن لحركة تزعم امتلاك «حكومة» ومؤسسات وتمثيلًا دبلوماسيًا أن تمنح شخصًا هذه الصفة، وأن ترسل ما تسميه «أوراق اعتماده»، من دون أن تعرف مهنته وشبكة علاقاته وتحركاته الدولية؟

إما أن قيادة التنظيم لم تكن تعرف شيئًا عن الرجل الذي يمثلها، وهذه فضيحة تنظيمية وأمنية تكشف هشاشة هياكلها، وإما أنها كانت تعرف طبيعة علاقاته وقدرته على الدخول إلى دوائر المال والنفوذ، واختارته للاستفادة منها، ثم بدأت تتنصل منه عندما تحول اسمه إلى عبء سياسي وإعلامي.

لا توجد حتى الآن أدلة قضائية منشورة تسمح بالجزم بأن قيادة «الماك» شاركت في الجرائم الجنسية المنسوبة إلى شبكة إبستين، أو أن نشاط صياد في مجال استقطاب العارضات كان جزءًا رسميًا من عمله داخل الحركة. لكن غياب الدليل النهائي لا يعني منع التحقيق في احتمال وجود تقاطع بين شبكتي علاقاته المهنية والسياسية، خاصة أن الرجل كان يتحرك بين عدة دول، ويتواصل مع وكلاء أزياء ورجال أعمال وشخصيات ثرية، ويتمتع بقدرة على الوصول إلى دوائر دولية مغلقة. والسؤال المطروح ليس فقط، هل كانت «الماك» تعرف علاقته بإبستين؟ بل أيضًا: هل استفادت من شبكة الاتصالات التي بناها داخل عالم الأزياء والمال؟ وهل استعمل الرجل علاقاته المهنية لفتح أبواب سياسية أو إعلامية أو مالية أمام التنظيم؟

كما يجب البحث في طبيعة الرحلات التي أجراها، والأشخاص الذين التقاهم، والتحويلات المالية التي قام بها أو استفاد منها، والاتصالات التي ربطته بدول الخليج وأوروبا خلال فترة تمثيله للحركة. إن ثبوت أي استعمال لشبكات مرتبطة بعالم الأزياء أو بشخصيات وردت أسماؤها في ملفات إبستين لخدمة نشاط «الماك» سيمثل توريطًا سياسيًا وقضائيًا بالغ الخطورة. أما في غياب الإثبات، فتبقى المسؤولية المؤكدة للحركة قائمة في اختيار الرجل ومنحه صفة تمثيلية والسماح له بالتحرك باسمها، من دون شفافية أو رقابة معلنة.

من بين الأسئلة التي يتعين على التحقيقات التعامل معها بجدية: هل استهدفت شبكات صياد شابات من الجزائر، ولا سيما من الأوساط التي كان يتحرك داخلها، تحت غطاء العمل في الأزياء أو السفر أو الحصول على فرص مهنية في أوروبا؟ وهل استُعمل القرب الاجتماعي أو الجهوي أو الخطاب الهوياتي لبناء الثقة مع فتيات وعائلاتهن، قبل تقديم عروض سفر أو عمل قد تنتهي إلى الاستغلال؟

لا توجد في الوثائق المنشورة المتاحة إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة، لكن طبيعة عمل الرجل، واتصالاته الطويلة بإبستين، وتمثيله للحركة الإرهابية «الماك»، تفرض عدم استبعاد أي احتمال قبل فحص كامل لأرشيفه الرقمي والمهني والسياسي. وإذا وُجدت ضحايا جزائريات، فإنهن يحتجن إلى الحماية والعدالة، لا إلى التشهير أو تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له. كما أن الكشف عن أي استغلال محتمل يجب أن يتم عبر التحقيق والشهادات والأدلة، لا عبر الإشاعات التي قد تؤذي نساء بريئات.

يعيد الحديث عن استغلال الشابات والشبكات الخفية إلى الواجهة أيضًا جريمة الطفلة لولا، التي هزت فرنسا في أكتوبر 2022، بعدما عُثر على جثمانها داخل صندوق بلاستيكي، عقب تعرضها لاعتداءات وحشية. وقد أدلت المتهمة داهبية بن كيرد خلال التحقيق والمحاكمة بأقوال متناقضة ذات طابع غيبي، فتحدثت في مراحل مختلفة عن «شبح»، وعن تغير لون عيني الطفلة، وشبهتها مرة بـ«الخروف»، وقالت إنها قتلتها حتى «تذهب إلى الجنة».

كما تحدث أحد الشهود أمام المحكمة عن أشخاص قال إنهم كانوا يصطحبون المتهمة إلى المقابر ويقيمون ممارسات غريبة بالشموع ويجعلونها تشرب مواد غير معروفة. لكن رئيس المحكمة شدد على أن فرضية وجود «طائفة شيطانية» أو شبكة أصدرت أمرًا مباشرًا بتنفيذ الجريمة لم تثبت داخل الملف القضائي، وانتقد الروايات التي انتشرت بعيدًا عن مضمون التحقيقات. ولا توجد أدلة منشورة تربط جريمة لولا بدانيال صياد أو بشبكة إبستين أو بالحركة الإرهابية «الماك». غير أن القضية تطرح بدورها سؤالًا مشروعًا حول الأشخاص والشبكات التي قد تستغل النساء الهشات أو المضطربات نفسيًا، وحول ضرورة التحقيق في كل من مارس عليهن تأثيرًا أو استغل أوضاعهن الاجتماعية. والربط الصحفي المسؤول بين الملفات لا يعني الجزم بوجود شبكة واحدة، بل يعني رفض إغلاق الأسئلة قبل فحص الاتصالات والعلاقات والأشخاص المحيطين بكل متهم.

تعيد وفاة دانيال صياد إلى الذاكرة وفاة جان لوك برونيل، وكيل عارضات الأزياء الفرنسي المقرب من إبستين، الذي عُثر عليه ميتًا داخل سجنه سنة 2022 بعد توجيه اتهامات إليه تتعلق باغتصاب قاصرات والتحرش الجنسي. كما سبقه جيفري إبستين نفسه، الذي عُثر عليه مشنوقًا داخل زنزانته في نيويورك سنة 2019، بينما كان ينتظر محاكمته بتهم الاستغلال الجنسي والاتجار بقاصرات. وفي كل مرة يموت فيها شخص محوري قبل المحاكمة، تفقد الضحايا فرصة المواجهة المباشرة، ويصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة. لكن موت الأشخاص لا يمحو المراسلات، ولا يلغي سجلات السفر والتحويلات المالية والأجهزة الإلكترونية، ولا يمنع القضاء من التحقيق في أدوار الشركاء والوسطاء والمستفيدين المحتملين. كما لا يعفي التنظيمات التي منحت بعض هؤلاء الأشخاص صفات وأدوارًا رسمية من تقديم تفسيرات للرأي العام.

قضائيًا، تتحمل السلطات الفرنسية مسؤولية التحقيق في شكاوى الاغتصاب والاتجار بالبشر، وتحديد ما حدث فعلًا، ومن شارك فيه، وما إذا كانت هناك ضحايا أخريات لم يتقدمن بعد بشكاوى. أما سياسيًا وأمنيًا، فإن الملف يعني الجزائر مباشرة بسبب الدور الذي أداه دانيال صياد داخل الحركة الإرهابية «الماك». ومن حق السلطات الجزائرية طلب التعاون القضائي، والعمل على رسم خريطة اتصالاته وتحركاته وتمويلاته خلال سنوات تمثيله للحركة، والتحقق مما إذا كانت علاقاته المهنية والسياسية قد تداخلت، وما إذا كانت شبكاته استُعملت في خدمة نشاط انفصالي يستهدف وحدة البلاد.

كما يتعين التحقق من احتمال وجود ضحايا جزائريات أو استعمال واجهات مهنية وثقافية وسياسية لاستدراج الشابات، من دون تحويل الاحتمالات إلى أحكام نهائية قبل ظهور الأدلة.

لم يعد كافيًا أن تقول قيادة الحركة إن صياد انسحب، أو إنه لم يعد يشغل منصبًا منذ سنة 2020، أو إن أنشطته المهنية لا علاقة لها بالتنظيم. المطلوب هو الكشف عن الظروف الكاملة لتعيينه، والجهة التي اقترحته، والمهام التي كلف بها، واللقاءات التي أجراها، والأشخاص الذين تواصل معهم، والأموال التي جمعها أو أنفقها، وأسباب انتهاء مهمته. كما يجب توضيح ما إذا كانت الحركة قد أجرت أي تحقيق داخلي بعد ظهور اسمه في ملفات إبستين، وما إذا كانت قد سلمت ما لديها من وثائق ومراسلات إلى السلطات القضائية الفرنسية. فالحركة التي استفادت من علاقات ممثلها عندما كان يتحرك باسمها لا يمكنها أن تتنصل منه فور تحوله إلى فضيحة، وكأنه لم يكن يومًا جزءًا من هياكلها.

محاربة الحركة الإرهابية «الماك» وتفكيك شبكاتها السياسية والمالية والإعلامية لا يكون باختلاق الاتهامات، بل بجمع الأدلة وكشف العلاقات وتتبع التمويل وتحديد المسؤوليات ووضع الوقائع كاملة أمام القضاء والرأي العام. والحقيقة الموثقة قد تكون أشد تدميرًا للتنظيم من أي خطاب دعائي، لأنها تكشف طبيعة الأشخاص الذين اختارهم، والشبكات التي حاول اختراقها، والأبواب التي دخل منها بحثًا عن الدعم والاعتراف.

لقد مات دانيال صياد قبل أن يقدم روايته الكاملة أمام القضاء، لكنه ترك وراءه أرشيفًا واسعًا من المراسلات والرحلات والعلاقات والشكاوى والأسئلة. ترك نساء يقلن إنهن تعرضن للاغتصاب والاستغلال، ومحامية تؤكد أنه كان بريئًا ويريد الدفاع عن نفسه، ووثائق تثبت اتصالات طويلة بجيفري إبستين، وتاريخًا سياسيًا موثقًا داخل الحركة الإرهابية «الماك». ولا يجوز إدانة رجل ميت من دون حكم قضائي، لكن لا يجوز أيضًا استعمال وفاته لإغلاق التحقيقات أو محو الوثائق والشهادات، ولا يجوز للحركة التي منحته صفة ممثلها لدى دول الخليج أن تتنصل منه من دون أن تشرح كيف اختارته وماذا أنجز باسمها.

بين عالم استقطاب العارضات وشبكة إبستين والحركة الإرهابية «الماك»، تقف شخصية دانيال صياد عند تقاطع دوائر المال والنفوذ والسياسة والاستغلال. وقد تكشف التحقيقات أن نشاطاته المهنية والسياسية بقيت منفصلة، وقد تظهر لاحقًا وثائق تثبت وجود تداخل بينها. لكن الثابت أن الرجل كان جزءًا من العالمين، وأن موته لا يسقط حق الضحايا في الحقيقة، ولا حق الجزائر في معرفة طبيعة الشخصيات والشبكات التي تحركت باسم الحركة الإرهابية «الماك» خارج البلاد.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إرهابيو «تيك توك» يروّعون الجزائريين

لم يعد الأمر يتعلق بمجرد خطابات دينية متشددة أو آراء صادمة منشورة عبر مواقع التواصل الاجتم…