متى يبدأ إصلاح قطاع الإعلام في الجزائر؟
معالي الوزير، كنا ننتظر منكم، كما انتظرنا من الأساتذة الذين سبقوكم إلى هذا المنصب، العمل على تطوير قطاع الإعلام وإصلاحه بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة التي تعيشها الجزائر، في عالم متقلب ومليء بالرهانات والتحديات، وإعادة النظر في آخر إصلاح حقيقي عرفه الإعلام الجزائري خلال عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، والذي تولى السيد مولود حمروش تجسيده، إلى درجة أن ذلك الإصلاح أصبح مرتبطًا باسمه.
للأسف، لا نرى اليوم اتجاهًا واضحًا نحو إصلاح قطاع الإعلام، ولا حتى خطابًا رسميًا جادًا يحدد معالم هذا الإصلاح، أو يطرح مسألة إعادة النظر في طرق توزيع مداخيل الإشهار، التي ما تزال تُسيّر بالطريقة التقليدية نفسها، وبعيدًا عن الشفافية، كما نراه ونعاينه.
معالي الوزير الدكتور بوعمامة المحترم، تتداول وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو من كلمة لكم تحدثتم فيها عن أجهزة التكييف، وهي وسائل لتبريد الهواء لا علاقة مباشرة لها بالمشكلات الأساسية التي يعيشها قطاع الإعلام. وقد ذكّرني هذا المقطع بتصريحات سابقة صدرت عن بعض الوزراء في مجالات أخرى، ومنها مجالات حساسة، وكنت قد علقت عليها في حينها، بل حذرت من انعكاساتها الخطيرة على المجتمع الجزائري، لأنها صدرت أحيانًا عن غير المختصين، ومن دون الإلمام الكامل بالموضوع، فتسببت في حالة من الفوضى لدى أرباب الأسر الجزائرية، حتى لا أقول في إحباط مقلق.
إن تصريحكم بشأن ندرة مكيفات الهواء، أو غيابها، خلال موجات الحرارة الشديدة في فرنسا وبعض الدول الأوروبية، أراه في غير محله، ولا يليق بأستاذ جامعي، لأنه يقوم على مقارنات ومعلومات تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.
أولًا، لا تعرف أجهزة التكييف في كثير من الأسواق الأوروبية الرواج نفسه الذي تعرفه في البلدان الحارة، لأن أجزاء واسعة من أوروبا تعيش طقسًا باردًا خلال معظم أشهر السنة، ولا تتعرض لموجات الحرارة المرتفعة إلا خلال فترات محدودة. ولذلك فإن الاستثمار الواسع في إنتاج المكيفات وحدها لا يكون دائمًا مربحًا، ما لم يتغير المناخ وتستمر درجات الحرارة المرتفعة لعدة أشهر في السنة. ثم إن المكيف، معالي الأستاذ، اختراع غربي، مثله مثل الثلاجة والسيارة وغيرها من الأدوات والأجهزة. ومع مرور الوقت، ينتقل إنتاج كثير من هذه الصناعات إلى بلدان أخرى، إما بسبب تراجع الجدوى الاقتصادية لإنتاجها محليًا، أو بسبب توجه الدول التي طورتها إلى صناعات ومجالات أكثر أهمية وربحية، وهذا نقاش آخر.
وطبعًا، بصفتي جزائريًا، أريد أن يكون بلدي الأفضل في العالم من جميع الجوانب، لكن التفوق لا يقاس بمجرد إنتاج المكيفات، رغم أهميتها وضرورتها في حياة سكان المناطق الحارة. كما أن أجهزة التكييف، وهي موضوع حديثنا، تثير في أوروبا نقاشًا بيئيًا واسعًا، لأنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتستعمل بعض أنواعها غازات مضرة بالبيئة، ولذلك يخضع تركيبها وانتشارها في كثير من البلدان إلى ضوابط وقيود، في انتظار تطوير أجهزة أكثر كفاءة وأقل تلويثًا.
معالي الأستاذ بوعمامة، إن المقارنات غير العلمية قد تمنح الإنسان نشوة انتصار مؤقتة، حتى لا أقول زائفة، وتدفعه إلى نقلها إلى الآخرين وإلى الرأي العام، على أمل تعزيز شعورهم بالفخر والاعتزاز ببلدهم. لكن اختيار الأمثلة يجب أن يكون مدروسًا بدقة، حتى لا تتحول تلك النشوة، بعد اكتشاف ضعف المقارنة أو نقص المعلومات التي بُنيت عليها، إلى ردة فعل عكسية تضرب مصداقية الخطاب الرسمي نفسه. وكان من الأفضل، في رأيي، أن يقوم خطاب الاعتزاز الوطني على المشاريع الكبرى التي تنجزها الجزائر، مثل مشروع خط السكة الحديدية نحو تمنراست، لأنه مشروع سيظل حاضرًا لعقود طويلة في ذاكرة الجزائريين وخيالهم، لما له من تأثير مباشر في حياتهم وفي تنمية البلاد وربط شمالها بجنوبها.
ما يهم المواطن الجزائري في النهاية هو ما يُنجز فوق أرضه، وما ينعكس مباشرة على حياته ومستقبل أبنائه، وليس معاناة الفرنسيين أو غيرهم من الشعوب بسبب عدم توفر مكيفات الهواء خلال فترة محدودة من الحرارة الشديدة.
إن الاعتزاز بما يبنيه الجزائري ويحققه سيبقى اعتزازًا مستدامًا، على عكس الافتخار بأزمات الآخرين، الذين قد يعانون مؤقتًا من صعوبة الحصول على مكيف خلال موجة حر، ثم يستطيعون جلبه عبر الإنترنت من الصين أو من أي بلد منتج في العالم. فالافتخار بما نبنيه نحن، وبما ننتجه وننجزه فوق أرضنا، هو الذي يصنع الثقة الحقيقية في الدولة، وليس البحث عن نقاط ضعف مؤقتة لدى شعوب أخرى وتحويلها إلى انتصارات وطنية.
إن هذا النقاش لا يمنعني من العودة إلى السؤال الأساسي المرتبط مباشرة بالمنصب الذي تتولونه، متى يتم إصلاح الإعلام في الجزائر؟ متى تتم إعادة النظر في طريقة تسيير القطاع؟ ومتى توضع قواعد واضحة وشفافة لتوزيع الإشهار العمومي؟ ومتى يخرج الإعلام الجزائري من الأساليب التقليدية والممارسات الغامضة التي لا تزال تتحكم في جزء كبير من نشاطه؟
لقد تغير العالم، وتغيرت وسائل الإعلام، وظهرت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والحروب الإعلامية، بينما لا يزال قطاع الإعلام في الجزائر ينتظر إصلاحًا حقيقيًا يواكب هذه التحولات، ويحمي الدولة والمجتمع من الإشاعة والتضليل، ويعيد للصحافة دورها ومصداقيتها.
معالي الوزير، إن الحديث عن المكيفات قد يصنع مقطعًا متداولًا لبضعة أيام، لكن إصلاح الإعلام يمكن أن يصنع مرحلة كاملة، ويترك أثرًا حقيقيًا في تاريخ الجزائر. ولهذا نعيد طرح السؤال بوضوح، بعيدًا عن المقارنات غير الدقيقة وعن الأزمات المؤقتة التي تعيشها دول أخرى، معالي وزير الإعلام الدكتور بوعمامة، متى يبدأ إصلاح الإعلام الجزائري؟
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
حين تصمت المؤسسات… تصنع الإشاعة وعي الجزائريين وتُسقط مصداقية الدولة
الدول المحترمة لا تترك صناعة الأكاذيب وانتشار المعلومات المغلوطة من دون مواجهة، مهما كان ا…






