‫الرئيسية‬ الأولى فتاوى يهودية تُطبَّق على المرأة المسلمة
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

فتاوى يهودية تُطبَّق على المرأة المسلمة

فتاوى يهودية تُطبَّق على المرأة المسلمة
فضحت صحفية مصرية مصدر فتوى «صوت المرأة عورة»، التي اعتمدتها رسميًا إمارة طالبان في أفغانستان، مثلما قررت أن شعر المرأة ووجهها عورة أيضًا، حتى أصبحت المرأة في هذا البلد أقل شأنًا من الحيوان، ومُنعت تقريبًا من مغادرة المنزل، ومن التعليم والعمل والظهور في الحياة العامة.

الصحفية المصرية كشفت أن فتوى «صوت المرأة عورة» موجودة أصلًا في تعاليم يهودية قديمة، وينسبها البعض خطأ إلى الحاخام الإسرائيلي شموئيل إلياهو. والحقيقة أن الإسرائيليات التي تسربت إلى الفكر الديني الإسلامي أصبحت تشكل أساس الدين عند بعض التيارات السلفية والوهابية والمدخلية، التي تطبق نظرة اليهودية المتشددة إلى المرأة، ثم تقدمها للمسلمين على أنها من صلب الإسلام وتعاليمه.

وشعر المرأة عورة هو أيضًا من صلب التعاليم الدينية لدى المتطرفين اليهود، وخاصة بعض طوائف الحريديم التي تسكن القدس القديمة، كما يشرح ذلك الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة القطرية، والذي يوضح كيف استطاعت نساء يهوديات، بفضل فتوى من أحد الحاخامات، ارتداء الشعر الاصطناعي أو ما يعرف بالباروكة لتغطية الشعر الطبيعي المحرم إظهاره في ديانتهم.

هذا الحل يسمح للمرأة اليهودية بأن تتفادى تغطية شعرها نهائيًا بقطعة قماش، على عكس الحجاب بالشكل الذي فرضته حركة الإخوان المسلمين، والتي يشك كثيرون في الجهات التي حركتها ومولتها، وحتى في الظروف التي ساهمت في تأسيسها وانتشارها.

ويبدو أن الحاخامات كانوا أكثر ذكاءً عندما أفتوا للمرأة اليهودية بارتداء الشعر الاصطناعي، لتفادي إظهار شعرها الطبيعي، مع السماح لها في الوقت نفسه بالحفاظ على جمالها ومظهرها الخارجي إلى حد ما، بدل تحويلها إلى كتلة سوداء لا يظهر منها شيء.

الديانة اليهودية المتشددة تعتبر أن شعر المرأة وصوتها، وأحيانًا وجهها، من مصادر الفتنة، وهذا ما انتقل إلى بعض التيارات الدينية الإسلامية، التي تبنته على أساس أنه من التعاليم الإسلامية، وراحت تنشره إلى اليوم بين المسلمين على أنه جزء من دينهم، بينما هو موجود في تعاليم يهودية قديمة سابقة للإسلام بقرون.

حتى اللباس الذي يغطي جسد المرأة بالكامل له جذور في مجتمعات وديانات سبقت الإسلام، ولم يكن اختراعًا إسلاميًا كما يحاول البعض تصويره. وقد ظهرت أشكال مختلفة من هذا اللباس عند اليهود والفرس والرومان وغيرهم، ثم تسربت لاحقًا إلى مجتمعات إسلامية وتحولت مع الزمن إلى جزء من العادات والتقاليد، قبل أن يمنحها المتطرفون صفة الحكم الإلهي الذي لا يجوز مناقشته.

وكانت بعض الروايات تنسب إلى الطبري حديثًا عن لباس يهودي ارتدته سجاح بنت الحارث، التي ارتبط اسمها بمسيلمة بن حبيب الملقب بمسيلمة الكذاب، إلا أن هذه الرواية تحتاج إلى تدقيق تاريخي قبل اعتمادها بصورة نهائية. لكن الثابت أن تغطية جسد المرأة بالكامل لم تبدأ مع الإسلام، بل كانت موجودة قبله في مجتمعات وديانات عديدة.

المتابع لفيلم الجزيرة الوثائقي حول طائفة اليهود الحريديم، والمتوفر على موقع يوتيوب، سيُصدم بحجم التشابه بين الفتاوى اليهودية المتعلقة بالمرأة ولباسها وأكلها وعلاقتها بزوجها، وبين ما يردده اليوم بعض الأئمة من على منابر مساجد الجزائر.

ستجد تقريبًا الخطاب نفسه: المرأة فتنة، وصوتها عورة، وشعرها عورة، وخروجها خطر، واختلاطها بالرجال حرام، وضحكتها فتنة، ولباسها مسؤول عن فساد الرجل، وهي مطالبة في كل مرة بأن تختفي أكثر حتى يرضى عنها رجال الدين.

بل إن بعض الجماعات اليهودية المتشددة تفرض قيودًا قاسية على العلاقة بين الزوجين، وتحدد للمرأة والرجل متى يقترب أحدهما من الآخر ومتى يمتنع، وكيف يلمسها وكيف يعانقها، ومتى يسمح له بتقبيلها، وهي التفاصيل نفسها التي يرددها اليوم بعض الأئمة والدعاة عندنا، بحقد وكراهية لا مثيل لهما ضد المرأة، وربما أشد من كراهية بعض المتطرفين اليهود أنفسهم.

طائفة الحريديم تحرم أو تقيد استعمال الراديو والتلفزيون والهاتف النقال والإنترنت، وكل التكنولوجيا الحديثة التي نستعملها في حياتنا اليومية، مثلما تفرض بعض جماعاتها لباسًا موحدًا يقوم أساسًا على اللونين الأبيض والأسود. وهي الصورة نفسها التي يحاول بعض المتطرفين فرضها على المجتمع الجزائري، عندما يحرمون التلفزيون والموسيقى والصور والفنون والسينما والهواتف والإنترنت، ثم يستعملون الأدوات نفسها لنشر فتاواهم وخطبهم وتسجيلاتهم.

يحرمون التلفزيون، ثم يظهرون فيه. ويحرمون الهاتف الذكي، ثم يستعملونه لنشر مقاطعهم. ويحرمون مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يملؤونها ليلًا ونهارًا بالصراخ والفتاوى والسب والتحريض ضد المرأة والمجتمع.

وتذكرت في هذا السياق ذلك الإرهابي التائب الذي قتل أباه خلال عراك بينهما، لأن الأب منعه أو عارضه في مسألة مشاهدة التلفاز، قبل أن يلتحق الابن بالجبل وينضم إلى الجماعات الإرهابية، ثم يعلن توبته بعد ذلك. وطبعًا، فكرة التحريم لم تنزل عليه من السماء، بل تسربت إليه من خطاب متطرف تلقاه داخل مسجد أو من شخص كان يعتقد أنه يمثل الدين، قبل أن يتحول من شاب عادي إلى متطرف، ثم إلى إرهابي يرى في أبيه وأمه والمجتمع كله أعداءً للدين.

هكذا يبدأ التطرف دائمًا: في البداية يحرمون الموسيقى، ثم التلفزيون، ثم الاختلاط، ثم الدراسة، ثم عمل المرأة، ثم خروجها، ثم يبدأون في تكفير المجتمع، وبعدها يصبح حمل السلاح مسألة وقت فقط.

مقدمة ابن خلدون، في الفصل الذي تحدث فيه عن الإسرائيليات، تشرح جانبًا من كارثة تداخل التعاليم اليهودية مع التفسير الإسلامي. فقد كتب ابن خلدون أن العرب كانوا أمة يغلب عليها الطابع البدوي والأمية، وأنهم عندما كانوا يريدون معرفة بعض تفاصيل القصص والتاريخ والخلق كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب ويسألون أحبار اليهود.

وهكذا دخلت روايات كثيرة إلى كتب التفسير والتاريخ، وانتقلت من جيل إلى آخر حتى أصبحت عند بعض العامة جزءًا من الدين، رغم أنها لم ترد في القرآن، ولم تثبت عن النبي، وإنما جاءت من كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما ممن نقلوا روايات أهل الكتاب.

المشكلة أن تلك الروايات لم تبق محصورة في قصص الأنبياء وبدء الخليقة، بل تسربت روحها إلى النظرة إلى المرأة، وإلى الحياة، وإلى الفن، وإلى المجتمع، وإلى العلاقة بين الرجل والمرأة. وكلما أسمع خطابًا للتيارات الدينية السلفية والوهابية والمدخلية حول المرأة، أجد أن نسبة كبيرة منه موجودة أصلًا في التعاليم والتوجيهات التي دونها المتطرفون اليهود قبل الإسلام بقرون.

صوت المرأة عورة موجود عندهم، وشعرها عورة موجود عندهم، وضرورة إخفائها عن الرجال موجودة عندهم، وتحريم الغناء والموسيقى موجود عندهم، والتدخل في العلاقة الزوجية موجود عندهم، والخوف من التكنولوجيا موجود عندهم، وفرض لباس موحد على المجتمع موجود عندهم.

ثم يأتي بعض شيوخنا لينقلوا هذه التعاليم، ويغيروا أسماء أصحابها، ويقدموها للناس على أنها الدين الإسلامي الصحيح، وكل من يعترض عليها يصبح عندهم علمانيًا أو كافرًا أو عدوًا للإسلام.

الإسلام تعامل مع المرأة بطريقة مختلفة، ولم يجعل منها كائنًا بلا صوت ولا وجه ولا إرادة. المرأة في الإسلام بايعت الرسول، وجادلته، وسألته، وروت الحديث، وشاركت في الحياة العامة، وامتلكت المال، وباعت واشترت، وخرجت للحج والحرب والعلم والعمل. ولم يقل القرآن إن صوت المرأة عورة، ولم يمنعها من الكلام، ولم يصف شعرها بأنه جريمة، ولم يجعل وجودها في المجتمع خطرًا يجب القضاء عليه. كل هذه الإضافات جاءت بعد ذلك، عندما اختلط الدين بالعادات القبلية، ثم بالإسرائيليات، ثم بالمصالح السياسية للأنظمة والجماعات التي أرادت السيطرة على المجتمع من خلال السيطرة على المرأة.

لأن السيطرة على المرأة تعني السيطرة على الأسرة كلها. وعندما ينجح المتطرف في حبس المرأة وإلغاء صوتها ومنعها من العمل والدراسة، فإنه يكون قد سيطر على نصف المجتمع وأخضع النصف الآخر أيضًا.

ولهذا نجد المرأة دائمًا في قلب خطاب الحركات المتطرفة. لا يتحدثون عن الفساد، ولا عن نهب المال العام، ولا عن البطالة، ولا عن التخلف، ولا عن انعدام العدالة، ولا عن انهيار المدرسة، بل يتحدثون عن شعر المرأة ولباسها وصوتها وضحكتها وخروجها إلى البحر.

كأن كل مشاكل الأمة سببها المرأة، وكأن الرجل بريء من كل شيء، وكأن الله خلق الدين فقط لمراقبة جسد الأنثى.

المقارنات متوفرة اليوم لكل مواطن يريد الاطلاع. يكفي أن يشاهد الأفلام الوثائقية عن الجماعات اليهودية المتطرفة، ويقرأ تعاليمها المتعلقة بالمرأة، ثم يقارنها بخطب بعض أئمة السلفية والوهابية والمداخلة، حتى يكتشف حجم التطابق المدهش.

سيكتشف أن كثيرًا مما يقدَّم له على أنه «إسلام خالص» ليس إلا خليطًا من الإسرائيليات والعادات القبلية والتشدد السياسي، تم جمعه في كتب، ثم نُسب إلى الدين، ثم استُعمل لإخضاع المرأة وإرهاب المجتمع.

إن أخطر ما يفعله هؤلاء ليس فقط أنهم يظلمون المرأة، بل إنهم يشوهون الإسلام نفسه، ويحولونه من دين يقوم على العقل والعدل والرحمة إلى منظومة من التحريم والخوف والكراهية.

المرأة المسلمة ليست مطالبة بأن تطبق فتاوى الحاخامات اليهود، ولا أن تعيش وفق قوانين جماعات الحريديم، ولا أن تختفي من المجتمع حتى يرضى عنها شيوخ السلفية والوهابية والمدخلية.

من حقها أن تتعلم وتعمل وتتكلم وتظهر وتختار لباسها وتعيش حياتها في إطار القانون، ومن واجب المجتمع أن يميز بين الدين الحقيقي وبين الإسرائيليات التي جرى تسويقها للمسلمين على أنها من صلب عقيدتهم.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

هل يجري التحضير لموجة ثانية من تهجير إطارات الجزائر؟

حذّرت الأمينة العامة لحزب العمال، السيدة لويزة حنون، في مقطع فيديو متداول، من تنامي حملات …