سابقة تاريخية وانتصار لمكانة المرأة الجزائرية.. خليدة بوفدش على رأس المجلس الشعبي الوطني
دخلت الجزائر، يوم 28 جويلية 2026، محطة جديدة في تاريخها السياسي والمؤسساتي، بعد انتخاب الطبيبة والنائبة عن حزب جبهة التحرير الوطني، خليدة بوفدش، رئيسةً للمجلس الشعبي الوطني، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة هذه الهيئة التشريعية منذ استقلال البلاد. وقد حصلت على 302 صوت من أصل 366 صوتًا، في اقتراع سري جرى وفق النظام الداخلي للمجلس، متقدمة بفارق كبير على منافسيها.
إنه حدث يتجاوز مجرد انتخاب رئيسة جديدة للمجلس؛ لأنه يفتح صفحة غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة التشريعية الجزائرية، ويضع امرأة، للمرة الأولى، على رأس واحدة من أهم مؤسسات الدولة وأكثرها رمزية وتأثيرًا في الحياة الوطنية.
ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن التوجه السياسي الذي تسعى الجزائر من خلاله إلى تعزيز حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية. غير أن الدقة تقتضي التأكيد أن خليدة بوفدش لم تصل إلى رئاسة المجلس بمنحة أو تعيين، بل انتُخبت بأغلبية برلمانية واسعة، بعد أن حظي ترشحها بدعم ست مجموعات برلمانية وممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن قيمة الحدث لا تكمن في كون امرأة قد حصلت على منصب رمزي فحسب، بل في أن امرأة خاضت مسارًا مهنيًا وسياسيًا، وحظيت بثقة أغلبية أعضاء المجلس، ثم وصلت عبر آلية انتخابية إلى رئاسة المؤسسة التشريعية.
وفي الوقت نفسه، يمكن اعتبار هذا الاختيار منسجمًا مع الخطاب السياسي الذي تبناه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن دور المرأة الجزائرية وضرورة تمكينها من تحمل المسؤوليات العليا. لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره تعويضًا شكليًا عن تراجع عدد النائبات داخل البرلمان الجديد؛ لأن ذلك قد يحوّل إنجازًا سياسيًا إلى مجرد مجاملة رمزية، بينما الأجدر تقديمه باعتباره اعترافًا بالكفاءة والقدرة على القيادة.
إن وجود امرأة على رأس المجلس الشعبي الوطني يحمل رسالة واضحة إلى الداخل قبل الخارج. ففي الداخل، يأتي هذا الحدث في وقت تتعرض فيه المرأة الجزائرية إلى حملات متكررة تقودها بعض التيارات المتشددة، التي تحاول اختزالها في جسدها، ومحاصرة وجودها في الفضاء العام، والتقليل من أهليتها للعمل والمشاركة السياسية وتحمل المسؤوليات.
وهي تيارات تستند، في كثير من الأحيان، إلى قراءات جامدة ومتخلفة للتراث الديني، وتحاول فرض أنماط حياة تعود إلى قرون خلت على مجتمع جزائري معاصر، شاركت نساؤه في مقاومة الاستعمار، وخضن معركة التحرير، وساهمن في بناء الدولة بعد الاستقلال، ودفعن أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن والمجتمع.
إن الجزائر التي قدّمت الشهيدات والمجاهدات والمناضلات والطبيبات والمعلمات والقاضيات والعسكريات والوزيرات، لا يمكن أن تقبل بإعادة المرأة إلى الهامش، ولا أن تسمح لخطاب متشدد بأن يلغي تاريخها أو ينتقص من مواطنتها وحقوقها.
لقد أثبتت المرأة الجزائرية، عبر مختلف مراحل التاريخ، أنها لم تكن متفرجة على الأحداث، بل كانت شريكة في صناعتها. حملت السلاح خلال ثورة التحرير، وأسعفت الجرحى، ونقلت الرسائل والمؤن، وآوت المجاهدين، وتحملت الاعتقال والتعذيب والاستشهاد. وبعد الاستقلال، واصلت حضورها في المدرسة والجامعة والمستشفى والإدارة والقضاء والدبلوماسية والجيش ومختلف قطاعات الدولة.
كما دفعت المرأة الجزائرية ثمنًا قاسيًا خلال سنوات الإرهاب الإسلاموي، حين تعرضت للقتل والاختطاف والاغتصاب والتهديد، لمجرد عملها أو دراستها أو رفضها الخضوع للمشروع الظلامي الذي أرادت الجماعات الإرهابية فرضه على المجتمع الجزائري.
واليوم، يعود جزء من ذلك الخطاب، وإن بوسائل وأشكال مختلفة، ليحاول إقصاء المرأة من الحياة العامة، ومراقبة لباسها وحركتها وعملها، بل وحتى حقها في الترفيه والذهاب إلى الشاطئ رفقة أسرتها.
وقد وصل الأمر ببعض أصحاب هذا الخطاب إلى شتم الآباء والأزواج واتهامهم في أخلاقهم ورجولتهم لمجرد اصطحابهم زوجاتهم أو بناتهم إلى شواطئ البحر. وتزداد خطورة الأمر عندما يصدر مثل هذا الكلام من منبر ديني رسمي يفترض فيه نشر الاعتدال والأخلاق وجمع الجزائريين، لا إهانتهم أو التدخل في حياتهم الخاصة أو توزيع صكوك الفضيلة عليهم.
فالمسجد مؤسسة روحية وتربوية، وليس منصة لتكفير المجتمع أو إذلال النساء أو شتم الأسر الجزائرية. والإمام الذي يتقاضى راتبه من خزينة الدولة ومن أموال ضرائب المواطنين لا يملك الحق في إهانة أولئك المواطنين من فوق المنبر، ولا في تحويل الخطاب الديني إلى أداة لترهيب الناس والتضييق عليهم.
وانتخاب امرأة على رأس المجلس الشعبي الوطني يمثل، في هذا السياق، ردًا سياسيًا ومؤسساتيًا على كل خطاب يسعى إلى تقزيم المرأة الجزائرية أو إعادتها إلى الهامش. فالمرأة التي يحاول البعض منعها من الوجود في الفضاء العام أصبحت اليوم تترأس مؤسسة تشريعية وطنية، وتقود جلساتها، وتمثلها في الداخل والخارج.
أما الرسالة الموجهة إلى الخارج، فهي أن الجزائر قادرة على تقديم صورة مشرقة عن مجتمعها ومؤسساتها، وأن المرأة فيها ليست عنصرًا ثانويًا أو مجرد واجهة بروتوكولية، بل مواطنة كاملة الحقوق والواجبات، قادرة على الوصول إلى أعلى المسؤوليات حين تتوافر لها الثقة والفرصة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لن تُقاس بالرمزية وحدها. فنجاح خليدة بوفدش سيُقاس بقدرتها على إدارة المجلس باستقلالية وكفاءة، وضمان حق جميع النواب في التعبير، ورفع مستوى النقاش التشريعي، وتعزيز الرقابة على عمل الحكومة، وفتح المؤسسة البرلمانية أمام انشغالات المواطنين.
كما سيكون عليها أن تثبت أن وصول امرأة إلى رئاسة المجلس ليس مجرد صورة للاستهلاك الإعلامي، بل بداية فعلية لتعزيز حضور النساء في صناعة القرار، ودفع الأحزاب إلى ترشيح المزيد من الكفاءات النسائية، بعيدًا عن منطق الحصص الشكلية والولاءات الضيقة.
فليس المطلوب أن تنجح خليدة بوفدش لأنها امرأة فقط، بل أن تنجح لأنها رئيسة لمؤسسة دستورية تمثل الشعب الجزائري. والدفاع عن المرأة لا يعني إعفاءها من التقييم أو النقد، وإنما ضمان حقها في الوصول إلى المسؤولية ثم محاسبتها وفق المعايير نفسها التي يُحاسب بها الرجل، الكفاءة، النزاهة، الاستقلالية وخدمة المصلحة العامة.
إن انتخاب خليدة بوفدش رئيسةً للمجلس الشعبي الوطني حدث تاريخي يستحق التقدير، ليس لأنه يمنح المرأة امتيازًا على الرجل، بل لأنه يزيل حاجزًا ظل قائمًا منذ الاستقلال، ويفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الجزائريات للطموح إلى أعلى مواقع الدولة.
فهنيئًا للطبيبة خليدة بوفدش على الثقة التي حظيت بها، وكل التوفيق لها في أداء مهامها وخدمة الجزائر ومؤسساتها. وهنيئًا للمرأة الجزائرية بهذا الانتصار الرمزي والسياسي الذي يليق بتاريخها وتضحياتها.
لكن الانتصار الأكبر سيكون يوم يصبح وصول المرأة إلى أعلى المسؤوليات أمرًا طبيعيًا لا يُنظر إليه بوصفه سابقة استثنائية، بل نتيجة عادية للكفاءة والاستحقاق والمواطنة الكاملة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الرئيس تبون يختار حماية اللاعبين لا حماية كواليس الفاف
رداً على سؤال يتعلق بأداء المنتخب الوطني لكرة القدم في كأس العالم، أجاب الرئيس عبد المجيد …






