‫الرئيسية‬ الأولى أي أحاديث ستُدرَّس لأطفال الجزائر؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫44 دقيقة مضت‬

أي أحاديث ستُدرَّس لأطفال الجزائر؟

أي أحاديث ستُدرَّس لأطفال الجزائر؟
قرأت في بعض وسائل الإعلام الوطنية أن وزارة التربية تتجه إلى إدراج أو تعزيز تدريس القرآن الكريم والحديث النبوي في المدارس الابتدائية. وإذا صح هذا التوجه، فإن مناقشته تصبح ضرورة ملحة، ليس من باب الاعتراض على التربية الإسلامية، ولكن من باب حماية المدرسة الجزائرية من أي توظيف ديني أو مذهبي قد يفتح أبواباً خطيرة على المجتمع.

فالقرآن الكريم لا يطرح إشكالاً كبيراً من حيث النص، رغم وجود القراءات المعروفة في العالم الإسلامي، والجزائر تعتمد تاريخياً رواية ورش عن نافع، وهي الرواية المرتبطة بالمرجعية الدينية في شمال إفريقيا. أما الحديث النبوي، فالموضوع أكثر حساسية، لأنه لا يتعلق بنص واحد متفق عليه بالطريقة نفسها بين مختلف المدارس والمذاهب، بل بكتب ومصادر وشروح ومناهج متعددة في القبول والفهم والتأويل.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ندرّس الدين لأطفال الجزائر؟ فالدين حاضر أصلاً في المدرسة والمجتمع. السؤال الأهم هو: أي أحاديث ستُدرَّس؟ من سيختارها؟ من أي مصادر؟ بأي شرح؟ وبأي هدف تربوي؟ وهل ستكون هذه النصوص منسجمة مع المرجعية الدينية الوطنية، أم ستفتح الباب أمام تيارات وافدة تريد إعادة تشكيل عقل الطفل الجزائري على مقاسها؟

الجزائر، في أغلبها، تنتمي إلى المذهب المالكي، والإمام مالك ترك كتاب “الموطأ”، وهو من أقدم الكتب الجامعة بين الحديث والفقه والعمل. وقد وُضع قبل ظهور “صحيح البخاري” و“صحيح مسلم”، وهذا يفرض الحذر عند الحديث عن تدريس الأحاديث بصيغة عامة. فليست كل المدارس الإسلامية تعاملت مع الحديث بالطريقة نفسها، وليست كل المذاهب جعلت كتب الحديث نفسها أساساً وحيداً في بناء الفقه والتربية.

كما أن المرجعية الدينية الوطنية في الجزائر لم تتشكل من مذهب واحد فقط، بل عرفت حضوراً مالكياً واسعاً، وحضوراً إباضياً في مناطق معروفة، وأثراً حنفياً ارتبط بمراحل تاريخية، إلى جانب تراكمات دينية وثقافية أخرى ساهمت في تشكيل الهوية الدينية الجزائرية. ولهذا، فإن أي قرار يخص تدريس الحديث يجب أن يراعي هذا التنوع، لا أن يختزله في قراءة واحدة أو تيار واحد.

الإباضية، مثلاً، لهم منهجهم الخاص في التعامل مع الرواية، ولا يمكن اختزال علاقتهم بالحديث في كتب الصحاح المعروفة عند جمهور السنة. والحنفية كذلك بنوا جانباً من منهجهم على الرأي والقياس وضوابط دقيقة في قبول الأخبار والعمل بها. لذلك لا يصح تقديم الحديث للتلاميذ وكأنه مجال بسيط لا خلاف فيه، بل يجب التعامل معه بحذر علمي وتربوي كبير.

الطفل في المرحلة الابتدائية لا يملك القدرة على التمييز بين الحديث الصحيح والضعيف، ولا بين النص التربوي والنص الفقهي، ولا بين الرواية وسياقها التاريخي، ولا بين ما يصلح لبناء الأخلاق وما استُعمل عبر التاريخ في الصراع المذهبي والسياسي. لذلك فإن اختيار الأحاديث التي تُقدَّم له يجب أن يكون دقيقاً جداً، وأن يركز على القيم الكبرى: الصدق، الرحمة، النظافة، احترام الوالدين، حب الوطن، احترام المرأة، رفض العنف، حماية الضعيف، واحترام المختلف.

الخطر لا يكمن في الحديث النبوي في حد ذاته، بل في طريقة انتقائه وشرحه وتقديمه. فهناك أحاديث يمكن أن تبني وجداناً سليماً إذا قُدمت في إطار تربوي واضح، وهناك نصوص قد تتحول، إذا انتُزعت من سياقها أو فُسرت بطريقة متشددة، إلى وسيلة لزرع الخوف، أو احتقار المختلف، أو تكريس الطاعة العمياء، أو استهداف المرأة، أو تبرير الانغلاق الاجتماعي.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الدولة. فإذا قررت وزارة التربية إدراج أو توسيع تدريس الحديث في الابتدائي، فعليها أن توضح للرأي العام طبيعة النصوص المختارة، ومصادرها، ومعايير انتقائها، واللجنة التي أشرفت عليها. كما يجب أن تضم هذه اللجنة مختصين في التربية، وعلم النفس، والعلوم الإسلامية، والفقه المالكي، والتاريخ الديني الجزائري، مع مراعاة باقي المكونات الدينية الوطنية، حتى لا تتحول المدرسة إلى ساحة لتصفية الحسابات المذهبية.

كما يجب الانتباه إلى طبيعة الأساتذة الذين سيُكلفون بتدريس هذه المواد. فالمشكلة ليست في النص فقط، بل في من يشرحه، وبأي خلفية يقدمه للتلاميذ. القرآن الكريم، وفق الرواية المعتمدة في الجزائر، لا يترك مجالاً واسعاً للتلاعب بالنص. أما الحديث، فمجال التأويل فيه واسع جداً، وقد يستعمله البعض لتمرير أفكار لا علاقة لها بالتربية ولا بالمرجعية الوطنية.

لقد سبق أن حذرت من خطورة بعض النصوص القانونية التي قد تستعمل لإغلاق النقاش الديني والفكري، ومنها المادة 144 مكرر. وقد رأينا كيف يمكن لشكاوى يرفعها أشخاص محسوبون على تيارات متشددة أن تتحول إلى وسيلة لملاحقة باحثين أو كتاب أو مواطنين يناقشون مسائل مرتبطة بالحديث والتراث. وهذا وحده يبين أن الملف حساس، ولا يجب إدخاله إلى المدرسة دون ضمانات واضحة.

الخوف اليوم هو أن تختبئ بعض التيارات الدينية السياسية، خاصة الإخوانية والوهابية، وراء شعار تدريس القرآن والحديث، من أجل إدخال قراءة غريبة عن الجزائر إلى المدرسة. فحين يتعلق الأمر بالقرآن الكريم، لا يزايد أحد على علاقة الجزائريين بكتاب الله. لكن حين يتعلق الأمر بالحديث، يجب أن نعرف أي حديث، ومن أي كتاب، وبأي شرح، ولأي سن، ووفق أي هدف تربوي.

المدرسة الجزائرية ليست مسجداً حزبياً، وليست زاوية مذهبية، وليست مخبراً لتيارات وافدة. المدرسة مؤسسة وطنية، مهمتها تكوين مواطن جزائري متوازن، يعرف دينه دون أن يكره مجتمعه، ويعتز بإسلامه دون أن يكفر تاريخ بلده، ويحترم المرجعية الدينية الوطنية دون أن يتحول إلى أداة في يد تيار سياسي أو مذهبي.

حماية أطفال الجزائر من التلاعب بعقولهم مسؤولية كبرى. ولا يجوز ترك هذا الملف للارتجال أو للضغوط أو للنيات الحسنة وحدها. فالدرس الديني في الابتدائي يجب أن يكون درساً في الأخلاق والرحمة والتوازن، لا مدخلاً إلى التصنيف والتخويف والتشدد.

لذلك، المطلوب من وزارة التربية، ومن وزارة الشؤون الدينية، ومن كل الجهات المعنية، أن تفتح نقاشاً علمياً وتربوياً واضحاً حول هذا الموضوع، وأن تقدم للرأي العام ضمانات حقيقية. ما هي الأحاديث المختارة؟ لماذا اختيرت؟ من راجعها؟ كيف ستُشرح؟ وكيف ستتم حماية الطفل من أي تأويل متطرف أو عدائي للمجتمع؟

إن الجزائر التي عاشت سنوات الإرهاب لا يمكنها أن تتعامل بخفة مع أي ملف ديني داخل المدرسة. فالتطرف لا يدخل دائماً من باب السياسة المباشرة، بل قد يدخل أحياناً من كتاب مدرسي، أو من شرح غير مراقب، أو من حديث يُقدم لطفل خارج سياقه. وإذا لم تتحرك الدولة مبكراً لضبط هذا الملف، فقد تجد نفسها غداً أمام نتائج كان يمكن تفاديها منذ البداية.

احذروا تحويل المدرسة إلى بوابة للتيارات الدخيلة. فالجزائر لا تحتاج إلى صراع مذهبي جديد، ولا إلى جيل يتعلم الدين من زاوية الخوف والكراهية. الجزائر تحتاج إلى تعليم ديني وطني، هادئ، واضح، يحمي الطفل، ويحمي المرجعية الوطنية، ويحمي المجتمع من كل من يريد جر البلد إلى جحيم لا يريد الجزائريون العودة إليه.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

خطاب التكفير يعود بوجه جديد

لم يكن دفاع بعض التيارات المتشددة عن الشخص الذي تم توقيفه بعد تصريحاته المهينة في حق طفلة …