‫الرئيسية‬ في الواجهة رأي خطاب التكفير يعود بوجه جديد
رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

خطاب التكفير يعود بوجه جديد

خطاب التكفير يعود بوجه جديد
لم يكن دفاع بعض التيارات المتشددة عن الشخص الذي تم توقيفه بعد تصريحاته المهينة في حق طفلة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات مجرد موقف عابر، بل كان مؤشراً جديداً على حجم الجرأة التي بلغها خطاب التكفير والوصاية الدينية في الجزائر. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص أخطأ أو تجاوز حدود القانون والأخلاق، بل بتيار كامل يتحرك كلما شعر أن الدولة أو المجتمع يحاولان وضع حد لخطابه.

هذه التيارات التي تعادي المرجعية الدينية الوطنية وقوانين الجمهورية وجدت في الحادثة فرصة جديدة لتقديم نفسها كحامية للدين، بينما هي في الحقيقة تحاول فرض قراءة ضيقة وغريبة عن الإسلام الجزائري. وبدل أن يكون النقاش حول كرامة الطفلة، وحماية الأطفال، واحترام المرأة، وسيادة القانون، تحولت القضية عندهم إلى معركة ضد كل من يرفض الإهانة والتكفير والوصاية على المجتمع.

المصيبة أن هذا الخطاب لا يكتفي بالدفاع عن صاحبه، بل يهاجم عمق الجزائر الديني والتاريخي. فهو يطعن في التصوف، ويستخف بالمالكية، وينظر بريبة إلى الإباضية، ويعامل كل مكوّن من مكونات المرجعية الدينية الوطنية كأنه انحراف يجب تصحيحه. وكأن الجزائر، التي عرفت الإسلام منذ قرابة أربعة عشر قرناً، كانت تنتظر هؤلاء حتى يعلّموها دينها من جديد.

لقد عاش الجزائريون إسلامهم عبر العلماء والزوايا والمساجد والفقهاء والأمهات والآباء، لا عبر حملات الشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي. عرفوا ديناً قريباً من المجتمع، متصالحاً مع الحياة، مرتبطاً بالرحمة والأخلاق والحياء والتوازن، لا ديناً يحوّل كل اختلاف في اللباس أو المظهر أو طريقة الصلاة إلى تهمة، وكل امرأة لا تخضع لمقاييسهم إلى هدف للهجوم والإدانة.

الخطر اليوم أن هذه التيارات لم تعد تتحرك في الهامش فقط. لقد احتلت جزءاً من المجال العام، وفرضت حضورها في وسائل التواصل، وبدأت تتصرف وكأنها سلطة دينية موازية، تراقب الناس، وتفتش في نياتهم، وتحاكم لباس النساء، وتطعن في الزوايا، وتكفر الصوفية، وتشهر سيف التخوين في وجه كل من يدافع عن المرجعية الدينية الوطنية.

السلطات الجزائرية مطالبة بأن تفهم أن الأمر لم يعد نقاشاً دينياً عادياً. نحن أمام خطاب يريد أن يجعل نفسه فوق القانون، لأنه يتحدث باسم الدين. وأي جماعة تعتبر نفسها مفوضة من السماء لمراقبة المجتمع تصبح، بالضرورة، خطراً على الدولة والمجتمع معاً. فالدولة التي تقبل بوجود سلطة دينية غير رسمية تفرض أحكامها على الناس، تفتح الباب أمام الفوضى التي دفعت الجزائر ثمنها دماً في سنوات الإرهاب.

هؤلاء لا يعترفون عملياً بقوانين الجمهورية عندما تخالف قراءتهم الخاصة للدين. يتحدثون عن “شرع الله” وكأنهم وحدهم يملكون مفاتيحه، وكأن ملايين الجزائريين، بمالكييهم وصوفييهم وإباضييهم وعلمائهم وزواياهم وتاريخهم، كانوا خارج الإسلام قبل ظهور هذا الخطاب المستورد. وهذا أخطر ما في القضية، لأنهم لا يناقشون المجتمع، بل يريدون إعادة تشكيله بالقوة الرمزية والضغط الاجتماعي والتكفير.

والمرأة، كما هي العادة في كل مشروع متشدد، هي الهدف الأول. يبدأون بلباسها، ثم حركتها، ثم صوتها، ثم مكانها في المدرسة والعمل والشارع. يريدون تحويلها إلى مقياس لطهارة المجتمع، مع أن الإسلام الذي عرفه الجزائريون لم يكن يوماً قائماً على مطاردة النساء في الطرقات ولا على إهانة الطفلات باسم الغيرة على الدين.

إن مهاجمة طفلة أو امرأة ليست شجاعة دينية، بل سقوط أخلاقي. والدفاع عن من يهين طفلة لا يمكن أن يكون دفاعاً عن الإسلام، بل دفاع عن منطق الوصاية والإذلال. ومن يريد حماية الدين يبدأ بحماية الضعيف، لا باستهدافه. يبدأ باحترام كرامة الطفل، لا بتبرير الإساءة إليه. يبدأ بالرحمة، لا بالتكفير.

ولا يمكن تجاهل أن جزءاً من هذا الخطاب يستهدف أيضاً الزوايا والصوفية، أي جزءاً أساسياً من الذاكرة الجزائرية. فالزوايا لم تكن مجرد فضاءات روحية، بل كانت مدارس، ومراكز حفظ للغة والدين، ومحطات مقاومة للاستعمار، وذاكرة اجتماعية عميقة في تاريخ البلاد. ومن يطعن فيها بالجملة لا يطعن في طريقة دينية فقط، بل يطعن في جزء من تاريخ الجزائر المقاوم.

أما المذهب المالكي، الذي شكّل العمود الفقري للتدين الجزائري، فلا يناسب هؤلاء لأنه لا يقوم على التكفير السهل، ولا على تحويل المجتمع إلى محكمة يومية. الإسلام المالكي في الجزائر كان، في عمقه الاجتماعي، إسلام توازن واستقرار، لا إسلام مطاردة وفضائح ووصاية. لذلك ينزعجون منه، كما ينزعجون من كل مرجعية تمنعهم من احتكار الدين.

الأخطر أن بعض هؤلاء يحاولون إقناع الشباب بأنهم وحدهم يمثلون الإسلام الصحيح، وأن كل ما سبقهم من علماء الجزائر وزواياها ومذاهبها مجرد ضلال أو بدع أو انحراف. هذه ليست دعوة دينية بريئة، بل عملية محو للذاكرة. إنها محاولة لقطع الجزائري عن تاريخه، وعن إسلام آبائه وأجداده، وعن المرجعية التي صمدت في وجه الاستعمار أكثر من قرن.

ولهذا لا يجب أن تكون المواجهة أمنية فقط، ولا قضائية فقط، بل فكرية ومؤسساتية وإعلامية أيضاً. المطلوب أن تتكلم وزارة الشؤون الدينية بوضوح، وأن تتحرك المدرسة، وأن يخرج العلماء الحقيقيون من صمتهم، وأن يتوقف الإعلام عن التعامل مع هذه الظاهرة كأنها مجرد نقاش بين متدينين. نحن أمام مشروع يريد أن يحتكر الدين ثم يحتكر المجتمع.

الدين في الجزائر يجب أن يبقى تحت حماية المؤسسات الرسمية والعلمية الوطنية، لا تحت رحمة أصوات تصرخ في المنابر الرقمية وتمنح لنفسها حق الحكم على الناس. فالمسجد ليس منصة للتكفير، والدين ليس سلاحاً ضد المرأة، والمرجعية الوطنية ليست ملكاً لتيار وافد، والجزائر ليست أرضاً بلا تاريخ حتى يأتي من يعيد صياغة روحها الدينية على مقاسه.

إن الذين يهاجمون الصوفية والمالكية والإباضية، ثم يطلبون من الدولة والمجتمع احترام خطابهم، يمارسون ازدواجية خطيرة. لا يمكن لمن يطعن في ذاكرة الجزائريين أن يطالب بحماية باسم حرية التعبير. ولا يمكن لمن يوزع الاتهامات على المجتمع أن يقدم نفسه ضحية عندما يواجه القانون أو النقد.

المطلوب اليوم واضح: حماية الطفل، حماية المرأة، حماية المرجعية الدينية الوطنية، وحماية قوانين الجمهورية. لا أحد فوق القانون باسم اللحية، ولا أحد يملك تفويضاً إلهياً لإهانة الجزائريين، ولا أحد يحق له أن يحول الدين إلى محكمة تفتيش اجتماعية.

لقد دفعت الجزائر ثمناً باهظاً عندما تُرك خطاب التكفير يكبر في الهامش حتى صار ناراً في قلب البلاد. ولا يجوز أن نعيد الخطأ نفسه. فكل خطاب يبدأ بتكفير الصوفية والطعن في الزوايا ومراقبة النساء، قد ينتهي، إذا تُرك يتمدد، إلى تفكيك المجتمع وضرب الدولة من الداخل.

لا تتركوا إسلام الجزائريين رهينة خطاب التكفير. لا تتركوا دين الآباء والأجداد بين أيدي من يريدون تحويله إلى سوط ضد المجتمع. ولا تسمحوا لمن يطعنون في تاريخ الجزائر الديني أن يقدموا أنفسهم أوصياء على عقيدتها.

الجزائر ليست في حاجة إلى دين جديد مستورد، ولا إلى شرطة أخلاق غير معلنة، ولا إلى جماعات تفتش في الضمائر والملابس والصلوات. الجزائر تحتاج إلى إسلامها الوطني، الهادئ، المتوازن، المرتبط بالرحمة والكرامة والقانون. وكل تأخر في مواجهة خطاب التكفير هو فتح لباب خطر يعرف الجزائريون جيداً إلى أين يمكن أن يقود.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

أي أحاديث ستُدرَّس لأطفال الجزائر؟

قرأت في بعض وسائل الإعلام الوطنية أن وزارة التربية تتجه إلى إدراج أو تعزيز تدريس القرآن ال…