‫الرئيسية‬ الأولى ترامب قد يغرق في مضيق هرمز
الأولى - الحدث - الدولي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫45 دقيقة مضت‬

ترامب قد يغرق في مضيق هرمز

ترامب قد يغرق في مضيق هرمز
تعود المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث بعد تصعيد عسكري خطير قرب جزيرة خرق الإيرانية، ومعها يعود مضيق هرمز إلى قلب الصراع العالمي. فالحرب التي كان دونالد ترامب يريدها محدودة وسريعة بدأت تتحول إلى مأزق مفتوح في أخطر ممر نفطي في العالم، حيث لا يكفي التفوق العسكري الأمريكي لضمان انتصار سياسي، ولا تكفي الضربات الجوية لإجبار طهران على التراجع. ترامب حاول منذ بداية التصعيد بناء جبهة دولية واسعة ضد إيران، لكنه لم ينجح في جرّ روسيا والصين، ولا حتى قوى آسيوية أخرى، إلى مخطط حصار شامل يعزل طهران اقتصادياً وسياسياً. وبدل أن يظهر قائداً لتحالف دولي، وجد نفسه أمام مشهد أكثر تعقيداً: روسيا تضغط في أوكرانيا، الصين تتحرك بهدوء في الشرق الأوسط، وإيران تستعمل الجغرافيا والطاقة والردع الإقليمي لرفع كلفة الحرب.

الرد الإيراني السريع، أو حتى التهديد به، زاد من أزمة الرئيس الأمريكي. فإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً حتى تربكها، بل يكفي أن تجعل مضيق هرمز غير آمن، وأن ترفع كلفة التأمين والملاحة، وأن تدفع أسعار النفط إلى الصعود، وأن تجعل الناخب الأمريكي يشعر بأن حرباً بعيدة بدأت تصل إلى جيبه عبر سعر الوقود والتضخم. المشكلة أن ترامب محاصر بين خيارين صعبين: إذا تراجع، سيظهر أمام جزء من قاعدته السياسية كأنه خسر اختبار القوة أمام إيران، وإذا صعّد، فقد يغرق أكثر في حرب لا تملك واشنطن ضمانات حقيقية لإنهائها بسرعة. فطهران، رغم العقوبات والضربات، ما زالت تملك أوراقاً قاسية: الصواريخ، الحلفاء، الملاحة، النفط، والقدرة على تحويل أي حرب محدودة إلى أزمة إقليمية ودولية.

في الداخل الأمريكي، لم تعد الحرب تحظى بالإجماع الذي يريده ترامب. أصوات محافظة كانت قريبة منه بدأت ترفض التورط في مواجهة جديدة بالشرق الأوسط، وترى أن واشنطن قد تجد نفسها مرة أخرى تقاتل حرباً تخدم حسابات “إسرائيل” أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يتحول الملف الإيراني إلى عبء سياسي ثقيل على الحزب الجمهوري، خاصة إذا ارتفعت أسعار الطاقة وتزايدت المخاوف من حرب طويلة. فـ”إسرائيل” قد تدفع نحو المواجهة، لكنها لن تتحمل وحدها كلفة انفجار مضيق هرمز. الولايات المتحدة هي التي ستواجه الأسواق، والناخب، والحلفاء الخائفين، والقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، واحتمال تحول كل ضربة أمريكية إلى موجة رد إيرانية في مكان آخر.

أما إيران، فقد بدأت تغير لغتها بعد سنوات من الحديث عن برنامج نووي سلمي والتزام بعدم إنتاج السلاح النووي. فطهران ترى أن التزامها لم يمنحها الأمن، ولم يمنع ضربها أو تهديدها، ولم يدفع المجتمع الدولي إلى احترام موقفها. وكلما زادت الضغوط، زاد داخلها منطق يقول إن الردع الحقيقي لا يصنعه حسن النية، بل القدرة على جعل الاعتداء مكلفاً. وهي لا تلعب في ملعب واشنطن، بل في ملعبها الجغرافي، حيث لا تحتاج إلى إسقاط حاملات الطائرات الأمريكية حتى تنتصر، بل إلى منع ترامب من إعلان النصر، وإبقاء المضيق قلقاً، والأسواق متوترة، والحلفاء الخليجيين خائفين، والرأي العام الأمريكي متسائلاً عن معنى حرب جديدة في الشرق الأوسط.

ما يحدث في أوكرانيا يزيد مأزق ترامب تعقيداً. فروسيا لم تعد تتعامل معه كما لو كان قادراً على فرض شروطه، بل تواصل إرسال رسائل قوة للغرب، من الصواريخ الاستراتيجية إلى الأسلحة النووية الجديدة. بوتين يراقب كيف تواجه إيران الضغط الأمريكي، ويستفيد من انشغال واشنطن في الشرق الأوسط لإبقاء الضغط على الجبهة الأوكرانية. وفي المقابل، تتحرك الصين في المنطقة ببرودة أعصاب، فحضورها العسكري والتكنولوجي المتزايد في مصر والشرق الأوسط ليس تفصيلاً عابراً، بل رسالة إلى واشنطن بأن بكين لم تعد تكتفي بالتجارة والموانئ، بل تريد موقعاً استراتيجياً في منطقة الطاقة والممرات البحرية.

هذا التحرك الصيني يثير قلق واشنطن و”إسرائيل” معاً، خاصة بعد تزايد المخاوف من التكنولوجيا الصينية ومن قدرتها على جمع البيانات عبر السيارات والشرائح والكاميرات والأنظمة الرقمية. الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح صراع بيانات ومراقبة وذكاء اصطناعي، وفي قلبه تقف دول مثل مصر التي تبحث عن تنويع شراكاتها بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية. وإذا كانت الولايات المتحدة تضغط بالسلاح والعقوبات، فإن الصين تعرض التكنولوجيا، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والشراكات العسكرية الهادئة، وهو ما يجعل الشرق الأوسط جزءاً من مواجهة عالمية أوسع بين واشنطن وبكين وموسكو.

في هذا المشهد، يبدو ترامب محاطاً بثلاث أزمات كبرى: إيران في مضيق هرمز، روسيا في أوكرانيا، والصين في الشرق الأوسط. وكل أزمة من هذه الأزمات قادرة وحدها على إضعاف رئيس أمريكي، فكيف إذا اجتمعت كلها في لحظة انتخابية حساسة، ومع اقتصاد داخلي يتأثر بأسعار الطاقة وبالخوف من حرب جديدة لا يريدها كثير من الأمريكيين؟ الحرب التي كان يفترض أن تعيد لترامب صورة الرجل القوي قد تتحول إلى المرآة التي تكشف حدود القوة الأمريكية في عالم تغير كثيراً، عالم لم تعد فيه واشنطن تقرر وحدها، ولا تكتفي فيه موسكو وبكين بالمشاهدة.

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه عقدة النفط العالمية، وإذا اشتعلت هذه العقدة فإن النار ستصل إلى البيت الأبيض قبل أن تصل إلى طهران. لذلك قد يغرق ترامب في هرمز، ليس لأن أمريكا عاجزة عن الضرب، بل لأنها عاجزة عن ضمان نتائج الضربة. تستطيع واشنطن تدمير منشآت، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا، ولا إقناع الأسواق بأن المضيق آمن إذا قررت طهران إبقاءه تحت التهديد. ومن هنا تبدأ ورطة الرئيس الأمريكي الحقيقية: معركة دخلها بلغة القوة، لكنها قد تنتهي بلغة الاستنزاف، لأن إيران لا تحتاج إلى الانتصار الكامل، بل إلى منع ترامب من الخروج منتصراً.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

نيامي تحت مظلة الجزائر… والساحل يدخل مرحلة ردع جديدة

أرسلت الجزائر طائرات قتالية من نوع سوخوي سو-30 إلى النيجر، في خطوة عسكرية جاءت بطلب من الق…