‫الرئيسية‬ الأولى نيامي تحت مظلة الجزائر… والساحل يدخل مرحلة ردع جديدة
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫31 دقيقة مضت‬

نيامي تحت مظلة الجزائر… والساحل يدخل مرحلة ردع جديدة

نيامي تحت مظلة الجزائر… والساحل يدخل مرحلة ردع جديدة
أرسلت الجزائر طائرات قتالية من نوع سوخوي سو-30 إلى النيجر، في خطوة عسكرية جاءت بطلب من القيادة النيجرية وبتعليمات من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، عقب الأحداث الأمنية التي شهدتها العاصمة نيامي ومحاولات زعزعة استقرار البلاد. هذه الخطوة تمثل دعماً عسكرياً مباشراً للنيجر في ظرف أمني حساس، وتؤكد أن الجزائر تتابع عن قرب ما يحدث في جوارها الجنوبي، خاصة عندما يتعلق الأمر بعاصمة دولة مجاورة وبمنشآت حساسة يمكن أن يؤدي استهدافها إلى توسيع دائرة الفوضى في الساحل.

التحرك الجزائري جاء في سياق إقليمي شديد الاضطراب، حيث تواجه النيجر ضغوطاً أمنية متواصلة بسبب نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، إضافة إلى توتر علاقاتها مع فرنسا وشركاتها، خصوصاً في ملف اليورانيوم. ويكتسب مطار نيامي أهمية خاصة لأنه ليس مجرد مرفق مدني، بل نقطة حساسة في بلد يملك موارد استراتيجية ويحاول إعادة ترتيب علاقاته الاقتصادية والسيادية بعد سنوات طويلة من النفوذ الفرنسي. لذلك فإن أي محاولة لضرب هذا النوع من المنشآت لا تبقى حادثاً أمنياً محلياً، بل تتحول إلى تهديد يمس توازن المنطقة كلها.

كما يأتي إرسال الطائرات الجزائرية في إطار دستوري جديد نسبياً، بعد تعديل الدستور الجزائري بما يسمح، وفق ضوابط سياسية ودستورية، بمشاركة الجيش الوطني الشعبي في مهام خارج الحدود الوطنية. وهذا التحول القانوني منح الجزائر هامشاً أوسع للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، خاصة في منطقة الساحل التي لم تعد فيها الأخطار مرتبطة بالجيوش النظامية فقط، بل بالجماعات الإرهابية، والتهريب، والسلاح، والمخدرات، وشبكات النفوذ الأجنبية.

من الناحية الخبرية، تحمل الخطوة الجزائرية ثلاث رسائل مباشرة. الأولى إلى سلطات النيجر، ومفادها أن الجزائر مستعدة لدعم استقرارها عندما يتحول الخطر إلى تهديد مشترك. الثانية إلى الجماعات المسلحة، ومفادها أن العاصمة النيجرية ومحيطها لن يكونا فضاءً مفتوحاً للعبث الأمني. والثالثة إلى القوى الإقليمية والدولية المتحركة في الساحل، ومفادها أن الجزائر لم تعد تراقب من بعيد ما يجري في عمقها الجنوبي، بل أصبحت تعتبر أن ما يحدث في نيامي وباماكو وطرابلس قد تكون له آثار مباشرة على أمنها الداخلي.

أما سياسياً، فإن إرسال الجزائر طائرات سوخوي إلى النيجر لا يمكن قراءته كخطوة ظرفية فقط، بل كإشارة إلى تطور عميق في العقيدة الدفاعية الجزائرية. فالجزائر التي بنت سياستها الخارجية لعقود على مبدأ عدم التدخل، بدأت تعيد تفسير هذا المبدأ وفق واقع أمني جديد. عدم التدخل لم يعد يعني الوقوف متفرجاً أمام انهيار دولة مجاورة، ولا انتظار الجماعات الإرهابية حتى تصل إلى الحدود، بل أصبح يعني التحرك بطلب من الدولة المعنية، وفي إطار واضح، لمنع تمدد الفوضى إلى المجال الحيوي الجزائري.

هذا التحول لا يلغي الثوابت الجزائرية، لكنه يكيّفها مع طبيعة الخطر الجديد. فالتهديد في الساحل لم يعد يأتي في شكل جيش نظامي يعلن الحرب، بل في شكل جماعات مسلحة تتحرك في الصحراء، وشبكات تهريب، ومخابر مخدرات، وخلايا إرهابية، ومصالح أجنبية تستعمل الهشاشة السياسية والأمنية للدول. التكنولوجيا والطائرات المسيرة والاتصالات المشفرة والسلاح الخفيف جعلت المسافة بين نيامي وتمنراست أقصر مما تبدو على الخريطة، وجعلت الحدود آخر خط دفاع لا أوله.

لقد تعلمت الجزائر من تجربة تيقنتورين أن الخطر القادم من خارج الحدود يمكن أن يضرب عمقاً حيوياً داخل الدولة في ساعات قليلة. ذلك الهجوم لم يكن مجرد عملية إرهابية، بل درس استراتيجي كشف أن حماية المنشآت الحيوية والحدود الطويلة لا تكون بالانتظار، بل باليقظة المتقدمة، وبقراءة ما يحدث في ليبيا ومالي والنيجر قبل أن يتحول إلى نار داخلية. من هنا يصبح أمن النيجر جزءاً من أمن الجزائر لا بالشعار، بل بالخبرة والتجربة والدم.

النيجر اليوم ليست جاراً عادياً للجزائر، بل عقدة استراتيجية في الساحل. فيها تتقاطع ملفات اليورانيوم، والإرهاب، والنفوذ الفرنسي المتراجع، والطموح الروسي، والحذر الأمريكي، والحضور الصيني المتزايد. نيامي أصبحت نقطة ضغط في منطقة واسعة، ومن يربك استقرارها يستطيع التأثير في توازن يمتد من ليبيا إلى مالي، ومن الساحل إلى المتوسط. ولذلك فإن دعم الجزائر للنيجر لا يعني فقط حماية سلطة قائمة، بل حماية فضاء كامل من الانزلاق إلى فراغ أمني قد تستفيد منه قوى كثيرة.

في هذا السياق، تبدو الجماعات الإرهابية المتأسلمة في الساحل أكثر من مجرد تنظيمات عقائدية معزولة. فهي تتحرك أحياناً داخل اقتصاد كامل يقوم على التهريب، والسلاح، والذهب، والمخدرات، والابتزاز، والحدود المفتوحة. ليست كل عملية إرهابية دليلاً مباشراً على جهاز خارجي، لكن من السذاجة أيضاً التعامل مع الإرهاب كأنه منفصل عن المال والاستخبارات والمصالح الدولية. في الساحل، الراية الدينية قد تخفي وراءها أحياناً مصالح شديدة الدنيوية.

لذلك فإن التحرك الجزائري في النيجر يثبت معادلة جديدة: الجزائر ليست قوة منعزلة داخل حدودها، وليست دولة تكتفي بالبيانات، وليست مستعدة لترك جنوبها يتحول إلى ملعب مفتوح لقوى تستعمل الإرهاب والتهريب والضغط الاقتصادي. إرسال السوخوي ليس إعلان حرب، بل إعلان حضور. والحضور هنا أهم من الضربة نفسها، لأنه يقول إن الجزائر تملك الإرادة والقدرة على دعم الجوار عندما يتحول أمنه إلى أمنها.

أما الحديث عن أدوار مغربية أو مخابراتية في الساحل فيجب أن يبقى، في النص الصحفي المسؤول، ضمن دائرة القراءة السياسية ما لم تظهر وثائق رسمية قطعية. غير أن المؤكد أن الرباط حاولت خلال السنوات الأخيرة توسيع حضورها الإفريقي عبر الاقتصاد والدين والدبلوماسية والشراكات الأمنية، وأن الجزائر تراقب هذا التمدد بكثير من الحساسية عندما يقترب من عمقها الجنوبي، خصوصاً في ظل تحالفات المغرب المعروفة مع “إسرائيل” وبعض القوى الغربية. فالساحل بالنسبة للجزائر ليس فضاءً بعيداً للمنافسة الدبلوماسية، بل عمق أمني حيوي لا يحتمل العبث ولا الاختراق.

ليبيا تضيف طبقة أخرى من القلق. فالحدود الشرقية الجنوبية للجزائر تتصل ببلد لم يستعد دولته بعد، وتتحرك داخله قوى محلية وإقليمية ودولية متناقضة. غرب ليبيا وشرقها ليسا بعيدين عن حسابات الإمارات وتركيا و”إسرائيل” وأطراف غربية متعددة، وكل تغير هناك ينعكس على الجزائر. وإذا جمعنا ليبيا إلى مالي والنيجر، فإننا أمام قوس ضغط كامل حول الجزائر، لا يمكن التعامل معه بالتصريحات وحدها، بل برؤية أمنية عميقة تمنع تشكل الخطر قبل وصوله.

الرؤية الاستباقية التي تطورها القيادة السياسية والعسكرية في الجزائر تقوم على فكرة واضحة: لا يمكن حماية الداخل إذا كان الخارج القريب يحترق. الأمن لم يعد جداراً، بل شبكة مترابطة. إذا ضعفت حلقة النيجر، تأثرت الجزائر. وإذا انفجرت مالي، اهتز الجنوب. وإذا بقيت ليبيا مفتوحة، بقي الشرق معرضاً للارتداد. لذلك فإن دعم استقرار الجوار ليس إحساناً دبلوماسياً، بل استثمار مباشر في الأمن الوطني.

لكن هذا التحول يحتاج إلى دقة كبيرة حتى لا يتحول إلى استنزاف. كل حضور خارج الحدود يجب أن يبقى محدود الهدف، واضح التفويض، منسقاً مع الدولة المعنية، ومحمياً سياسياً وقانونياً. الجزائر لا تحتاج إلى مستنقعات خارجية، ولا إلى حروب بالوكالة، ولا إلى تكرار أخطاء قوى كبرى دخلت الساحل ثم خرجت منه ضعيفة ومكروهة. قوتها الحقيقية أن تتحرك بحساب، وأن تجعل حضورها عاملاً للاستقرار لا ذريعة لتوسيع الفوضى.

من هنا، فإن إرسال طائرات سوخوي إلى النيجر يحمل معنى أكبر من مهمة عسكرية محدودة. إلى نيامي، تقول الجزائر إن الجوار ليس مجرد خطاب أخوة، بل التزام أمني عند الخطر. وإلى القوى التي تراهن على الفوضى، تقول إن جنوب الجزائر لم يعد منطقة رخوة يمكن تحريك النار فيها بلا رد. الجزائر تغير طريقة قراءة التهديد: لم تعد تراه فقط عندما يقترب من تمنراست أو جانت أو إليزي، بل عندما يبدأ في نيامي وباماكو وطرابلس. هذه هي العقيدة الجديدة التي تتشكل بهدوء: أمن الجزائر يبدأ من أمن جيرانها، ومن يعبث باستقرارهم يقترب عملياً من خطوطها الحمراء.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

ترامب قد يغرق في مضيق هرمز

تعود المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث بعد تصعيد عسكري خطير قرب جزيرة…