‫الرئيسية‬ الأولى أحداث سبتة: نهاية الوهم المروكي في أوروبا
الأولى - الحدث - الدولي - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

أحداث سبتة: نهاية الوهم المروكي في أوروبا

أحداث سبتة: نهاية الوهم المروكي في أوروبا
ثمانٍ وأربعون ساعة فقط كانت كافية لتدمير سنوات طويلة ومليارات من الأموال التي صُرفت هنا وهناك لتقديم صورة مغايرة للواقع عن مملكة المروك، تلك الصورة التي كاد البعض، تحت تأثير الدعاية والعلاقات العامة والمال السياسي، أن يعتبرها الأقرب على الإطلاق إلى الغرب، والأكثر قدرة على تمثيل نموذج “الاستقرار” في شمال إفريقيا.

ثمانٍ وأربعون ساعة كانت كافية لإسقاط الصورة التي حاول ملوك المروك، في مراحل مختلفة، صناعتها لدى الرأي العام الغربي، والأوروبي على الخصوص. لقد حاولوا تصدير صورة البلد الآمن، المحترم للأجانب، المرحب بهم وبأموالهم واستثماراتهم، القادر على التحكم في حدوده ومواطنيه ومؤسساته. لكن كل هذه السنوات أضاعتها أحداث سبتة، التي تحرك فيها عشرات الآلاف من المواطنين المروكيين باتجاه مدينة إسبانية لا يتجاوز عدد سكانها نحو 84 ألف نسمة، بما جعل التدفق البشري يقترب من نصف سكان المدينة أو يتجاوزه، حسب التقديرات المتداولة في الإعلام الأوروبي.

والمصيبة أن لا أحد يعرف، بشكل واضح ومقنع، لماذا حدث ذلك، وما الفائدة منه، وكيف يمكن لمدينة بسيطة مثل سبتة أن تستوعب هذا العدد الهائل من الوافدين والمهاجمين، الذين صُدّرت عنهم لسنوات صورة مفادها أنهم شعب مسالم، يعيش في دولة قيل عنها في الدعاية الرسمية إنها أفضل من سويسرا في شمال إفريقيا.

الذي فكر في الدفع بآلاف المواطنين إلى الدخول غير الشرعي إلى مدينة سبتة، لا أعتقد أنه فكر كثيراً في سمعة بلده، ولا في الآثار السلبية للصورة التي صُرفت عليها المليارات على مدى عقود لتصديرها إلى الخارج. فما وقع يثبت عبثاً سياسياً لا مثيل له، وأحدث دماراً عميقاً لكل ما حاول المروك صناعته من صورة مغايرة عن واقعه، وعن طبيعة علاقته بمواطنيه، وعن قدرته على التحكم في أزماته الداخلية قبل تصديرها إلى الخارج.

الصدمة التي أصابت قادة الاتحاد الأوروبي لا مثيل لها، بسبب تدفق جافل من المشاة نحو مدينة سبتة، وقد عبّرت عن ذلك رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، كما عبّر عدد من المسؤولين الأوروبيين عن القلق نفسه من الصور المتناقلة عبر القنوات العالمية، والتي أظهرت تدفقات غير مفهومة لآلاف المواطنين باتجاه مدينة إسبانية مشاطئة لمضيق جبل طارق.

السؤال المطروح اليوم هو: هل ما حدث انفلات شعبي غير مقصود، أم مخطط مخزني؟ مهما كانت الصيغة، فإن النتيجة واحدة: فقدان الثقة نهائياً في المخزن المروكي، وفي قدرته على تسيير بلده والتحكم في مواطنيه، عكس ما كان يسوق له طيلة عشرات السنين، وقد نجح من خلاله في إقناع كثير من قادة أوروبا والعالم بأنه نظام متحكم، قادر على ضبط الحدود، وعلى إدارة المجتمع، وعلى لعب دور “الشريك الأمني” الموثوق.

المؤكد أن أصحاب القرار في أوروبا سيعيدون، بعد أحداث سبتة، النظر جذرياً في مقاربتهم للنظام المروكي. فالصورة التي صرف عليها المروك المليارات، واستثمر فيها سنوات طويلة عبر مختلف الوسائل الدعائية والسياسية والمالية، تلقت ضربة قاسية، وربما خسرها إلى غير رجعة. فما جرى لا يمكن محوه بسهولة من ذاكرة العواصم الأوروبية، ولا من صور القنوات العالمية، ولا من تقارير الأجهزة التي ستعيد قراءة طبيعة هذا النظام من زاوية جديدة.

أحداث سبتة فضحت الحقائق التي كانت تحت الستار ولا تظهر للعلن. لقد كشفت أن الصورة التي رُسمت عن المروك في الخارج كانت مصنوعة بعناية، لكنها هشة أمام أول امتحان حقيقي. كما أعطت كامل الحق لما قامت به الجزائر من تشييد موانع على حدودها، لمنع أي انفلات محتمل ومماثل لما وقع مع إسبانيا. وطبعا، بعد أحداث سبتة، ستقوم الجزائر، منطقياً، بتشديد أكبر على حدودها المشتركة، لأن ما جرى يثبت أن الحذر لم يكن مبالغاً فيه، وأن الخطر ليس نظرياً ولا دعائياً.

فنحن نسمع بين الفينة والأخرى نداءات مخزنية مخفية لفتح الحدود، تصدر من مواطنين مراركة يبدون في الظاهر أبرياء، أما في الباطن فهي، في كثير من الأحيان، محاولات مخزنية لجس نبض السلطات الجزائرية. والجزائر تعرف خطط المروك منذ سنة 1963، ثم منذ سنة 1975 في قضية احتلال الصحراء الغربية، واليوم أصبحت أوروبا كلها ترى بأعينها ما يخبئه لها المروك من مكائد وخطط لتدمير استقرارها، عكس الصورة التي صدرها لها منذ عقود.

ما حدث في سبتة ليس فقط أزمة هجرة، بل أزمة صورة، وأزمة ثقة، وأزمة نظام. فحين يتحرك عشرات الآلاف من الناس فجأة نحو مدينة صغيرة، وحين تعجز الدولة التي صدرت نفسها للعالم على أنها دولة ضبط وتحكم عن منع هذا المشهد، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بالحدود، بل بطبيعة الدولة نفسها. هل هي دولة قادرة فعلاً على حماية استقرارها؟ أم نظام يستعمل الاستقرار كشعار خارجي بينما يخفي في الداخل هشاشة اجتماعية وسياسية عميقة؟

لقد حاول المروك أن يقدم نفسه كدولة قريبة من الغرب في التنظيم، وفي الأمن، وفي الانفتاح، وفي الاستثمارات، وفي السياحة. لكن صور سبتة أظهرت وجهاً آخر: شعباً واسعاً لا يرى في البقاء أملاً، ونظاماً عاجزاً عن احتواء اليأس، وسلطة يمكن أن يتحول مواطنوها، في لحظة واحدة، إلى موجة ضغط على مدينة إسبانية صغيرة. وهذه الصورة أخطر من أي تقرير سياسي، لأنها صورة مباشرة، يفهمها المواطن الأوروبي العادي قبل السياسي والخبير.

قد يستطيع المخزن أن يشتري مقالات، وأن يمول حملات، وأن يفتح أبواب الفنادق والمنتديات، وأن يكرر خطاب “الاستثناء المروكي”، لكن ما حدث في سبتة نسف هذه الرواية من أساسها. فالدول المستقرة لا تصدر عشرات الآلاف من مواطنيها بهذه الطريقة. والدول التي تحترم صورتها لا تسمح بأن يتحول شعبها إلى مشهد فوضوي أمام عدسات العالم. والدول التي تبني ثقتها مع شركائها لا تستعمل الحدود كأداة ابتزاز أو تتركها تنفجر بهذا الشكل.

الأخطر من ذلك أن أحداث سبتة ستعيد فتح النقاش في أوروبا حول حقيقة الدور الذي يلعبه المروك. هل هو شريك في حماية الحدود، أم مصدر ضغط عليها؟ هل هو عامل استقرار، أم عامل فوضى؟ هل هو دولة يمكن الوثوق بها في الملفات الأمنية الحساسة، أم نظام يستعمل الهجرة، والفقر، والحدود، والضغط البشري كلما احتاج إلى توجيه رسالة سياسية؟

هذه الأسئلة لم تعد جزائرية فقط، ولا إسبانية فقط، بل أصبحت أوروبية. والذين كانوا يصدقون صورة المروك المصدرة إلى الخارج سيجدون أنفسهم مضطرين إلى مراجعة قناعاتهم. فالواقع، هذه المرة، لم يأت في تقرير معارض، ولا في مقال سياسي، ولا في خطاب خصم إقليمي، بل جاء في صور مباشرة من سبتة، وفي أرقام ضخمة، وفي حالة صدمة عبرت عنها العواصم الأوروبية نفسها.

لقد خسر المروك، في ثمانٍ وأربعين ساعة، جزءاً كبيراً من رأس ماله الرمزي في الخارج. خسر صورة البلد المتحكم. خسر صورة الشريك الهادئ. خسر صورة الدولة التي تستطيع إدارة مواطنيها وحدودها. والأهم أنه كشف أن كل تلك الصورة التي بنيت على مدى عقود لم تكن سوى واجهة قابلة للانهيار أمام أول انفجار اجتماعي أو أول استعمال سياسي للهجرة.

ومن هنا، فإن الجزائر مطالبة بالحذر أكثر من أي وقت مضى. فالنظام الذي يستطيع أن يترك عشرات الآلاف يتدفقون نحو مدينة إسبانية، يمكن أن يحاول مستقبلاً إنتاج سيناريوهات مشابهة على حدود أخرى، أو استعمال مواطنين مراركة كأدوات ضغط في اتجاهات مختلفة. لذلك، فإن إغلاق الحدود وتحصينها لا يجب أن يُنظر إليه كقرار ظرفي، بل كجزء من حماية الأمن الوطني أمام نظام أثبت أنه قادر على اللعب بالنار.

لقد كشفت سبتة ما كان مخفياً. كشفت أن الصورة شيء، والواقع شيء آخر. كشفت أن المروك الذي صُدر إلى الخارج كواحة استقرار، يمكن أن يتحول في لحظة إلى مصدر اضطراب. كشفت أن المخزن، الذي قدم نفسه كحارس للضفة الجنوبية للمتوسط، قد يصبح هو نفسه سبباً من أسباب الخوف على هذه الضفة.

فإن ما حدث لا يمكن إصلاحه بحملة علاقات عامة جديدة، ولا ببيانات دبلوماسية، ولا بمحاولة تحميل المسؤولية للآخرين. ما حدث في سبتة سيبقى علامة فارقة في علاقة أوروبا بالمروك، لأنه أظهر أن الصورة التي صرفت عليها المليارات يمكن أن تسقط في يومين، وأن النظام الذي بنى سمعته على التحكم قد يظهر، فجأة، عاجزاً أو متورطاً في إنتاج الفوضى.

ثمانٍ وأربعون ساعة كانت كافية لتقول للعالم كله إن المروك الذي رآه في الإعلانات والصالونات والمنتديات ليس هو المروك الذي ظهر في سبتة. هناك سقطت الصورة، وظهر الواقع.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

المخزن يبتز إسبانيا بأجساد الفقراء !

أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية عن دخول حوالي 49 ألف مواطن مغربي إلى مدينة سبتة بطرق غير شر…