‫الرئيسية‬ الأولى أي إعلام تحتاجه الجزائر في زمن الحرب الهجينة؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

أي إعلام تحتاجه الجزائر في زمن الحرب الهجينة؟

أي إعلام تحتاجه الجزائر في زمن الحرب الهجينة؟
وجدت الجزائر نفسها مرة أخرى أمام بيئة إعلامية إقليمية ودولية معقدة، تختلط فيها الأخبار بالمعلومات المضللة، وتتداخل فيها شبكات التواصل الاجتماعي مع الحملات المنظمة، في سياق أصبح الجميع يسميه اليوم بالحرب الهجينة. والواقع أن مواجهة هذا النوع من الحروب لا يمكن أن تتم فقط بالأجهزة الأمنية والعسكرية، لأن جانباً كبيراً منها يمر عبر الصورة والخبر والرواية وطريقة التأثير على الرأي العام، وهنا يصبح الإعلام جزءاً من الأمن الوطني وليس مجرد قطاع تابع لوزارة أو إدارة.

وخلال السنوات الأخيرة كثر الحديث في الجزائر عن ضرورة تقوية الجبهة الداخلية ومواجهة الحملات التي تستهدف البلد وصورته ومواقفه، لكن المشكلة أن الحديث شيء وبناء إعلام قوي شيء آخر تماما. لا يكفي أن نقول إننا نتعرض إلى حرب إعلامية، ثم نترك الإعلام نفسه يعاني من الضعف وقلة الموارد وهشاشة المؤسسات، ولا يمكن أن نطلب من الصحفي أن يكون في الصف الأول في مواجهة الخصوم وهو لا يعرف أحيانا إن كان سيتقاضى أجره في نهاية الشهر.

تجربة الجزائر خلال سنوات الإرهاب ما تزال تقدم درسا مهما في هذا المجال. فقد جاءت تلك المرحلة بعد إصلاحات إعلامية بدأت في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، ونفذت في جزء كبير منها خلال فترة مولود حمروش، وسمحت بظهور صحافة مستقلة ومتعددة. ولما دخلت البلاد في أصعب مراحلها وجدت الدولة أمامها، وبنوع من الصدفة التاريخية، مجالا إعلاميا ناشئا ساعد على نقل ما كان يحدث داخل الجزائر ومواجهة الكثير من الروايات التي كانت تقدم في الخارج.

وفي تلك الفترة لم تكن الصحافة المستقلة مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت جزءا من معركة الدفاع عن الدولة والمجتمع في مواجهة الإرهاب. ومع ذلك لم تكن كل الصحف تابعة للسلطة ولا كانت تمنع نفسها من النقد، وهذه نقطة مهمة جدا، لأن الإعلام المستقل أثبت وقتها أنه يستطيع أن ينتقد السلطة وفي الوقت نفسه يدافع عن الجزائر عندما يتعلق الأمر بمصير البلد ووحدته.

ومع مرور الوقت تغير المشهد بالكامل. ظهرت صحف واختفت أخرى، ثم جاءت القنوات التلفزيونية الخاصة، وبعدها المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، لكن هذا التحول السريع لم يصاحبه بناء نموذج اقتصادي قوي ومستقر يسمح للمؤسسات الإعلامية بأن تعيش من عملها وتستثمر في الصحفيين والتكوين والتحقيقات والمراسلين والتكنولوجيا.

وهنا تبدأ واحدة من أهم مشاكل الإعلام الجزائري اليوم، وهي وضعية المؤسسة الإعلامية نفسها. الإعلام يحتاج إلى الحرية، نعم، لكنه يحتاج أيضا إلى المال، وليس من العيب قول ذلك. الصحيفة التي لا تستطيع دفع أجور صحفييها لن تنتج تحقيقات كبرى، والقناة التي لا تملك الموارد لن تستطيع إرسال مراسلين إلى الخارج، والموقع الذي يعيش على الهامش لن ينافس منصات دولية تصرف الملايين على الصورة والفيديو والبيانات والمحتوى متعدد اللغات.

وسوق الإشهار في الجزائر يحتاج هو الآخر إلى إصلاح حقيقي. الإشهار العمومي والخاص يمثلان شريان حياة بالنسبة إلى جزء كبير من المؤسسات، لكن هذا السوق ما يزال يحتاج إلى قواعد أكثر وضوحا وشفافية. الصحافة لا يمكن أن تبقى تعيش في انتظار الإشهار، ولا يمكن للمؤسسة أن تخطط لمستقبلها وهي لا تعرف ما إذا كانت ستملك الموارد بعد شهر أو بعد ثلاثة أشهر.

والأمر لا يتعلق فقط بالمؤسسة، بل أيضا بالصحفي نفسه. أصبحنا نسمع باستمرار عن صحفيين بأجور متأخرة، وصحفيين يعملون برواتب ضعيفة، وآخرين بعقود هشة، وبعضهم يواصل العمل فقط لأنه لا يملك بديلا. وهنا تطرح المفارقة نفسها بقوة، كيف نطلب من صحفي يعيش القلق الاجتماعي كل يوم أن يتحول إلى مقاتل في جبهة إعلامية دولية معقدة؟

الصحفي الذي يفكر في إيجار البيت وفواتير الكهرباء ومصاريف أبنائه، وينتظر راتبا قد يتأخر شهرا أو شهرين، لا يمكن أن نطالبه في الوقت نفسه بأن يصبح خبيرا في الحرب الهجينة والتحقق الرقمي والصحافة الاستقصائية واللغات والمنصات الحديثة. قبل أن نطلب من الصحفي التضحية والدفاع عن صورة البلد، علينا أن نضمن له الحد الأدنى من الكرامة المهنية والاجتماعية. وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية، صحافة بلا إشهار، وصحفيون بلا أجور، وفي المقابل حديث كبير عن إعلام قوي قادر على مواجهة الخارج. هذه المعادلة لا تستقيم. لا يمكن أن نبني إعلاما استراتيجيا بمؤسسات ضعيفة ماليا، ولا يمكن أن نبني صحافة حرة بصحفي يخشى فقدان راتبه أو وظيفته في أي لحظة.

الرئيس عبد المجيد تبون أعاد من جهته الاتصال المباشر مع الصحافة الوطنية من خلال اللقاءات الدورية مع وسائل الإعلام، وهذه خطوة مهمة لأنها أعادت للصحفي الجزائري مكانا في عملية الاتصال الرئاسي بعد سنوات كان فيها هذا التواصل محدودا. لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، يجب أن تكون بداية لمسار أكبر، يبدأ بالسؤال الحقيقي، أي إعلام نريد للجزائر؟

هل نريد إعلاما يكتفي بنقل البيانات الرسمية وتغطية نشاط الوزراء والولاة، أم نريد إعلاما يحقق ويحلل ويناقش وينتقد، وفي الوقت نفسه يعرف كيف يدافع عن مصالح بلده أمام الحملات الخارجية؟ وهل يمكن فعلا مواجهة التضليل والمعلومات الكاذبة من دون مؤسسات إعلامية تحظى بثقة المواطن؟

الثقة هنا هي الأساس. الصحفي الذي لا يستطيع طرح السؤال في الداخل لن يملك المصداقية عندما يريد إقناع المواطن برواية الدولة في مواجهة الخارج. والإعلام الذي لا يجرؤ على انتقاد مسؤول صغير لن يكون مقنعا عندما يتحدث عن حملات دولية تستهدف الجزائر.

هذه ليست دعوة إلى الصدام مع الدولة ولا إلى تحويل الإعلام إلى منصة دائمة للمعارضة، وإنما دعوة إلى فهم بسيط، الإعلام المهني والقوي هو الذي يستطيع أن ينتقد ويصحح ويكشف، وفي الوقت نفسه يقف مع بلده عندما يتعلق الأمر بمصالحه الأساسية. والجزائر تملك تجربة سابقة يمكن البناء عليها. في التسعينيات كانت هناك صحافة قوية ومتعددة، وكانت هناك أسماء وتجارب مهنية محترمة. لم تكن التجربة مثالية، لكنها أثبتت أن وجود إعلام مستقل لا يعني ضعف الدولة، بل قد يكون أحد عناصر قوتها.

المشكلة أننا في الجزائر نحب كثيرا أن نبدأ من الصفر. يأتي مسؤول جديد فيتصرف وكأن كل ما فعله من قبله يجب أن يرمى في القمامة، ونبدأ من جديد، ثم نكتشف بعد سنوات أننا عدنا إلى النقطة نفسها. إصلاح الإعلام لا يحتاج إلى محو الماضي، بل إلى تقييم ما نجح وما فشل ثم البناء عليه.

كما أن الإعلام اليوم لم يعد صحيفة ورقية أو نشرة أخبار في الثامنة مساء فقط. الإعلام أصبح فيديو قصيرا، وبودكاست، وصحافة بيانات، وذكاء اصطناعي، وتحقيقات رقمية، ومحتوى متعدد اللغات، ومنصات تنتشر في ثوان إلى ملايين الأشخاص. وإذا كانت الجزائر تريد فعلا أن تخاطب العالم فلا يمكن أن تظل تنتج خطابا موجها فقط إلى الداخل.

نحتاج إلى إعلام بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وإلى صحفيين يعرفون كيف يخاطبون الجمهور الدولي، وإلى منصات قادرة على تقديم الرواية الجزائرية بسرعة ومهنية، وإلى غرف أخبار حديثة تستعمل البيانات والصورة والفيديو والتقنيات الجديدة. ونحتاج أيضا إلى مراكز تفكير ودراسات إعلامية حقيقية خارج الإطار الأمني فقط. الحرب الهجينة ليست ملفا عسكريا فقط، هي أيضا ملف أكاديمي وسياسي وإعلامي واجتماعي. الجامعات والأحزاب ومراكز البحث والمؤسسات الإعلامية نفسها يجب أن تنتج معرفة حول الرأي العام والتضليل والمنصات الرقمية والحروب المعلوماتية.

وفي المقابل، تحتاج الإدارة أيضا إلى تغيير طريقة تعاملها مع الصحافة. عندما تغيب المعلومة الرسمية أو تتأخر، يملأ الآخرون الفراغ. وعندما يغلق المسؤول الباب أمام الصحفي، تظهر الإشاعة. لذلك فإن إصلاح الإعلام لا يمكن أن يكون مسؤولية الصحفي وحده، بل يجب أن يشمل أيضا طريقة تواصل المؤسسات العمومية مع الصحافة. كما أن الحرية يجب أن تقابلها مسؤولية مهنية. الصحفي الحر ليس من ينشر كل ما يصل إليه، بل من يتحقق ويدقق ويسأل ويصحح إذا أخطأ. ولهذا يبقى التكوين وأخلاقيات المهنة والتنظيم المهني جزءا أساسيا من أي إصلاح حقيقي.

لكن لا يمكن أن نتحدث عن كل ذلك ونحن نتجاهل الوضع الاقتصادي للمهنة. المؤسسة التي لا تجد الإشهار لن تستمر، والصحفي الذي لا يحصل على أجره سيبحث عن مهنة أخرى، وغرفة الأخبار التي لا تملك المال لن تنتج محتوى ينافس الآخرين. وهذا هو جوهر المشكلة اليوم، نحن نريد إعلاما يخوض حربا هجينة، لكننا لم نبن بعد الصناعة الإعلامية التي تسمح له بخوضها.

الصناعة الإعلامية تعني مؤسسات مستقرة، وسوق إشهار واضحة، وصحفيين بأجور محترمة، وتكوينا مستمرا، وتكنولوجيا حديثة، وحرية مهنية مسؤولة، وقواعد واضحة يعرفها الجميع. ولذلك فإن الحديث المتكرر عن الحرب الهجينة يجب أن يتحول إلى فرصة لإصلاح الإعلام، لا إلى سبب جديد لتقييده. لأن الإعلام الضعيف لا يحمي الدولة، والإعلام الخائف لا يقنع المواطن، والإعلام الذي يعيش على حافة الإفلاس لن يهزم حملات تمول بملايين الدولارات.

أحد الزملاء قال لي يوما عبارة بقيت عالقة في ذهني، اليوم أصبح الصحفي يفكر كثيرا قبل أن ينتقد حتى رئيس بلدية، ليس فقط بسبب الخوف من المتابعة، بل أيضا لأنه يخشى على رزقه. هذه العبارة وحدها تلخص جزءا كبيرا من المشكلة.

إذا أردنا صحفيا قويا في مواجهة الخارج، يجب أن يشعر أولا بأنه قوي ومحمي في الداخل. وإذا أردنا إعلاما يدافع عن الجزائر، يجب أن نوفر له الظروف التي تسمح له بأن يكون مهنيا وحرا ومستقرا. ولم يعد السؤال هل تحتاج الجزائر إلى إصلاح إعلامها، فهذا أصبح واضحا للجميع. السؤال الحقيقي هو، هل تستطيع الجزائر أن تحول الحديث عن الحرب الهجينة إلى فرصة لبناء إعلام قوي، حر، مهني، ومتماسك اقتصاديا؟ لأن المعركة الإعلامية لا تُربح بالشعارات، وإنما بصحفي يحترم نفسه، ومؤسسة قادرة على العيش، وجمهور يثق فيما يقرأ ويسمع ويرى.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

من الهدم إلى التراكم.. الرئيس تبون يضع يده على مرض الجزائر المزمن

عندما قال الرئيس عبد المجيد تبون إن الرئيس الذي سيأتي بعده عليه أن يبني على ما تحقق، وأن ي…