الجزائر تتنقل من مافيا إلى أخرى؟!
فاجأ عبد المجيد تبون في آخر خرجته الإعلامية بحديث مباشر حول تشكّل شبكات منظمة تنشط في مجال التصدير، تعتمد على ما يُعرف تقنيًا بـ“التصريح غير المطابق للقيمة” أو “الفوترة المزوّرة”، حيث يتم تخفيض القيمة الحقيقية للسلع المصدّرة (التصريح الناقص)، ما يؤدي إلى تقليص عائدات الصادرات التي يجب إعادة تحويلها إلى الوطن بالعملة الصعبة، وبالتالي حرمان الخزينة العمومية من موارد مالية معتبرة. وذهب الرئيس إلى أبعد من ذلك، حين أشار إلى أن ما يقارب 350 مليون دولار لم يتم إعادة تحويلها عبر القنوات الرسمية، وهو ما يندرج ضمن مخالفة صريحة لقواعد الصرف وتنظيم حركة رؤوس الأموال، متوعدًا المتورطين بعقوبات صارمة.
كما تطرّق إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بالاقتصاد النقدي غير الرسمي، حيث يتم الاعتماد بشكل مفرط على السيولة النقدية خارج النظام المصرفي، بالتوازي مع التصريح الجزئي بقيم المعاملات، خاصة في سوق العقار. هذا السلوك يُعرف تقنيًا بـ“التصريح الناقص بالقيمة”، ويُستخدم لتقليص الوعاء الضريبي والتهرب من الرسوم، ما يخلق فجوة واضحة بين القيمة السوقية الحقيقية والقيمة المصرّح بها لدى الجهات الرسمية.
في هذا السياق، وجّه الرئيس تحذيرًا مزدوجًا يحمل بعدًا ردعيًا واضحًا. الأمر الأول يتمثل في إمكانية لجوء الدولة إلى ممارسة حق الشراء العمومي على أساس القيمة المصرّح بها رسميًا لدى الموثق، وهو إجراء قانوني إذا تم تطبيقه بصرامة سيُشكل ضربة مباشرة للمضاربين الذين يعتمدون على الفارق بين السعر الحقيقي والسعر المعلن. هذا التوجه يهدف إلى إعادة الانضباط لسوق العقار والحد من التلاعب المنهجي في التصريحات. أما الأمر الثاني، فتمثل في التحذير من مخاطر اكتناز الأموال خارج النظام البنكي، حيث أشار إلى أن هذه الأموال قد تكون عرضة للتزوير أو فقدان القيمة، وأن إدخالها لاحقًا في الدورة الاقتصادية قد يعرّض أصحابها لمساءلة قانونية وخسائر مالية. وفي المقابل، دعا إلى ضرورة التعامل عبر القنوات المصرفية الرسمية، واعتماد الفوترة الحقيقية، بما يسمح بتحسين التحصيل الضريبي وتعزيز شفافية الدورة الاقتصادية.
مرة أخرى، يضع الرئيس إصبعه على اختلال بنيوي عميق في الاقتصاد الوطني، ويبدو أنه يلمّح إلى مرحلة قادمة تتعلق بإعادة النظر في المنظومة النقدية ككل. فبعيدًا عن المضاربة، يطرح الواقع إشكالات حقيقية تتعلق بشكل النقد الوطني وخصائصه التقنية. العملة الجزائرية، من حيث التصميم وخصائص الأمان، تحتاج إلى تحديث يتماشى مع المعايير الدولية لمكافحة التزوير، خاصة في ظل تطور التقنيات المستعملة في هذا المجال. هذا يفرض التفكير في اعتماد تقنيات حديثة، سواء من حيث المواد المستعملة أو من حيث عناصر الأمان، بما يقلل من قابلية التزوير.
كما أن طبيعة المادة التي يُصنع منها النقد تمثل عاملًا حاسمًا في هذا السياق، ما يستدعي من الجزائر إعادة تقييم خياراتها الحالية، خاصة مع وجود شبكات دولية ومحلية قادرة على استغلال أي ثغرة تقنية. ورغم أن عملية تحديث العملة تُعد مكلفة، إلا أنها تظل استثمارًا ضروريًا، يمكن دعمه في ظل تحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية، خصوصًا إذا تم ربطه بتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتقليص الاعتماد على السيولة النقدية، التي تُعد البيئة الأكثر ملاءمة لنشاط الاقتصاد غير الرسمي.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند الجوانب التقنية أو التنظيمية، بل يمتد إلى البعد السلوكي. ما أشار إليه الرئيس يعكس وجود ممارسات متكررة مثل المضاربة، التهرب الضريبي، واستغلال الثغرات القانونية، وهي سلوكيات تُشكل خطرًا حقيقيًا على أي مسار إصلاحي. هذا الواقع يتطلب تدخلًا يتجاوز الإجراءات الإدارية، نحو بناء ثقافة اقتصادية قائمة على الامتثال للقانون والشفافية في المعاملات.
في هذا الإطار، يمكن استحضار تجارب دول مثل الصين التي واجهت تحديات مماثلة، حيث عملت على إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي ضمن مشروع وطني طويل المدى، قاده زعماء مثل ماو تسي تونغ، ما سمح لها بالتحول إلى قوة اقتصادية كبرى تنافس اليوم دولًا مثل الولايات المتحدة. صحيح أن السياق مختلف، لكن الدرس الأساسي يبقى أن الإصلاح الاقتصادي لا ينفصل عن إصلاح السلوكيات.
الرئيس تبون، في هذا السياق، لا يواجه فقط اختلالات مالية، بل يتعامل مع أزمة متعددة الأبعاد تمس بنية الاقتصاد والمجتمع. هذا يتطلب دراسات معمقة وتشخيصًا دقيقًا، بمشاركة الخبراء والمختصين، من أجل وضع سياسات فعالة ومستدامة. فظواهر مثل الكذب، التزوير، المضاربة، واستعمال النفوذ خارج الإطار القانوني، إذا لم تُعالج جذريًا، ستظل تعرقل أي محاولة لإعادة ترتيب الوضع الاقتصادي. وفي غياب معالجة حقيقية، سيبقى الاقتصاد يدور في حلقة مفرغة، حيث تتكرر نفس الاختلالات رغم تعدد المبادرات.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل كان الخلفاء يعصون الله؟!.. سؤال يربك الخطاب السلفي
يقدّم السلفي نفسه باعتباره من أتباع “السلف الصالح”، أي المسلمين الذين عاشوا خلال القرون ال…







