باريس تستنجد ببروكسل.. محاولة فرنسية لتوسيع الضغط على الجزائر
معلومات متداولة مفادها أن وزير الخارجية الفرنسي طرح أمام نظرائه في الاتحاد الأوروبي قضية القيود المفروضة على السلع الفرنسية في الجزائر. وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن دبلوماسيين، فإن الجزائر نفت هذه القيود عندما أثارها ممثلون فرنسيون. والمصيبة أن أقلامًا جزائرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي سارعت إلى التنديد بموقف الجزائر، والتحذير من قرارات أوروبية تعاقبها، وكأن الحديث عن خلاف تجاري يعني تلقائيًا أن العقوبات أصبحت جاهزة..!
طرح وزير الخارجية الفرنسي للقضية أمام مجلس وزراء الخارجية يحمل، في تقديري، هدفًا واضحًا: توسيع دائرة الضغط على الجزائر ونقل الخلاف من إطاره الثنائي إلى الإطار الأوروبي. لكن إثارة الملف سياسيًا شيء، وتحويل الموقف الفرنسي إلى قرار أوروبي شيء آخر. ففرنسا تستطيع عرض انشغالاتها، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تقرر باسم الاتحاد الأوروبي كيف يتعامل تجاريًا مع الجزائر.
والتجارة من الاختصاصات الحصرية للاتحاد الأوروبي، وليست سياسة تنفرد بها كل دولة عضو. غير أن هذا لا يعني أنها من صلاحيات المفوضية الأوروبية وحدها؛ فالمفوضية تتولى التفاوض، بينما يمنحها مجلس الاتحاد التفويض، ويتابع المفاوضات، ويقرّ الاتفاقات وفق الإجراءات المعتمدة، وبمشاركة البرلمان الأوروبي. وبالتالي، فإن الدول الأعضاء ليست مجرد أطراف تُستشار عند الضرورة، كما أن باريس ليست صاحبة القرار الوحيد في بروكسل.
وفي الأزمة التي حدثت بين إسبانيا والجزائر، حاولت مدريد الاستناد إلى الاتحاد الأوروبي للدفاع عن مصالحها. وللدقة، فإن المؤسسات الأوروبية لم ترفض مساندتها، بل عبّرت، في بيان صدر في يونيو 2022، عن تضامنها معها، وأثارت احتمال تعارض الإجراءات التجارية مع اتفاق الشراكة، مع إعطاء الأولوية للحوار. لكن ذلك لا يعني أن كل خلاف ثنائي يتحول تلقائيًا إلى مواجهة شاملة بين الجزائر والدول الأوروبية.
ومن هنا، فإن الرهان الفرنسي على المظلة الأوروبية لا يكفي وحده لفرض النتيجة التي تريدها باريس. فالاتحاد له مؤسساته وإجراءاته ومصالحه، والدول الأعضاء لها بدورها حسابات اقتصادية وتجارية وطاقوية. والتضامن بين أعضائه لا يلغي هذه الحسابات، ولا يجعل كل مطلب فرنسي أمرًا واجب التنفيذ.
العلاقات التجارية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي يحكمها اتفاق الشراكة وأحكامه التجارية. والجزائر تطالب بإعادة النظر في هذا الاتفاق، لأن الظروف التي أُبرم فيها لم تعد هي نفسها، ولأن أولوياتها الاقتصادية اليوم تقوم على تطوير الإنتاج الوطني، وتقليص التبعية للاستيراد، وتوسيع فرص التصدير.
ولا ينبغي إخفاء وجود خلافات فعلية حول تطبيق الاتفاق؛ فقد طلب الاتحاد الأوروبي، في يوليو 2025، تشكيل هيئة تحكيم بشأن قيود تجارية واستثمارية جزائرية يعتبرها مخالفة لأحكامه. وهذا مسار معلن لتسوية نزاع، وليس حكمًا نهائيًا ضد الجزائر، ولا تفويضًا لفرنسا كي تفرض عليها خياراتها الاقتصادية.
وإذا كانت الجزائر تعمل على تقليص استيراد سلع أصبحت تنتجها محليًا، فهذا توجه اقتصادي ينبغي مناقشته على أساس مصالحها والتزاماتها، لا تصويره وكأنه خطيئة في حق المنتج الأجنبي. فالسياسة الوطنية التي ينتهجها الرئيس تبون تعطي الأولوية لتطوير الإنتاج، بدل الإبقاء على نموذج الاستيراد الذي توسّع في عهد بوتفليقة، وأضعف قطاعات إنتاجية، وحوّل السوق الجزائرية إلى منفذ واسع للسلع القادمة من الخارج.
لكن الدفاع عن هذا التوجه لا يحتاج إلى الخلط بين دعم الإنتاج الوطني وفرض حظر يستهدف بلدًا بعينه؛ فلكل إجراء طبيعته وتبعاته. والمطلوب هو الدفاع عن حق الجزائر في بناء اقتصاد منتج، وإعادة التفاوض حول ما تراه غير متوازن، بحجج واضحة وملفات دقيقة، بدل ترك النقاش رهينة التسريبات والتهويل.
الجزائر تتعامل مع فرنسا بمبدأ الندية. ومن الطبيعي أن تتمسك باريس بمصالح شركاتها وأسواقها، لكن من الطبيعي أيضًا أن تتمسك الجزائر بمصالح منتجيها ومؤسساتها. فلا يعقل أن يصبح الحفاظ على حصة المنتج الفرنسي حقًا ثابتًا، بينما يُقدَّم سعي الجزائر إلى توسيع إنتاجها وتنويع شركائها باعتباره سلوكًا يستوجب التأديب.
أما ما يُشاع عن رفض الجزائر طلبًا فرنسيًا لزيادة كميات الغاز والنفط، فلا يمكن تقديمه حقيقة مؤكدة دون سند معلن. وقوة الموقف الجزائري لا تحتاج إلى أخبار غير مثبتة، بل إلى قراءة المصالح المتبادلة، وموازين التبادل، وما تستطيع الجزائر تقديمه وما ينبغي أن تحصل عليه في المقابل.
نقل الخلاف الفرنسي الجزائري إلى بروكسل محاولة لتوسيع الضغط، لكنه لا يضمن اصطفافًا أوروبيًا كاملًا وراء باريس. فالجزائر ترتبط بعلاقات ومصالح مع دول فاعلة، منها إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وغيرها، ومن حقها أن تطور هذه الشراكات، وألا تختزل علاقتها بأوروبا في علاقتها بفرنسا.
لقد أسهمت الإمدادات الجزائرية في دعم أمن الطاقة الأوروبي، وهو ما ينبغي أن يحضر في قراءة العلاقة بين الطرفين. لكن المصالح المتبادلة تحتاج إلى إدارة وتفاوض، ولا تعني غياب الخلافات. والندية التي تدافع عنها الجزائر تُترجم إلى قدرة على حماية مصالحها، والرد على الاعتراضات، وطرح بدائل واتفاقات أكثر توازنًا.
فرنسا تستطيع أن تشتكي وتضغط وتبحث عن المساندة، لكن الجزائر ليست مطالبة بأن تبقى سوقًا كما اعتادها الآخرون. وما ينبغي أن تقبله باريس هو أن الشراكة لا تستقيم بمطالبة طرف واحد بالتكيف، وأن وقت مراجعة الاختلالات وتحديث الاتفاق قد حان، حتى تستفيد منه الجزائر بقدر ما يستفيد منه شركاؤها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
كرامة الطالبات خط أحمر.. من يحاسب على تبعات التشهير؟
أحسنت السلطات الجزائرية بإنهاء مهام مديرة الإقامة الجامعية بوهران، في أعقاب الجدل الذي أثا…






