‫الرئيسية‬ الأولى حرب إسلاموية رقمية لتزوير ذاكرة الجزائريين
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

حرب إسلاموية رقمية لتزوير ذاكرة الجزائريين

حرب إسلاموية رقمية لتزوير ذاكرة الجزائريين
تعود الآلة الدعائية الإسلاموية، بين فترة وأخرى، إلى فتح ملفات العشرية السوداء بالطريقة نفسها، اقتطاع أحداث من سياقها، إعادة نشر روايات قديمة، ثم توجيه الاتهام نحو المؤسسة العسكرية الجزائرية، وكأن المطلوب هو تثبيت صورة واحدة في ذهن الأجيال الجديدة، جيش متهم، وجماعات متطرفة تقدم نفسها في صورة الضحية.

هذا الخطاب لم يعد يتحرك في المساجد المغلقة أو المناشير السرية كما كان يحدث في التسعينيات. اليوم انتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يكفي فيديو قصير، أو بث مباشر، أو صفحة مجهولة، حتى تنتشر رواية مبتورة بين آلاف الشباب الذين لم يعيشوا تلك المرحلة، ولم يعرفوا كيف بدأت، ولا كيف تحولت الكلمات إلى تهديدات، والتهديدات إلى اغتيالات، ثم إلى حرب مفتوحة ضد الدولة والمجتمع.

ومن بين الملفات التي تعود هذه الدعاية إلى استعمالها، ملف اغتيال مغني الراي الشهير الشاب حسني، رحمه الله، وغيره من الجرائم التي هزت الجزائر في سنوات الدم. غير أن طريقة استحضار هذه الملفات اليوم لا تبدو بريئة، لأنها لا تضع الجريمة في سياقها العام، ولا تذكر المناخ الذي صنعتْه الجماعات المتطرفة، ولا خطاب التحريم والتكفير الذي سبق استهداف الفنانين والمثقفين والصحفيين ورجال الأمن والمواطنين البسطاء.

الدعاية الإسلاموية تختار من الذاكرة ما يخدمها فقط. تتحدث عن بعض الملفات عندما تريد اتهام الجيش، لكنها تصمت أمام اغتيال الصحفيين، وتهديد الفنانين، واستهداف النساء، وذبح المدنيين، وتفجير الأماكن العامة، ونشر قوائم الموت. تصمت أمام سنوات عاش فيها الجزائريون الخوف في الأحياء والقرى والطرقات، وكأن الدم الذي سال بيد الجماعات المسلحة لا مكان له في الذاكرة.

هنا تكمن الخطورة. فالأمر لا يتعلق بمجرد رأي منشور على فيسبوك، بل بإعادة تشكيل ذاكرة جماعية كاملة. جيل جديد يُدفع تدريجياً إلى الاعتقاد بأن الجيش هو المسؤول عن كل شيء، وأن الجماعات التي حملت السلاح كانت مجرد ضحية، وأن الدولة التي منعت سقوط الجزائر يجب أن تبقى في موقع الاتهام الدائم.

قانون المصالحة الوطنية لم يوضع حتى تتحول العشرية السوداء إلى مادة للمزايدات الرقمية، ولا حتى تصبح جراح الجزائريين ذخيرة في يد من يريد ضرب مؤسسات الجمهورية. المصالحة كانت، في معناها الوطني، محاولة لغلق باب الدم وحماية الدولة والمجتمع من العودة إلى دوامة الثأر والتحريض. أما تحويل المأساة الوطنية إلى محتوى يومي على مواقع التواصل، هدفه تشويه الجيش وتبييض الإسلامويين، فهو طعن في روح المصالحة نفسها.

في التسعينيات، دفع الجيش الوطني الشعبي ثمناً باهظاً حتى تبقى الدولة واقفة. لم يكن الأمر معركة سياسية عادية، بل كان صراعاً على بقاء الجزائر. كانت هناك جماعات مسلحة، مناطق مهددة، مواطنون يقتلون بسبب أفكارهم أو لباسهم أو عملهم أو انتمائهم إلى الدولة. وكانت المؤسسة العسكرية، بكل ما قدمته من تضحيات، السد الذي منع سقوط البلد في مشروع ظلامي كان يريد تحويل الجزائر إلى إمارة خوف.

هذه الحقيقة لا تريد الدعاية الإسلاموية الاعتراف بها. لأنها لو اعترفت بأن الجيش أنقذ الدولة، سقطت روايتها كلها. ولو اعترفت بأن الجماعات المتطرفة قتلت الجزائريين، انتهى خطاب المظلومية. لذلك تعمل هذه الدعاية على قلب الصورة: من حمل السلاح يصبح ضحية، ومن حمى الدولة يصبح متهماً، ومن دفع الثمن من الشعب يصبح تفصيلاً ثانوياً في سردية مصنوعة بعناية.

يكفي أن نتذكر اغتيال الصحفي والكاتب الطاهر جاووت، وهو من أبرز رموز الكلمة الحرة في الجزائر. لم يكن جاووت جندياً ولا مسؤولاً أمنياً، بل كان قلماً ومثقفاً. ومع ذلك استُهدف لأنه كان يمثل صوتاً يرفض الخضوع للظلام. ولم يكن وحده، فقد استُهدف عشرات الصحفيين والمثقفين والفنانين، لأن المشروع المتطرف كان يعرف أن السيطرة على المجتمع تبدأ بإسكات من يفكر، ومن يكتب، ومن يغني، ومن يعلّم.

الفنان أيضاً كان هدفاً، والمرأة كانت هدفاً، والمدرسة كانت هدفاً، ورجل الأمن كان هدفاً، والمواطن البسيط كان هدفاً. لم يكن الإرهاب موجهاً ضد السلطة فقط كما يحاول البعض تصويره اليوم، بل كان موجهاً ضد نمط حياة كامل، ضد الجزائر كما عرفها الجزائريون، ضد الموسيقى، والجامعة، والصحافة، والمرأة، والشارع، والفرح، وحتى ضد أبسط مظاهر الحياة العادية.

لذلك، حين تأتي اليوم صفحات مجهولة أو وجوه قديمة لتعيد فتح ملفات العشرية السوداء بطريقة انتقائية، فلا يمكن التعامل مع الأمر بخفة. هذه ليست ذاكرة، بل فرز سياسي للذاكرة. يأخذون ما يسمح بضرب الجيش، ويتركون ما يدين المشروع الإسلاموي. يستعملون الحزن عندما يخدمهم، ويخفون الدم عندما يفضحهم.

الأخطر أن مواقع التواصل جعلت هذا التحريف أسرع وأكثر تأثيراً. في الماضي كانت الشائعة تحتاج أياماً حتى تنتشر، أما اليوم فتنتشر في دقائق. في الماضي كان المنشور الورقي يوزع في الليل، أما اليوم فالمقطع يصل إلى آلاف الهواتف قبل أن تتحرك أي جهة لتصحيحه. وهكذا يصبح التاريخ المعقد قصة قصيرة، والجريمة رأياً، والضحية مجرد تفصيل، والمتطرف صاحب مظلومية جاهزة للاستهلاك.

هذا الخطاب لا يأتي وحده. فهو يتزامن مع تصاعد خطاب ديني متشدد يهاجم المرجعية الدينية الوطنية، ويطعن في الصوفية والزوايا، ويشكك في المالكية والإباضية، ويتعامل مع المرأة بعقلية عدوانية، وكأن الجزائر لم تعرف الإسلام إلا عبر هذا الصراخ الجديد. وهذه ليست مجرد صدفة. هناك خيط واضح يجمع بين ضرب الجيش، وضرب المرجعية الدينية الوطنية، وضرب الثقة في الدولة.

حين تُشوَّه صورة الجيش، تُضرب ثقة المواطن في المؤسسة التي حمت البلد في أصعب مرحلة. وحين تُهاجم الزوايا والصوفية والمالكية والإباضية، تُضرب ذاكرة الإسلام الجزائري. وحين يُقدَّم الإسلامويون كضحايا فقط، يُفتح الباب أمام رواية قديمة يعرف الجزائريون جيداً إلى أين قادتهم.

الدعاية تبدأ دائماً بسؤال صغير، من قتل فلاناً؟ ثم يتحول السؤال إلى اتهام، والاتهام إلى قناعة، والقناعة إلى عداء. بعدها يجد الشاب نفسه داخل سردية كاملة لا يرى فيها إلا جيشاً متهماً، ودولة ظالمة، وإسلامويين أبرياء. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الدعاية الحديثة: لا تفرض الفكرة دفعة واحدة، بل تكررها حتى تبدو طبيعية.

وهذا ما يجب أن تنتبه إليه الدولة والإعلام والمجتمع. فالمشكلة ليست في منشور واحد، ولا في فيديو واحد، بل في تراكم يومي يصنع وعياً مشوهاً. صفحة تنشر، أخرى تعيد، ثالثة تعلق، رابعة تضيف رواية، ثم تصبح الكذبة مادة متداولة وكأنها حقيقة. وفي النهاية يدفع البلد ثمن الصمت والتردد.

جزء من هذا الخطر يعود إلى أن الجزائر تركت، لسنوات، فراغاً كبيراً في ملف الذاكرة. لم تشرح بما يكفي للأجيال الجديدة ما حدث في التسعينيات. لم تُنتج ما يكفي من الوثائقيات، والشهادات، والبرامج الجادة، والملفات الصحفية التي تحفظ ذاكرة الضحايا وتوضح دور الجيش في منع سقوط الدولة. هذا الفراغ استغلته الدعاية الإسلاموية، وملأته بطريقتها.

لا يكفي أن نقول إن الجزائريين يعرفون الحقيقة. كثير من الشباب لم يعش تلك المرحلة. لم يرَ الحواجز، ولا الخوف، ولا الجنازات، ولا القرى التي بكت أبناءها، ولا العائلات التي فقدت رجالها ونساءها وأطفالها. هذا الجيل يحتاج إلى ذاكرة واضحة، لا إلى صمت رسمي تملؤه صفحات مجهولة وروايات مشوهة.

الجيش الوطني الشعبي ليس مجرد مؤسسة عسكرية في ذاكرة العشرية السوداء، بل هو المؤسسة التي واجهت مشروع إسقاط الدولة. قد ينسى البعض، وقد يتناسى البعض الآخر، لكن الحقيقة التي لا يمكن مسحها هي أن الجزائر لم تكن لتخرج من تلك المرحلة لولا تضحيات أفراد الجيش، ورجال الأمن، وكل من وقف في وجه الإرهاب في المدن والجبال والقرى.

لهذا تبدو العودة المتكررة إلى اتهام الجيش عبر مواقع التواصل عملاً منظماً في توقيته وأسلوبه. لا يُراد منها فقط الحديث عن الماضي، بل التأثير في الحاضر. الهدف هو ضرب الثقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية، وتقديم الإسلامويين في صورة المظلوم التاريخي، وتهيئة وعي جديد قابل لتصديق الرواية المتطرفة عندما تعود بأسماء وواجهات مختلفة.

لقد دفعت الجزائر ثمناً باهظاً عندما تُرك خطاب التكفير يكبر حتى صار ناراً. ولا يجوز أن يسمح البلد اليوم بعودة الخطاب نفسه بثوب رقمي. الماضي لا يعود دائماً بالسلاح. أحياناً يعود بفيديو، أو منشور، أو تعليق، أو حملة تشتغل بهدوء على الذاكرة حتى تُضعف مناعة المجتمع.

المطلوب اليوم رد واضح ومنظم. ليس رداً عاطفياً، ولا شعارات موسمية، بل عمل إعلامي ومؤسساتي يحفظ ذاكرة العشرية السوداء من التزوير. يجب أن تُروى الحقيقة للأجيال الجديدة: من قتل، من حرّض، من كفّر، من فجّر، ومن وقف في النهاية حتى لا تسقط الجزائر.

على الإعلام الوطني أن يعود إلى هذا الملف بجدية. ليس بمنطق التخويف، بل بمنطق التوثيق. شهادات الضحايا، شهادات العائلات، شهادات رجال الجيش والأمن، أرشيف الصحافة، أسماء الصحفيين الذين اغتيلوا، الفنانين الذين هُددوا، القرى التي عاشت الرعب، والمدارس التي حاول الظلاميون إسكاتها. هذه الذاكرة يجب أن تُنقل كما هي، لأن تركها للمنصات المجهولة يعني السماح بتزويرها.

الجزائر لا تواجه اليوم مجرد حملة عابرة ضد الجيش، بل تواجه محاولة مستمرة لإعادة ترتيب ذاكرة العشرية السوداء. ومن ينجح في السيطرة على الذاكرة يستطيع أن يحدد من هو الضحية ومن هو الجلاد، من هو الحامي ومن هو المتهم، ومن هو الوطني ومن هو صاحب المشروع الدموي.

احذروا من تحويل المأساة الوطنية إلى مادة دعائية على مواقع التواصل. احذروا من الذين لا يتذكرون العشرية السوداء إلا عندما يريدون اتهام الجيش، وينسون آلاف الجزائريين الذين ذُبحوا واغتيلوا وهُددوا باسم مشروع متطرف كاد يبتلع البلاد.

الدعاية الإسلاموية ضد الجيش لا تأتي من الماضي فقط، بل تتحرك داخل الحاضر وتستعد للمستقبل. تريد جيلاً غاضباً من دولته، مشككاً في جيشه، مقطوعاً عن مرجعيته الدينية الوطنية، ومستعداً لقبول الرواية المتطرفة من جديد. ومن واجب الدولة والمجتمع والإعلام أن يقطعوا الطريق أمام هذا التحريف قبل أن يتحول مرة أخرى إلى خطر حقيقي على الجزائر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

من يوقظ فتن المذاهب في الجزائر؟

كمواطن جزائري، أعرف جيداً أن البت والنقاش في مسائل الدين أمر معقد جداً في الجزائر، وأن الج…