“غشت” في الجريدة الرسمية… اختراق لغوي أم عبث بوثائق الجمهورية؟
تحدثنا منذ سنة تقريباً عن قضية خطيرة تتعلق بتبنّي الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية تسمية شهر أوت أو أغسطس بصيغة “غشت”، وهي تسمية مغربية صريحة لا علاقة لها بالتقويم الإداري المتداول في الجزائر. والسؤال المطروح اليوم، بعد عودة هذه التسمية مجدداً سنة 2026، هو: من هي الجهة التي تُشرف على تحرير ونشر الجريدة الرسمية الجزائرية حتى تمرّ مثل هذه التسمية داخل وثيقة سيادية للدولة الجزائرية؟
أقول هذا لأن الوثائق الرسمية للبرلمان الجزائري، مثلها مثل المراسلات الإدارية الصادرة عن البلديات والولايات ومختلف مؤسسات الدولة عبر التراب الوطني، تعتمد تسمية “أوت” للشهر الثامن من السنة. وحتى إذا أرادت الدولة الجزائرية تغيير التسمية أو توحيدها، فهناك تسميات معروفة في المشرق مثل “أغسطس”، أو التسمية السريانية المستعملة في لبنان وسوريا وهي “آب”. أما أن تظهر تسمية “غشت” داخل الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، فهذا أمر غير مفهوم، بل عيب إداري وسيادي لا يمكن المرور عليه وكأنه خطأ مطبعي عادي.
فالجهة التي أدخلت هذه التسمية المغربية في الجريدة الرسمية مطالبة، إن كانت مقتنعة بها، بأن تغيّر أشهر السنة كلها على الطريقة المغربية، فتكتب “دجنبر” و“شتنبر” و“غشت” وغيرها من التسميات المستعملة في المغرب. أما أن يتم إدخال شهر واحد فقط بهذه الصيغة، فهذا يطرح أكثر من سؤال: هل الأمر مجرد خطأ؟ هل هو إهمال إداري؟ هل هو نقل آلي غير مراقب؟ أم أن هناك من يعبث بالمحررات الرسمية للدولة الجزائرية في ملف رمزي وحساس يمس اللغة الإدارية والسيادة الوثائقية للجمهورية؟
لا أفهم كيف لا يقرأ المسؤولون الجريدة الرسمية التي تصدر باسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وهم ملزمون قانونياً وإدارياً بمتابعة ما ينشر فيها، لأنها المصدر الرسمي لنفاذ القوانين والمراسيم والتنظيمات. فالقانون يصبح نافذاً بعد نشره في الجريدة الرسمية، وهذه الجريدة ليست نشرة عادية ولا موقعاً إخبارياً ولا صفحة على الأنترنت، بل وثيقة سيادية تبقى في أرشيف الدولة وتُرجع إليها الإدارات والمحاكم والباحثون بعد سنوات وعقود.
ولهذا تبدو المسألة أخطر من مجرد تسمية شهر. عندما يصدر نص رسمي في عدد من أعداد الجريدة الرسمية تحت تاريخ يحمل تسمية غير معتمدة في التقويم الإداري الجزائري، فإن ذلك يطرح إشكالاً شكلياً ورمزياً وقانونياً. فهل نحن أمام “أوت” كما تعتمده الإدارة الجزائرية؟ أم أمام “غشت” كما يظهر في الجريدة الرسمية؟ وإذا كانت الدولة لا تستعمل هذه التسمية في وثائقها الأخرى، فمن سمح بظهورها في أعلى وثيقة نشر رسمية في البلاد؟
أي متابع للشأن القانوني يعرف أن الشكل في الوثائق الرسمية ليس تفصيلاً بسيطاً. التاريخ، التسمية، الصياغة، الختم، رقم العدد، كلها عناصر تمنح الوثيقة الرسمية قوتها ومصداقيتها. لذلك فإن نشر نصوص تحت تسمية شهر غير مستعملة في رزنامة الجمهورية الجزائرية يفتح باباً غير مقبول للالتباس، حتى وإن لم يؤثر عملياً على مضمون النصوص. فالدولة التي تحترم نفسها لا تترك وثائقها السيادية عرضة لهذا النوع من العبث أو الإهمال.
قبل أيام فقط، وقع نقاش واسع حول موعد الدخول المدرسي، وتم تصحيحه بتدخل من الوزير الأول، حسب البيان الصادر يوم 8 أوت 2026. والمفروض، إذا سرنا وفق منطق الجريدة الرسمية في هذه التسمية الغريبة، أن نكتب: يوم 8 غشت 2026. فهل تقبل الحكومة الجزائرية بهذه الصيغة؟ هل تقبل وزارة التربية؟ هل تقبل الولايات والبلديات والإدارات أن تعتمد “غشت” في مراسلاتها؟ إذا كان الجواب لا، فلماذا تقبل بها الجريدة الرسمية؟
المصيبة أن المتصفح العادي عندما يدخل إلى موقع الجريدة الرسمية يجد في صفحة الأنترنت عناوين تشير إلى أعداد صادرة في شهر أوت بمختلف التواريخ، لكنه عندما يفتح العدد نفسه يصطدم بالتسمية المغربية “غشت” داخل الوثيقة الرسمية. وهذا التناقض وحده كافٍ لإثبات وجود خلل واضح في المراقبة والتحرير والنشر. فكيف يكون العنوان الخارجي “أوت”، بينما الوثيقة الداخلية تحمل “غشت”؟ ومن المسؤول عن هذا التلاعب أو هذا الإهمال؟
الأمر لا يتعلق بحساسية لغوية فقط، بل بصورة الدولة. فالجريدة الرسمية ليست ملكاً لموظف، ولا لمحرر، ولا لمصلحة تقنية، بل هي صوت الجمهورية المكتوب. وكل كلمة فيها محسوبة، وكل تاريخ فيها محسوب، وكل خطأ فيها يبقى محفوظاً في الأرشيف. ومن غير المقبول أن تستمر تسمية غير جزائرية لشهر من أشهر السنة داخل وثيقة رسمية جزائرية، ثم لا يتحرك أحد لتصحيحها أو التحقيق في مصدرها.
ما يزيد الأمر غرابة أن هذه القضية ليست جديدة. لقد نُبّه إليها من قبل، وتمت إثارتها منذ سنة تقريباً، ومع ذلك تعود في 2026 وكأن شيئاً لم يحدث. وهذا يعني أن الخلل ليس عابراً، أو أن التصحيح لم يتم، أو أن هناك من لا يرى في الأمر مشكلة أصلاً. وفي كل الحالات، فإن الصمت غير مقبول، لأن تكرار الخطأ بعد التنبيه عليه يصبح مسؤولية مباشرة لا يمكن تبريرها بالإهمال التقني.
إن وجود تسمية “غشت” في الجريدة الرسمية الجزائرية يجب أن يدفع الجهات المختصة إلى فتح تحقيق إداري بسيط وواضح: من اعتمد هذه التسمية؟ منذ متى بدأت تظهر؟ هل توجد أعداد سابقة تحملها؟ هل يتعلق الأمر ببرنامج معلوماتي؟ بترجمة؟ بنموذج مستورد؟ بمحرر لا يراجع؟ أم بغياب كامل للمراقبة داخل مؤسسة يفترض أنها من أكثر المؤسسات دقة في الدولة؟
لا نطلب شيئاً مستحيلاً. المطلوب فقط أن تُحترم رزنامة الجمهورية الجزائرية داخل وثائق الجمهورية الجزائرية. إذا كان الشهر في الجزائر يسمى “أوت”، فليكتب “أوت”. وإذا قررت الدولة رسمياً اعتماد تسمية أخرى، فليصدر ذلك وفق قرار واضح وموحد يطبق على كل المؤسسات، لا أن تظهر تسمية مغربية داخل الجريدة الرسمية وحدها، وكأن هناك تقويماً خفياً موازياً للتقويم الإداري الجزائري.
إنها محررات رسمية ستبقى لأجيال، وسيقرأها الباحثون والطلبة والقضاة والمحامون والإداريون بعد عشرات السنوات. ووجود هذا النوع من الأخطاء داخلها لا يشوه فقط الشكل، بل يضرب هيبة الوثيقة الرسمية نفسها. فكيف نطالب المواطن باحترام القانون، إذا كانت الجريدة التي تنشر القانون لا تحترم حتى التسمية الرسمية المتداولة لأشهر السنة في الجزائر؟
غشت المغربي لا مكان له في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. ومن يرى أن الأمر بسيط لا يفهم معنى الوثيقة السيادية، ولا معنى الأرشيف، ولا معنى أن تحمل كلمة واحدة داخل محرر رسمي دلالة سياسية ورمزية وتاريخية. الجزائر لها تقويمها الإداري، ولها لغتها الرسمية في مؤسساتها، ولا يجوز أن تتسلل إليها تسميات غريبة عبر أهم وثيقة نشر قانوني في البلاد.
المطلوب اليوم تصحيح فوري، لا تبرير. مراجعة كل الأعداد التي وردت فيها هذه التسمية، تحديد مصدر الخلل، محاسبة من سمح بتكراره، وضمان عدم ظهوره مرة أخرى. لأن المسألة، مهما حاول البعض التقليل منها، تتعلق بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، لا بمنشور عابر على موقع إلكتروني.
هذا عيب إداري، وخطأ سيادي، وإهانة غير مقبولة لدقة الدولة الجزائرية. ومن لا ينتبه إلى كلمة داخل الجريدة الرسمية، قد لا ينتبه غداً إلى مادة قانونية، أو مرسوم، أو تاريخ نفاذ، أو صياغة تمس حقوق المواطنين ومؤسسات الدولة. لذلك يجب التعامل مع القضية بجدية، لأن احترام الدولة يبدأ من احترام وثائقها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قضية ملعب الدويرة: 10 سنوات سجناً لوالي العاصمة الأسبق ومسؤولين آخرين بين الإدانة والبراءة
شهدت محكمة القطب الجزائي المتخصص في قضايا الفساد المالي والاقتصادي بسيدي امحمد، يوم 6 أفري…






