أبوظبي تدفن وهم العروبة… والكيان الصهيوني يدخل قلب النظام الإقليمي الجديد
لم يكن اللقاء الذي جمع في أبوظبي رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو برئيس دولة الإمارات محمد بن زايد مجرد زيارة جديدة بين طرفين تربطهما علاقات رسمية منذ اتفاقات التطبيع لسنة 2020. فالزيارة التي جرت يوم 27 سبتمبر 2026 أكدت أن العلاقة بين أبوظبي والكيان تجاوزت منذ مدة مرحلة التطبيع الدبلوماسي وأصبحت جزءاً من ترتيبات أمنية وإقليمية أوسع، خاصة في ظل الحرب مع إيران وتصاعد خطر الحوثيين واضطراب طرق الطاقة في الخليج والبحر الأحمر. وقد أكدت الإمارات والجانب الصهيوني رسمياً حصول اللقاء، وقالا إن المباحثات تناولت العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف الإيراني.
لكن ما جعل اللقاء أكثر أهمية هو ما نشرته وسائل إعلام صهيونية لاحقاً عن جلسة موسعة قيل إنها ضمت ممثلين عن الولايات المتحدة والسعودية والمغرب ومصر والكويت والبحرين وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب الإمارات والكيان الصهيوني. قناة 14 الصهيونية نسبت المعلومات إلى مصدر إماراتي لم تسمه، وقالت إن المناقشات تناولت التعاون الأمني والاستخباراتي، وإمكانية بناء إطار دفاعي إقليمي لمواجهة ما سمي “التهديدات المشتركة”، إضافة إلى إيران والحوثيين وإمكانية إنشاء طرق لنقل النفط تتجاوز مضيق هرمز. هذه المشاركة الموسعة لم تؤكدها جميع الدول التي وردت أسماؤها، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها تقريراً إعلامياً لم تكتمل بعد عناصر تأكيده الرسمي، لكنها في حد ذاتها تكشف طبيعة النقاش الدائر حول إعادة بناء منظومة أمنية جديدة في المنطقة.
وتحدثت تقارير أخرى عن حضور صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد القوات المسيطرة على شرق ليبيا، بعدما أظهرت بيانات تتبع الطيران وصول طائرة يستعملها إلى أبوظبي بعد وقت قصير من وصول نتنياهو. صحيفة “Il Foglio” الإيطالية نقلت عن مستشار سابق لخليفة حفتر أن صدام التقى نتنياهو للحصول على دعم سياسي لطموحاته في ليبيا، لكن قناة i24 الصهيونية قالت لاحقاً إن معلوماتها تشير إلى عدم حصول لقاء مباشر بين الرجلين. لذلك فإن وجود الطائرة في أبوظبي ثابت في التقارير المنشورة، أما الاجتماع المباشر بين صدام حفتر ونتنياهو فما زال موضع تضارب بين المصادر.
أما الحضور السعودي الذي تحدثت عنه وسائل إعلام صهيونية، فمهما كانت صفة الشخص أو مستوى تمثيله، فإن مجرد تكرار الحديث عن قنوات أمنية واتصالات غير معلنة بين الرياض والكيان يعكس واقعاً إقليمياً مختلفاً عن الخطاب العربي التقليدي. السعودية لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع الكيان الصهيوني، لكن الملفات الأمنية المرتبطة بإيران والحوثيين والملاحة البحرية دفعت خلال السنوات الأخيرة إلى ظهور تقاطعات في المصالح، وأصبحت فكرة التعاون الدفاعي الإقليمي مطروحة في أكثر من صيغة. الجديد في لقاء أبوظبي، إذا تأكدت تفاصيل المشاركة السعودية، هو انتقال جزء من هذه الاتصالات من القنوات الثنائية السرية إلى اجتماعات إقليمية أوسع.
هذه الحركية لا تقتصر على دول الخليج. تركيا، التي يرفع رئيسها رجب طيب أردوغان خطاباً شديداً ضد حكومة نتنياهو، لها هي الأخرى تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان، وإن كانت العلاقات بين الطرفين قد وصلت حالياً إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً، خصوصاً بسبب سوريا وغزة. وفي أغسطس الماضي اضطرت واشنطن إلى العمل على آلية لمنع الاحتكاك العسكري بين تركيا والكيان داخل سوريا بعدما قصفت طائرات صهيونية قاعدة عسكرية سورية قرب منطقة تنشط فيها تركيا. أي أن خطاب أردوغان السياسي، مهما ارتفع، لا يلغي حقيقة وجود مصالح وحدود تماس وقنوات اتصال فرضتها الجغرافيا والتحالفات الدولية.
العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني ليست وليدة اتفاقات أبراهام ولا زيارة نتنياهو للإمارات. الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية تؤكد أن الملك حسين بن طلال أقام اتصالات سرية مع مسؤولين صهاينة قبل حرب يونيو 1967، وأنه أبلغ مسؤولين أمريكيين سنة 1966 بأنه كان على اتصال سري بقيادات صهيونية منذ نحو ثلاث سنوات. كما توثق سجلات أمريكية لاحقة استمرار المفاوضات السرية بين الطرفين بعد حرب 1967. لكن الرواية المتداولة التي تقول إنه خرج من لقاء مع جمال عبد الناصر لينقل مباشرة تفاصيل قراراته إلى القيادة الصهيونية تحتاج إلى دليل أكثر تحديداً مما توفره الوثائق المنشورة حالياً. الثابت أن الاتصالات السرية سبقت بكثير معاهدة السلام الأردنية المعلنة سنة 1994.
ثم جاء أنور السادات لينقل العلاقة من السر إلى العلن عندما زار القدس سنة 1977 وخطب أمام الكنيست، قبل توقيع اتفاقات كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية الصهيونية سنة 1979. وقد استعادت مصر بموجب المسار الذي أنتجته تلك الاتفاقات كامل سيناء تدريجياً، وهو ما جعل أنصار السادات يقدمون قراره باعتباره نجاحاً استراتيجياً حقق استعادة الأرض عبر التفاوض، بينما ظل خصومه يعتبرونه بداية تفكيك الموقف العربي الجماعي من القضية الفلسطينية.
حتى سلطنة عمان استقبلت نتنياهو في مسقط سنة 2018 في زيارة غير معلنة مسبقاً وبدعوة من السلطان قابوس بن سعيد، وكان نتنياهو يومها مرفوقاً برئيس الموساد ومستشاره للأمن القومي ومسؤولين آخرين. ولم تكن تلك أول زيارة لمسؤول صهيوني رفيع إلى السلطنة، فقد سبقتها اتصالات وزيارات في التسعينيات. لذلك فإن ما يحدث اليوم في أبوظبي ليس ولادة العلاقات السرية، بل انتقالها إلى مستوى أكثر اتساعاً ووضوحاً، تحركه الحسابات الأمنية أكثر مما تحركه الشعارات القديمة.
القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر من هذا التحول. أكثر من 74 ألف فلسطيني قُتلوا في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس في سبتمبر 2026، إلى جانب أكثر من 175 ألف مصاب، بينما بقيت مساحات واسعة من القطاع مدمرة وتواجه آلاف المباني خطر الانهيار، في وقت ما تزال فيه إعادة الإعمار معلقة وسط خلافات أمنية وسياسية. ومع ذلك، لم يمنع حجم الكارثة استمرار الاتصالات السياسية والأمنية بين حكومات عربية والكيان الصهيوني، وهو ما يوضح أن قرارات الدول تُبنى اليوم على حسابات الأمن والمصالح والتحالفات أكثر مما تُبنى على الشعارات التي حكمت الخطاب العربي طوال عقود.
لقاء أبوظبي جاء أيضاً في لحظة تبحث فيها دول الخليج عن مظلة أمنية جديدة بعد توسع الحرب مع إيران والحوثيين. المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها أمن المنشآت النفطية والموانئ ومسارات الناقلات ومنظومات الدفاع الجوي مسألة وجودية لدول صغيرة جغرافياً وتملك جزءاً مهماً من احتياطات الطاقة العالمية. وفي هذه البيئة يقدم الكيان الصهيوني نفسه شريكاً أمنياً يمتلك تقنيات الدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة، بينما تبحث الولايات المتحدة عن منظومة إقليمية تخفف جزءاً من العبء العسكري المباشر عنها وتحاصر النفوذ الإيراني.
هذا التحول يفسر جانباً من لقاءات أبوظبي أكثر مما تفسره مسألة التطبيع وحدها. الدول الموجودة في هذه الدائرة لا تجتمع من أجل تبادل السفارات، بل لمناقشة الصواريخ والطائرات المسيرة ومضيق هرمز والحوثيين والطاقة والمعلومات الاستخباراتية. ولذلك فإن التطبيع ينتقل من صورة سفير وقنصلية ورحلة جوية إلى هندسة أمنية إقليمية يصبح فيها الكيان الصهيوني جزءاً من نظام الدفاع عن الخليج، وإذا استمر هذا الاتجاه فإن مفهوم “العدو” الذي بني عليه جانب واسع من الخطاب العربي الرسمي منذ 1948 سيكون قد تغير عملياً حتى وإن بقيت بعض الحكومات تتجنب الإعلان عنه أمام شعوبها.
سوريا بدورها أصبحت ساحة واضحة لهذا التحول. بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة، أصبحت تركيا من أهم الداعمين السياسيين والعسكريين لدمشق الجديدة، وفي الوقت نفسه بدأت قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بين القيادة السورية والكيان الصهيوني حول الترتيبات الأمنية. وفي أغسطس 2026 تحدثت مصادر لرويترز عن اتصال بين رئيس الموساد رومان غوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ناقشا خلاله التوسع العسكري التركي داخل سوريا، وذلك قبل أيام من ضربات صهيونية استهدفت قاعدة أبو الظهور. لم يكن الأمر اجتماعاً تلقى فيه الوزير السوري “تعليمات”، كما قد يقال في الخطاب السياسي، بل كان اتصالاً أمنياً مباشراً حول توازنات عسكرية شديدة الحساسية، وهو في حد ذاته تطور كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة.
ومع استمرار التوتر بين دمشق والمكونات الكردية، والأحداث الدموية التي عرفتها مناطق الدروز والساحل، أصبحت وحدة سوريا نفسها موضوعاً مركزياً في النقاش الإقليمي. الحديث عن تفتيت البلاد إلى كيانات كردية ودرزية وعلوية ليس حتى الآن مشروعاً دولياً معلناً يمكن تقديمه كحقيقة، لكن هشاشة الدولة السورية والتدخلات الأجنبية ووجود قوات متعددة على الأرض تجعل مخاوف التقسيم حاضرة بصورة جدية.
وفي هذا السياق تكتسب تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك معنى خاصاً. باراك قال في سبتمبر 2025 إنه “لا يوجد شرق أوسط” بالمعنى التقليدي، وتحدث عن قبائل وقرى وعائلات وطوائف، معتبراً أن الدول القومية الحالية نتاج الحدود التي رسمها البريطانيون والفرنسيون بعد سايكس-بيكو. ولم يقل حرفياً إن واشنطن ستعيد تقسيم المنطقة، لكنه شكك بوضوح في صلابة نموذج الدولة القومية الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، وهو كلام أثار جدلاً واسعاً لأنه يأتي من مسؤول أمريكي يشرف على ملفات سوريا وتركيا ولبنان.
وهنا يصبح لقاء أبوظبي جزءاً من صورة أكبر. المنطقة التي صنعتها سايكس-بيكو قبل أكثر من قرن تمر اليوم بإعادة ترتيب جديدة، لكن الأدوات تغيرت. لم تعد بريطانيا وفرنسا وحدهما ترسمان الحدود، بل أصبحت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتركيا وإيران ودول الخليج وروسيا أطرافاً في معركة النفوذ. بعضها يريد ضمان طرق الطاقة، وبعضها يريد مناطق أمنية، وبعضها يبحث عن ممرات تجارية، وبعضها يريد منع خصومه من الوصول إلى المتوسط أو الخليج.
والحرب الأمريكية والصهيونية مع إيران تضيف بعداً آخر لهذه العملية. إيران جزء أساسي من مشروع الربط الاقتصادي والاستراتيجي الصيني الروسي، وموقعها على الخليج ومضيق هرمز واحتياطاتها الطاقوية تجعلها عقدة في أي صراع على الطاقة والتجارة العالمية. لذلك فإن محاصرتها لا يتعلق بالبرنامج النووي وحده، بل أيضاً بالتوازنات بين واشنطن وبكين وموسكو وبمستقبل طرق النفط والغاز والتجارة في آسيا والشرق الأوسط.
لقاء أبوظبي، بهذا المعنى، يمثل مرحلة جديدة أكثر من كونه حدثاً دبلوماسياً عادياً. فهو يظهر أن العلاقات التي كانت تُدار في الماضي عبر وسطاء وغرف مغلقة أصبحت تتحول تدريجياً إلى منظومة مصالح أمنية واقتصادية مشتركة. وإذا تأكدت مشاركة ممثلين عن دول عربية لا تقيم علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني، فإن الفارق بين التطبيع الرسمي والتعاون العملي سيكون قد تقلص إلى حد كبير.
أما فكرة “العمل العربي المشترك”، فإنها تبدو أكثر ضعفاً من أي وقت مضى. الجامعة العربية ما زالت موجودة ومؤسساتها تعمل، لكنها لم تعد الإطار الذي تُحسم داخله الترتيبات الأمنية الكبرى للمنطقة. هذه الترتيبات أصبحت تناقش في عواصم أخرى، وفي تحالفات أصغر، وبين دول تجمعها مصالح مباشرة حتى لو كانت مواقفها العلنية مختلفة.
والقومية العربية نفسها لم يخترعها ميشال عفلق، فهي أقدم منه ومن حزب البعث، لكن عفلق وصلاح البيطار قدما واحداً من أهم أشكالها الحزبية عندما أسسا البعث الذي وصل لاحقاً إلى الحكم في سوريا والعراق. المشروع الذي تحدث عن أمة عربية واحدة أصبح اليوم أمام واقع دول عربية لكل منها أمنها وتحالفاتها وحساباتها، وبعضها يرى في الكيان الصهيوني شريكاً أمنياً ضد إيران أكثر مما يراه عدواً مركزياً.
نحن إذن أمام مسار طويل لم يبدأ في أبوظبي. بدأ باتصالات سرية قبل عقود، ثم انتقل إلى كامب ديفيد ووادي عربة، وبعد ذلك إلى اللقاءات الخليجية السرية والعلنية، ثم اتفاقات 2020، واليوم إلى تقارير عن اجتماعات أمنية جماعية تضم دولاً عربية ومسلمة حول طاولة واحدة مع قيادة الكيان الصهيوني.
لقاء أبوظبي لا ينهي وجود العرب ولا لغتهم ولا شعوبهم، لكنه يضع نهاية أكثر وضوحاً لوهم سياسي استمر عقوداً: وهم وجود موقف عربي موحد تحكمه قومية واحدة وقضية مركزية واحدة. ما يتحرك اليوم هو دول تبحث عن أمنها ومصالحها، وتحالفات تتغير وفق إيران والطاقة والاقتصاد والسلاح، بينما بقيت القضية الفلسطينية تدفع الثمن الأكبر لهذا الانتقال.
وهذا هو التحول الحقيقي الذي كشفه اجتماع أبوظبي: ليس أن التطبيع بدأ اليوم، بل أن ما كان يجري في الخفاء أصبح يقترب من أن يتحول إلى نظام إقليمي جديد، تصبح فيه العلاقات مع الكيان الصهيوني جزءاً من حسابات الأمن والتحالف، وتسقط معه تدريجياً اللغة السياسية التي حكمت العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قضية ملعب الدويرة: 10 سنوات سجناً لوالي العاصمة الأسبق ومسؤولين آخرين بين الإدانة والبراءة
شهدت محكمة القطب الجزائي المتخصص في قضايا الفساد المالي والاقتصادي بسيدي امحمد، يوم 6 أفري…






