من أوكرانيا إلى كالينينغراد… أوروبا على حافة مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو
بعد اتساع رقعة الحرب الأوكرانية وارتفاع مستوى انخراط بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي في تسليح كييف، انتقلت موسكو إلى مستوى جديد من التهديد. فقد أعلنت الخارجية الروسية أن المصانع العسكرية الموجودة داخل الدول الأوروبية والتي تنتج أسلحة لصالح أوكرانيا يمكن أن تتحول إلى أهداف عسكرية روسية، مؤكدة أن وجودها خارج الأراضي الأوكرانية لا يمنحها حصانة إذا اعتبرتها موسكو جزءاً مباشراً من المجهود الحربي ضدها. وجاء هذا التصعيد بعد تحذيرات روسية سابقة لبريطانيا من أن استخدام أسلحة بريطانية لضرب الأراضي الروسية قد يؤدي إلى استهداف منشآت ومعدات عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا وخارجها. بذلك لم تعد موسكو تحصر تهديداتها في القوات الأوكرانية، بل بدأت تتحدث صراحة عن منشآت تقع داخل دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وفي موازاة ذلك، أطلقت روسيا واحداً من أخطر تحذيراتها النووية منذ سنوات بشأن إقليم كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا. ففي مذكرة دبلوماسية وجهتها إلى الناتو، حذرت موسكو من أن أي محاولة لعزل الإقليم أو فرض حصار جوي أو بحري عليه ستُعامل باعتبارها تهديداً مباشراً للأراضي الروسية، وأكدت استعدادها لاستخدام كل الوسائل المتاحة للدفاع عنه، بما فيها السلاح النووي. ورد الناتو بوصف الخطاب الروسي بأنه تصعيد غير مسؤول، مؤكداً أن مناوراته في منطقة البلطيق ذات طبيعة دفاعية ولا تستهدف الأراضي الروسية.
كالينينغراد ليست منطقة عادية في الحسابات الروسية. فهي جيب عسكري روسي محاط بدول الناتو، وتضم منظومات صاروخية قادرة على حمل رؤوس نووية، كما تمثل إحدى أهم نقاط الضغط بين موسكو والحلف في بحر البلطيق. ولذلك تنظر روسيا إلى المناورات العسكرية المتزايدة في بولندا وليتوانيا ودول البلطيق باعتبارها محاولة لاختبار قدرتها على الدفاع عن الإقليم، بينما ترى دول الناتو أن تعزيز وجودها العسكري جاء نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا ومخاوفها من انتقال التهديد إلى حدودها. ما كان حتى وقت قريب مجرد تبادل للاتهامات أصبح اليوم يتضمن حديثاً علنياً عن السلاح النووي وعن ضرب مراكز القرار داخل دول أوروبية.
الرئيس فلاديمير بوتين نفسه أعاد التأكيد على أن روسيا ستستعمل “كل الأسلحة المتاحة” إذا تعرضت لهجوم مباشر، بما فيها قدراتها النووية، مع تأكيده أن موسكو لا تنوي المبادرة باستخدامها. هذا الخطاب لا يعني أن قراراً باستخدام السلاح النووي قد اتُّخذ، لكنه يرفع مستوى الردع إلى درجة غير مسبوقة ويزيد خطر سوء الحساب بين قوتين نوويتين. ففي مثل هذا المناخ، يمكن لحادث حدودي أو ضربة خاطئة أو سوء تفسير لتحرك عسكري أن يتحول بسرعة إلى أزمة لا يستطيع أي طرف التحكم في نتائجها.
التوتر ازداد أيضاً بسبب الطائرات المسيرة. فقد سقطت خلال الأشهر الماضية طائرات أوكرانية مسيرة في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بعد أن انحرفت عن مساراتها خلال هجمات على أهداف روسية. واستغلت موسكو هذه الحوادث لاتهام دول البلطيق بالسماح لكييف باستعمال أجوائها لشن هجمات على روسيا، بل تحدثت أجهزة روسية عن إمكانية إطلاق مسيرات أوكرانية من أراضي تلك الدول. لكن حكومات إستونيا ولاتفيا وليتوانيا نفت ذلك بشكل قاطع، ولم تظهر أدلة مستقلة تثبت أن أوكرانيا تستعمل أراضي دول الناتو لإطلاق طائراتها ضد روسيا. الثابت هو أن عدداً من المسيرات الأوكرانية دخل بالفعل أجواء دول البلطيق عن طريق الخطأ، وهو ما يكفي وحده لإظهار مدى سهولة انتقال الحرب إلى أراضي الناتو بسبب خلل تقني أو تشويش إلكتروني أو خطأ في المسار.
روسيا من جهتها لم تعد تثق في الخطاب الأمريكي ولا في المسار الذي بدأ بعد لقاء فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في ألاسكا. مسؤولون روس اتهموا واشنطن بعدم تنفيذ ما قالوا إنها تفاهمات جرى التوصل إليها خلال اللقاء، وذهب وزير الخارجية سيرغي لافروف ومسؤولون آخرون إلى طرح احتمال أن تكون القمة قد استُعملت لكسب الوقت بينما كانت أوكرانيا تعيد تنظيم قواتها وتتلقى مزيداً من الدعم العسكري الغربي. هذه قراءة روسية لا تتبناها واشنطن، لكنها تكشف مستوى انهيار الثقة بين الطرفين، وهو ما يجعل أي اتفاق سياسي أكثر صعوبة ويعيد الحرب إلى منطق القوة العسكرية.
وفي أوروبا نفسها تجري عملية إعادة تسلح واسعة. الحرب الأوكرانية كشفت ضعف المخزونات الأوروبية من الذخائر والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي، ودفع ذلك الحكومات إلى رفع ميزانياتها الدفاعية والاستثمار في مصانع جديدة وتوسيع خطوط الإنتاج. بعض المسؤولين في دول الناتو بدأوا حتى يدعون إلى توزيع مصانع السلاح على مواقع متعددة وتحت الأرض حتى لا تكون أهدافاً سهلة في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع روسيا. التحذير الروسي من استهداف المصانع الأوروبية جاء إذاً في لحظة تتحول فيها الصناعة العسكرية من ملف اقتصادي إلى جزء من الجبهة نفسها.
العلاقة مع الولايات المتحدة تزيد الصورة تعقيداً. ترامب يطالب الأوروبيين منذ سنوات بزيادة إنفاقهم العسكري وتحمل جزء أكبر من تكاليف الدفاع، لكن الولايات المتحدة تبقى في الوقت نفسه أكبر مورد للسلاح المتطور لعدد من دول الناتو. ألمانيا، على سبيل المثال، قررت شراء صواريخ توماهوك الأمريكية ومنظومات إطلاقها، بينما تدفع دول أوروبية أخرى نحو بناء صناعة دفاعية أكثر استقلالاً عن واشنطن. النتيجة هي تناقض واضح: أوروبا تريد أن تحمي نفسها أكثر، لكنها ما زالت تعتمد في أجزاء حساسة من منظومتها الدفاعية على التكنولوجيا والسلاح الأمريكيين. وفي المقابل بدأت الضغوط التي يمارسها ترامب على الحلف تدفع بعض الدول إلى البحث عن موردين غير أمريكيين وتطوير قدراتها المحلية.
كل هذا التصعيد العسكري يحدث في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً اقتصادية وطاقة جديدة. الاتحاد الأوروبي أنفق خلال 2026 نحو 17.9 مليار يورو لمساعدة الأسر والشركات على تحمل ارتفاع أسعار النفط والغاز، فيما عادت الحكومات إلى الحديث عن الاحتياطيات الاستراتيجية وعن حماية الفئات الضعيفة من موجة تضخم جديدة. الحرب في إيران واضطراب أسواق النفط أضافا ضغطاً جديداً على اقتصاد أوروبي لم يتخلص بعد من آثار أزمة الطاقة التي بدأت بعد الحرب الأوكرانية، وهو ما يجعل أي شتاء طويل أو اضطراب إضافي في الإمدادات عاملاً سياسياً واجتماعياً شديد الحساسية.
الحرب الأمريكية-“الإسرائيلية” مع إيران زادت هي الأخرى اضطراب سوق الطاقة العالمي، وأجبرت دول مجموعة السبع على اللجوء إلى مخزونات الطوارئ بعد ارتفاع أسعار النفط والوقود. كما اضطرت وكالة الطاقة الدولية إلى تنسيق الإفراج عن كميات كبيرة من الاحتياطات من أجل تهدئة الأسعار. الحرب لم تحقق حتى الآن استقراراً في أسواق الطاقة، بل أدت إلى تعطيل مشاريع إنتاج في المنطقة وإرباك حسابات أوبك+، وهو ما يؤثر بدوره في روسيا وأوروبا والصين والاقتصاد العالمي كله.
ومن الناحية الاستراتيجية، لا يمكن فصل الصراع على الطاقة عن المنافسة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. إيران تمثل مورداً مهماً للطاقة وموقعاً مركزياً على طرق الخليج ومضيق هرمز، بينما تحتاج الصين إلى تدفقات مستقرة من النفط والغاز وتبحث روسيا عن حماية موقعها في سوق الطاقة الدولية. لذلك فإن أي محاولة أمريكية لإعادة ترتيب المنطقة حول إيران والخليج سيكون لها أثر مباشر على موازين القوة بين واشنطن وبكين وموسكو، حتى وإن لم يكن من الممكن اختزال الحرب في هدف واحد مثل “السيطرة على النفط”.
نحن أمام سلسلة أزمات أصبحت مترابطة: حرب أوكرانيا، المواجهة الروسية مع الناتو، إعادة التسلح الأوروبي، التوتر حول كالينينغراد، الحرب في إيران، اضطراب أسواق الطاقة، وانهيار الثقة بين موسكو وواشنطن. كل ملف منها قادر وحده على إشعال أزمة كبرى، لكن تزامنها يرفع خطر الخطأ في الحسابات. روسيا تقول إن مصانع السلاح الأوروبية قد تصبح أهدافاً، والناتو يزيد انتشاره قرب الحدود الروسية، وأوروبا توسع إنتاجها العسكري، بينما يعود السلاح النووي إلى لغة التهديد العلني.
العالم لم يصل بعد إلى حرب مباشرة بين روسيا والناتو، لكن المسافة السياسية والعسكرية التي كانت تفصل الطرفين أصبحت أقصر. قبل سنوات كان الحديث عن ضرب منشأة داخل دولة عضو في الناتو خطاً لا يكاد أحد يقترب منه، أما اليوم فقد أصبح جزءاً من التصريحات الرسمية الروسية. وفي المقابل لا تتراجع أوروبا عن تسليح أوكرانيا، بل تعمل على توسيع قدرتها الصناعية لمواصلة الحرب لسنوات إذا لزم الأمر.
لهذا فإن الخطر لم يعد في قرار متعمد بإشعال حرب عالمية، لأن أياً من الطرفين لا يبدو راغباً فيها، بل في إمكانية أن يبدأ التصعيد بحادث محدود ثم يفقد الجميع السيطرة عليه. طائرة مسيرة تسقط في المكان الخطأ، مصنع يُقصف، قاعدة تُستهدف، حصار حول كالينينغراد، أو رد روسي يتجاوز الأراضي الأوكرانية؛ أي واحد من هذه السيناريوهات قادر على وضع المادة الخامسة من ميثاق الناتو والردع النووي الروسي في مواجهة مباشرة.
العالم على كف عفريت، ليس لأن الحرب النووية أصبحت حتمية، بل لأن عدد الأبواب التي يمكن أن تقود إليها أصبح أكبر، ولأن الثقة بين روسيا والغرب وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أبوظبي تدفن وهم العروبة… والكيان الصهيوني يدخل قلب النظام الإقليمي الجديد
لم يكن اللقاء الذي جمع في أبوظبي رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو برئيس دولة الإ…






