‫الرئيسية‬ الأولى الرئيس تبون: لا رجعة مع الإمارات.. والجزائر لن تخضع لأحد
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫53 دقيقة مضت‬

الرئيس تبون: لا رجعة مع الإمارات.. والجزائر لن تخضع لأحد

الرئيس تبون: لا رجعة مع الإمارات.. والجزائر لن تخضع لأحد
جاء اللقاء الإعلامي الدوري الذي أجراه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مع ممثلي الصحافة الوطنية هذه المرة طويلاً ومحملاً برسائل متعددة الاتجاهات، تناولت قضايا داخلية وإقليمية ودولية تتصدر اهتمامات الرأي العام، من القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والاقتصاد وحرائق الغابات، إلى الساحل الإفريقي ومالي والنيجر والصحراء الغربية، مروراً بالعلاقات مع القوى الدولية الكبرى، وصولاً إلى الملف الذي كان ينتظر الكثيرون موقف الرئيس منه، وهو قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة. اللقاء بدا في مجمله أقرب إلى رسم صورة عن رؤية الرئاسة للمرحلة المقبلة، وعن الطريقة التي تنظر بها الجزائر إلى محيطها وإلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها.

وعلى الصعيد الداخلي، جدد الرئيس التأكيد على تمسك الدولة بطابعها الاجتماعي وضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطن، معبراً بوضوح عن امتعاضه من الارتفاع الذي عرفته أسعار عدد من المواد في الأسواق خلال الفترة الأخيرة. وقد حرص على الفصل بين الفلاحين والوسطاء والمتسببين الحقيقيين في موجة الغلاء، مؤكداً أن التحريات أظهرت أن أغلب الفلاحين ليسوا وراء الارتفاع المسجل، وأن الجشع والرغبة في تحقيق الربح السريع يقفان وراء جزء معتبر من الظاهرة. واستعمل الرئيس مثال الطماطم التي قد يبيعها الفلاح بسعر منخفض ثم تصل إلى المستهلك بأضعاف ثمنها، في رسالة واضحة بأن الدولة لن تترك القدرة الشرائية رهينة للمضاربة ومسالك التوزيع غير المنضبطة، معلناً عن تعليمات للحكومة لمعالجة الوضع.

وفي حديثه عن حرائق الغابات التي شهدتها البلاد خلال الصيف، عاد الرئيس إلى الشبهات التي أحاطت ببعض الحرائق المتزامنة وإلى احتمال وجود أفعال إجرامية متعمدة وراء جزء منها، بعد توقيف مشتبه فيهم وفتح تحقيقات في ملابساتها. لكنه ركز أيضاً على الجانب الاجتماعي للدولة في التعامل مع الكارثة، معلناً أن قيمة التعويضات المصبوبة فعلياً للمتضررين قاربت 1200 مليار سنتيم، إلى جانب برامج إعادة الإسكان وإصلاح الشبكات المتضررة. كما تأتي هذه الإجراءات بالتوازي مع إعادة النظر في تنظيم قطاع الحماية المدنية وإمكاناته، بعد أن أمر الرئيس بمراجعة القانون الأساسي لمستخدمي هذا السلك ورفع أجورهم، تقديراً لما يتحملونه من أخطار متزايدة في مواجهة الحرائق والكوارث الطبيعية.

وفي الشأن الاقتصادي، عاد تبون إلى تقرير صندوق النقد الدولي، لكنه تعامل معه باعتباره تقديراً لا حكماً نهائياً على مسار الاقتصاد الجزائري. وقال إن الدراسات والتقديرات الوطنية تشير إلى نسبة نمو تتراوح بين 4.01 و4.02 بالمائة خلال السنة الجارية، وهي نسبة تفوق توقع صندوق النقد الدولي البالغ 3.8 بالمائة، مؤكداً أن الاقتصاد الوطني يرتكز، بحسب تقديره، على أسس أصبحت أكثر صلابة، وأن الجزائر ليست بصدد العودة إلى سياسة الارتهان للاستدانة الخارجية. كما تحدث عن إمكانية بلوغ الناتج الداخلي الخام 400 مليار دولار مع نهاية 2026 أو خلال الثلاثي الأول من 2027، مستنداً إلى الحركية الاستثمارية والمشاريع المسجلة في مختلف القطاعات.

ومرة أخرى عاد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر إلى واجهة حديث الرئيس، الذي قدمه باعتباره مشروعاً إفريقياً ذا بعد اقتصادي وتنموي، يربط منابع الغاز النيجيري بالجزائر ثم بالسوق الأوروبية، ويمنح النيجر ونيجيريا فوائد مباشرة من المشروع. وفي المقابل وجه انتقاداً واضحاً، وإن من دون أن يجعل المغرب محور حديثه بالاسم في كل مرة، إلى المشروع البديل الذي يمتد بمحاذاة الساحل الأطلسي. وقال إن مرور أنبوب عبر عدد كبير من الدول واحتفاظ كل دولة بحصة أو مقابل لعبور الغاز يطرح إشكاليات منطقية حول الكميات التي يمكن أن تصل في النهاية إلى أوروبا. وقد تحدث عن مسار يمر عبر 14 دولة، متسائلاً عما يمكن أن يتبقى من الغاز الموجه للتصدير بعد احتساب حقوق العبور، في مقارنة أراد من خلالها إبراز ما يعتبره أفضلية للمسار العابر للصحراء.

أما في منطقة الساحل، فقد حمل حديث تبون نبرة مختلفة عن مراحل سابقة، جمعت بين التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وبين إظهار استعداد الجزائر للدفاع عن مصالحها وأمنها عندما تقتضي الضرورة. ففي ما يخص مالي، أعاد التأكيد على أن الجزائر لا تطمح إلى التدخل في شأنها الداخلي، وأنها تقف مع الدولة المالية في مكافحة الإرهاب، بالنظر إلى الروابط البشرية والجغرافية والاجتماعية العميقة التي تجمع البلدين. وفي الوقت نفسه شدد على أن طريق الحكمة يظل في الحوار، وأن استقرار الساحل لا يمكن تحقيقه بالعسكرة وحدها وإنما بالتنمية وبناء مؤسسات الدولة، لأن الفقر والفراغ المؤسساتي يفتحان المجال أمام الإرهاب والفوضى.

وفي ملف النيجر كان الرئيس أكثر وضوحاً في شرح التطور الجديد في المقاربة الجزائرية، إذ أكد أن إرسال الطائرات القتالية الجزائرية إلى النيجر جاء لمساندة الجيش النيجري في مواجهة محاولة لزعزعة الاستقرار، في خطوة سبقتها كذلك مساعدات عسكرية شملت مروحيات وتجهيزات. وهي سابقة تعكس، وفق حديثه، أن الظروف الإقليمية تغيرت وأن الجزائر لم تعد تستطيع التعامل مع كل ما يجري وراء حدودها بالمنطق نفسه الذي كان سائداً في مراحل سابقة، خصوصاً عندما تتحول الفوضى في دول الجوار إلى تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري. وقد أكدت وزارة الدفاع الوطني في أوت الماضي إرسال دوريتين من طائرات «سوخوي سو-30» استجابة لطلب القيادة النيجرية لمساندة جيشها في مواجهة محاولة لزعزعة استقرار البلاد.

وفي ملف الجريمة المنظمة، تمسك الرئيس أيضاً بالتوجه الجديد نحو تشديد العقوبات، مؤكداً عدم التراجع عن تخصيص سجن تنزروفت لبارونات المخدرات، ولا عن التوجه إلى تنفيذ عقوبة الإعدام في الجرائم التي وصفها بالغة الخطورة، وفي مقدمتها إشعال الحرائق عمداً واختطاف الأطفال. ووضع الرئيس هذه الإجراءات في سياق ما تعتبره الدولة حرباً تستهدف المجتمع الجزائري، ولا سيما الشباب، من خلال شبكات المخدرات والجريمة المنظمة. وهي مقاربة أمنية وقضائية شديدة الصرامة، بررها تبون بضرورة حماية المجتمع، مستحضراً دولاً ديمقراطية لا تزال تطبق عقوبة الإعدام، في معرض رده على الانتقادات الموجهة لهذا الخيار.

لكن الرسالة السياسية الأقوى في اللقاء ربما كانت تلك المتعلقة بالإمارات العربية المتحدة. فالرئيس لم يترك هذه المرة أي هامش للحديث عن أزمة ظرفية يمكن أن تُطوى سريعاً، بل أكد صراحة أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية لا رجعة فيه، وقال إن الجزائر عندما تقرر لا تتراجع، وإن القرار لم يتخذ إلا بعدما «وصل الموس إلى العظم». وبذلك يكون تبون قد أغلق، في الوقت الراهن على الأقل، باب التكهنات بشأن احتمال عودة سريعة للعلاقات بين الجزائر وأبوظبي بعد قرار القطيعة الذي اتخذ في سبتمبر 2026.

ولم يكتف الرئيس بإعلان التمسك بالقرار، بل عاد إلى خلفية العلاقة التاريخية بين البلدين، مذكراً بالدعم الذي قدمته الجزائر للإمارات في مراحل تأسيسها، ومستحضراً حتى مساهمة كفاءات جزائرية في بناء قطاعها النفطي. وقد استعمل الرئيس لغة شديدة عندما تحدث عن ما وصفه بمحاولات «الطغيان» أو السيطرة على الجزائر، مشدداً على أن البلاد التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل استقلالها وسيادتها ليست قابلة للبيع أو الإخضاع. ومن اللافت أن تبون قارن هذا الموقف بعلاقة الجزائر بدول أخرى وقفت إلى جانبها في مراحل صعبة، مستحضراً إيطاليا ومواقفها في فترات حساسة من تاريخ البلاد، في إشارة إلى أن الجزائر، من وجهة نظره، لا تنكر جميل من وقف معها ولا تقابل الدعم بالإساءة.

وهذا الموقف من الإمارات لا يمكن فصله عن الخطاب الذي طورته الجزائر خلال السنوات الأخيرة بشأن ما تعتبره أدواراً إماراتية سلبية في محيطها الإقليمي، ولا سيما في منطقة الساحل وليبيا والسودان. وفي اللقاء الأخير عاد تبون إلى الحديث عن دول قال إنها ساهمت في خلق أو دعم تنظيمات مسلحة في منطقة الساحل، واستحضر تجربة تنظيم «التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا» الذي اختطف دبلوماسيين جزائريين في مالي. الرئيس لم يسمِّ كل الأطراف في هذا الجزء من حديثه، ولذلك من الضروري الفصل بين ما سماه صراحة وما تركه في دائرة التلميح، غير أن خطابه العام يؤكد أن الجزائر باتت تنظر إلى أمن الساحل باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الوطني، وأنها مستعدة للتعامل بصورة أكثر حزماً مع كل نشاط تعتبره تهديداً لمصالحها.

وفي مقابل القطيعة الحادة مع أبوظبي، حرص الرئيس على تأكيد أن الجزائر لا تريد الانتماء إلى محور دولي مغلق. فجدد التمسك بالعلاقات التقليدية القوية مع روسيا والصين، لكنه وضع الولايات المتحدة أيضاً ضمن الشركاء الذين لا تريد الجزائر التفريط في علاقاتها معهم، مؤكداً أن البلاد تختار شركاءها وفق مصالحها ولا تقبل أن يملي عليها أحد مع من تقيم علاقاتها. إنها، وفق هذه الرؤية، سياسة تقوم على تعدد الشراكات ورفض الاصطفاف الحصري خلف قوة دولية ضد أخرى.

وفي السياق نفسه يمكن فهم الطريقة التي تعاملت بها الجزائر مع التوقف التقني لطائرة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بمطار هواري بومدين في 22 سبتمبر، حيث كان في استقباله مسؤولون جزائريون رسميون رغم أن الهبوط لم يكن زيارة دولة مبرمجة. وقد استحضر الرئيس هذه الواقعة في سياق حديثه عن طبيعة الجزائر وعلاقاتها الدولية، لتأكيد أن اختلاف المواقع والتحالفات لا يلغي الأعراف التي تحكم التعامل بين الدول، وأن الجزائر تريد الحفاظ على قرارها الحر في علاقاتها الخارجية. وكانت الطائرة الرئاسية الإيرانية قد حطت فعلاً في الجزائر بسبب توقف تقني قبل أن تواصل رحلتها.

وفي قضية الصحراء الغربية، اختار تبون هذه المرة صياغة شديدة الوضوح عندما قال إن الجزائر تقبل ما يقبله الصحراويون، وإنها «ليست صحراوية أكثر من الصحراويين»، مؤكداً أنه لا يمكن فرض حل على الشعب الصحراوي لا يقبله. كما أشار إلى أن قرارات مجلس الأمن تحدد طرفي النزاع، بينما تبقى الجزائر وموريتانيا في موقع الملاحظ، مذكراً بأن لقاءات تفاوض جرت بين المغرب وجبهة البوليساريو. بذلك حاول الرئيس إعادة وضع الموقف الجزائري في إطاره الذي تعلنه الدبلوماسية الجزائرية باستمرار: دعم حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، مع اعتبار القرار النهائي متعلقاً بهم وليس بالجزائر.

أما الحديث عن الأمير عبد القادر فقد حمل بعداً يتجاوز مشروع الفيلم السينمائي الذي تأخر إنجازه. فقد أبدى الرئيس أسفه لطول انتظار عمل سينمائي يليق بشخصية يعتبرها من مؤسسي الدولة الجزائرية الحديثة وأحد أبرز رموز المقاومة الوطنية، مستحضراً السمعة الدولية التي يحظى بها الأمير ومكانته الفكرية والإنسانية خارج الجزائر. ولم يكن هذا التوقف عند الأمير عبد القادر بعيداً عن سجال الهوية الذي تشهده البلاد من حين إلى آخر، وخصوصاً حول التراث الصوفي الجزائري، إذ يمكن قراءة إشادة الرئيس بهذه الشخصية الوطنية بما تمثله من بعد ديني وصوفي ومقاوم باعتبارها أيضاً تأكيداً على خصوصية المرجعية التاريخية الجزائرية ورفض إخضاعها لقراءات مستوردة تحاول إعادة تقييم شخصيات المقاومة وفق صراعات مذهبية معاصرة. وكان الرئيس قد خصص سابقاً اجتماعاً رسمياً لمشروع فيلم الأمير عبد القادر ولإعادة بعث الصناعة السينمائية في البلاد.

وفي الجزء الأخير من اللقاء، بدا تبون حريصاً على إزالة أي تأويل شخصي لحديثه عن آفاق تمتد إلى سنوات تتجاوز المدة المتبقية من عهدته الحالية. فالرئيس تحدث بمنطق استمرارية الدولة، موضحاً أن المشاريع الكبرى لا تُبنى وفق عمر عهدة رئاسية واحدة، وأن الدول تتقدم بالتراكم، بحيث يأتي من يتولى المسؤولية لاحقاً ليبني فوق ما أنجزه من سبقه، بدلاً من العودة في كل مرحلة إلى نقطة الصفر وهدم ما أنجزته الحكومات السابقة. وهي رسالة سياسية مهمة في بلد عانى طويلاً من تقاليد إعادة إطلاق المشاريع وتغيير الأولويات مع تغير المسؤولين، بما جعل الاستمرارية المؤسساتية واحدة من أكبر تحديات الإدارة الجزائرية.

ولذلك حمل اللقاء هذه المرة أكثر من رسالة في وقت واحد. في الداخل، أعاد الرئيس التشديد على الطابع الاجتماعي للدولة وحماية القدرة الشرائية والضرب على المضاربة والجريمة المنظمة، وفي الاقتصاد دافع عن قراءته المتفائلة لمسار النمو والاستثمار، وفي الإقليم أعلن أن الجزائر ستدافع بصورة أكثر صرامة عن مصالحها في الساحل، وفي السياسة الخارجية ثبت مبدأ تعدد الشراكات وعدم الاصطفاف.

لكن الرسالة الأكثر وضوحاً، والأكثر حدة أيضاً، بقيت تلك التي وجهها إلى أبوظبي، قرار القطيعة اتخذ، والجزائر، وفق كلام رئيسها، لا تنوي التراجع عنه.

وبذلك انتقلت الأزمة الجزائرية ـ الإماراتية من مرحلة التوتر والتراشق السياسي إلى قطيعة دبلوماسية يقدمها الرئيس تبون اليوم باعتبارها خياراً سيادياً نهائياً في الظروف الحالية، لا مجرد ورقة ضغط قابلة للسحب عند أول وساطة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

من أوكرانيا إلى كالينينغراد… أوروبا على حافة مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو

بعد اتساع رقعة الحرب الأوكرانية وارتفاع مستوى انخراط بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي في تسل…