المروك والجزائر.. قصة هوس لا تنتهي!
يتواصل هوس المخزن المروكي بالجزائر، في مشهد يعكس حجم الانشغال الذي باتت تحتله الجزائر في الخطاب الإعلامي والدعائي المروكي، حيث تتواصل محاولات استهدافها بالأخبار المضللة والادعاءات التي يجري تداولها على مدار الساعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأحياناً من خلال وسائل إعلامية تسعى إلى تقديم هذه الادعاءات في صورة أخبار وتحليلات. ولا تتوقف هذه الحملات عند حدود الإساءة إلى الجزائر، بل تمتد إلى محاولة التأثير في الرأي العام الجزائري، عبر ترويج روايات تستهدف التشكيك في مواقف الدولة الجزائرية وخياراتها السياسية والعسكرية.
وفي هذا السياق، يبرز دور بعض الحسابات والأصوات التي تتولى ترويج هذه الروايات، مستعينة أحياناً بأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم جزائريين، في محاولة لإضفاء قدر من المصداقية على خطاب يستهدف بلادهم. وهي الممارسات التي تثير تساؤلات بشأن الجهات التي تقف وراء بعض الحملات المنظمة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال استهداف الجزائر بصورة متكررة. وقد بات هذا الأسلوب مألوفاً لدى متابعي المشهد الإعلامي، حيث يجري تضخيم أحداث محدودة وتحويلها إلى مادة دعائية، في محاولة لتقديم صورة سلبية عن الجزائر مهما كانت الوقائع الفعلية.
ولفت انتباهنا، هذه المرة، مقطع فيديو لشخص مغربي يزعم أن الجزائر طلبت المشاركة في معرض مراكش للأسلحة، قبل أن يذهب أبعد من ذلك، مدعياً أن هذه الخطوة تعكس عزلة الجزائر ومحاصرتها. وهو ادعاء يطرح إشكالاً واضحاً يتعلق بالخلط بين المشاركة الرسمية في المعارض العسكرية وبين الزيارة الفردية التي يمكن أن يقوم بها أي شخص، فضلاً عن تجاهل طبيعة المشاركة الجزائرية في المعارض الدولية، التي ترتبط باعتبارات سياسية واقتصادية وعسكرية تحددها الدولة وفق مصالحها ومواقفها السيادية.
فالمشاركة الرسمية في معرض عسكري تعني، في العادة، تخصيص جناح لعرض المنتجات والتجهيزات، والتعريف بالقدرات الصناعية والدفاعية، وإقامة اتصالات مع الجهات المشاركة، وقد تترتب عليها تكاليف مالية والتزامات تنظيمية. أما زيارة المعرض، فهي مسألة مختلفة تماماً، إذ يمكن للزوار دخوله وفق الشروط التي تحددها الجهة المنظمة. ومن ثم، فإن تقديم الزيارة والمشاركة الرسمية باعتبارهما أمراً واحداً لا يعكس سوى ضعف في فهم طبيعة المعارض العسكرية وآليات تنظيمها.
والأهم من ذلك أن مشاركة أي دولة في معرض عسكري ليست أمراً مفروضاً عليها، ولا تمثل معياراً لقياس مكانتها الدولية أو مدى انفتاح علاقاتها الخارجية. فالدول تختار المعارض التي تشارك فيها وفق أهداف محددة، ومدى توافق طبيعة الحدث مع مصالحها وتوجهاتها السياسية والاستراتيجية. وبالنسبة إلى الجزائر، فإن خياراتها في هذا المجال تخضع لحساباتها السيادية، ولا يمكن اختزالها في ادعاءات تصدر عن هذا الشخص أو ذاك، أو تفسير عدم المشاركة في معرض معين على أنه دليل على العزلة أو الحصار.
وإذا كان صاحب الفيديو يقصد الزيارة الفردية للمعرض، فإن الأمر لا يحتاج إلى طلب رسمي باسم دولة، لأن زيارة المعارض الدولية تختلف عن المشاركة المؤسسية فيها. أما إذا كان يتحدث عن طلب مشاركة الجزائر رسمياً، فإن إثبات ذلك يستوجب تقديم وثائق أو تصريحات موثوقة، لا الاكتفاء بإطلاق الادعاءات أمام الكاميرا وتقديمها باعتبارها حقائق مؤكدة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في هذا النوع من الخطاب، الذي يستبدل الأدلة بالتخمين، والتحليل بالتضليل، ثم يحاول بناء استنتاجات سياسية واسعة على روايات لم يجر التحقق من صحتها.
إن الحديث عن عزلة الجزائر أصبح لازمة متكررة في الخطاب الدعائي المروكي، حيث يجري استغلال كل حدث أو مناسبة لمحاولة إثبات هذه الفرضية، حتى عندما لا تكون هناك علاقة منطقية بين الحدث والاستنتاج المقدم بشأنه. فغياب دولة عن معرض معين لا يعني أنها محاصرة، كما أن المشاركة في معرض لا تثبت بالضرورة امتلاك نفوذ دولي أوسع. إن مكانة الدول تقاس بمجموعة من المؤشرات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، ولا يمكن اختزالها في حضور مناسبة واحدة أو الغياب عنها.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى المعارض العسكرية التي تحتضنها دول أخرى، ومنها المعارض المنظمة في مدينة العلمين المصرية، باعتبارها فضاءات تتيح للدول والشركات عرض منتجاتها والتعريف بقدراتها الدفاعية. غير أن المقارنة بين المعارض تقتضي الاستناد إلى بيانات دقيقة بشأن حجم المشاركة وطبيعة التجهيزات المعروضة وعدد الجهات الحاضرة، بدلاً من الاكتفاء بأرقام غير موثقة أو استنتاجات دعائية. فالمعيار الحقيقي ليس في تحويل المعارض إلى ساحات للمفاخرة الإعلامية، بل في فهم الأهداف التي تنظم من أجلها والنتائج التي تحققها للدول المشاركة.
أما تنظيم معرض عسكري في مراكش، في ظل علاقات التعاون القائمة بين المغرب والكيان الصهيوني، فيفتح بدوره باب النقاش حول طبيعة الشراكات العسكرية التي تسعى الرباط إلى تطويرها، ومدى ارتباطها بالتوجهات الاستراتيجية للمملكة في المنطقة. فالجزائر تتبنى مواقف واضحة من القضية الفلسطينية، وترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتتمسك بدعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. ومن هذا المنطلق، فإن الخيارات الجزائرية في التعامل مع الفعاليات العسكرية التي يشارك فيها الكيان الصهيوني لا يمكن فصلها عن مواقفها السياسية المعلنة ومبادئ سياستها الخارجية.
وفي المقابل، فإن مشاركة الجزائر في المعارض العسكرية الدولية، عندما تقررها، تهدف إلى التعريف بقدراتها ومنتجاتها الدفاعية، وتطوير علاقاتها الصناعية والتقنية، والاطلاع على التطورات في مجال الصناعات العسكرية. فالمعارض المتخصصة ليست مجرد فضاءات للفرجة، وإنما منصات للتبادل المهني والتجاري والتقني، تسعى الدول من خلالها إلى تحقيق أهداف محددة. ومن المؤسف أن تتحول هذه المسائل إلى مادة للسخرية والتضليل، بدلاً من مناقشتها على أساس المعرفة والوقائع.
ولم يكتف صاحب الفيديو بترويج ادعاءاته بشأن معرض مراكش، بل انتقل إلى مهاجمة الأسلحة الروسية التي تمتلكها الجزائر، واصفاً إياها بالخردة، ومدعياً أن أوكرانيا دمرت السلاح الروسي وأثبتت عجزه. وهي أحكام تعكس تبسيطاً مفرطاً لطبيعة الحروب الحديثة، التي لا يمكن تقييم نتائجها من خلال نوع السلاح وحده، بمعزل عن التدريب والقيادة والتكتيكات والقدرات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والحرب الإلكترونية والتفوق الجوي.
لقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن الأسلحة المختلفة، سواء كانت روسية أو غربية، تخضع لاختبارات ميدانية معقدة، وأن أداءها يتأثر بالظروف العملياتية وطريقة الاستخدام وكفاءة الأطقم والأنظمة المساندة. كما أن تعرض بعض المنظومات الروسية للخسائر لا يعني أن جميع الأسلحة الروسية عديمة الفاعلية، تماماً كما أن استخدام الأسلحة الغربية في ساحات القتال لا يجعلها بمنأى عن الخسائر أو الإخفاقات. ولذلك، فإن إطلاق أحكام مطلقة من قبيل وصف ترسانة عسكرية كاملة بالخردة لا يمثل تقييماً عسكرياً جدياً، بل أقرب إلى الخطاب الدعائي الذي تحكمه الرغبة في السخرية والتقليل من قدرات الخصم.
واللافت أن هذا الخطاب يتجاهل أن المؤسسات العسكرية الغربية والأمريكية تدرس الأسلحة الروسية وتقيّم قدراتها ونقاط قوتها وضعفها، انطلاقاً من اعتبارات استراتيجية وميدانية، وليس من منطلق الشعارات. فالتقييم العسكري المحترف يقوم على المقارنة بين المواصفات والنتائج الفعلية وظروف الاستخدام، ولا يعتمد على الانطباعات أو مقاطع الفيديو المنتقاة من وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن الادعاء بأن أوكرانيا حسمت الحرب نهائياً أو أن روسيا فقدت قدرتها العسكرية بصورة كاملة يحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة، ولا يمكن اعتباره حقيقة لمجرد تكراره في خطاب إعلامي.
إن المشكلة في هذا النوع من الدعاية لا تقتصر على مهاجمة الجزائر أو التقليل من قدراتها الدفاعية، بل تتعلق أيضاً بتقديم معلومات مبسطة ومضللة إلى الجمهور، وكأن المسائل العسكرية المعقدة يمكن حسمها بجملة ساخرة أو وصف مستفز. فالتسليح الجزائري، شأنه شأن تسليح أي دولة، ينبغي تقييمه وفق معايير موضوعية تتعلق بطبيعة المنظومات المستخدمة، ومستوى الجاهزية، والتدريب، والصيانة، والقدرة على التكامل بين مختلف مكونات القوات المسلحة. أما تحويل هذه المسائل إلى مادة للتشهير، فلا يقدم أي قيمة تحليلية، ولا يساعد الجمهور على فهم حقيقة التوازنات العسكرية في المنطقة.
ويكشف تكرار هذه الادعاءات عن أزمة أعمق في الخطاب الدعائي الموجه ضد الجزائر، إذ يبدو أن بعض أصحابه باتوا يعتمدون على التهويل والتضليل بدلاً من تقديم حجج قابلة للتحقق. فكلما تعلق الأمر بالجزائر، يجري تضخيم التفاصيل، وتأويل الوقائع، واختلاق استنتاجات لا تستند إلى أدلة كافية، ثم تقديمها باعتبارها انتصارات إعلامية. لكن المبالغة في الهجوم قد تأتي بنتائج عكسية، خصوصاً عندما تكون التناقضات واضحة، أو عندما يسهل على المتابع التحقق من المعلومات ومقارنتها بالمصادر الموثوقة.
كما أن هذا الخطاب لا يخلو من انعكاسات سلبية على الرأي العام المغربي نفسه، عندما يجري توجيه اهتمام المواطنين بصورة مستمرة نحو الجزائر، وتصويرها باعتبارها مصدر المشكلات أو محور كل الأحداث الإقليمية. فبدلاً من فتح نقاش جدي حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تواجه المغرب، تتحول الجزائر إلى موضوع دائم للتجاذبات الإعلامية، وتصبح أخبارها مادة جاهزة لتعبئة الجمهور وصرف الانتباه عن القضايا الداخلية. وهي مقاربة لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، ولا تساعد على بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار.
إن الجزائر ليست مطالبة بالرد على كل مقطع فيديو أو منشور يصدر عن شخص يسعى إلى جذب الانتباه من خلال مهاجمتها، كما أن قوة الدول لا تقاس بعدد الردود التي تنشرها على خصومها. فالدول تمتلك مؤسساتها وأجهزتها المختصة، وتحدد مواقفها بناء على مصالحها وتقديراتها، ولا تحتاج إلى الدخول في سجالات يومية مع أصحاب الخطاب الاستفزازي. غير أن ذلك لا يمنع من تفنيد الادعاءات المغلوطة عندما تتحول إلى أخبار متداولة، شرط أن يكون الرد قائماً على المعلومات الدقيقة والحجج الواضحة.
والأدهى أن بعض الأصوات التي تهاجم الجزائر تتعامل مع التضليل وكأنه استراتيجية ناجحة في حد ذاته، معتقدة أن تكرار الادعاء سيجعله حقيقة، وأن مهاجمة القدرات العسكرية الجزائرية ستؤدي تلقائياً إلى إقناع الجمهور بضعفها. لكن التجارب الإعلامية تثبت أن المصداقية لا تُبنى بالصراخ، ولا بالتجريح، ولا بتكرار الروايات غير المثبتة، وإنما بالقدرة على تقديم معلومات صحيحة وتحليلات متماسكة والاعتراف بالوقائع حتى عندما لا تخدم الموقف السياسي لصاحبها.
فإن ما يثير الاستغراب ليس مجرد انتقاد الجزائر، لأن الاختلاف في المواقف السياسية حق مشروع، وإنما الإصرار على تحويل هذا الاختلاف إلى حملة متواصلة من الادعاءات والتجريح والتشكيك. فالنقد الجاد يقتضي أدلة، والتحليل العسكري يحتاج إلى معرفة، والخطاب الإعلامي المسؤول يتطلب التمييز بين الخبر والرأي والدعاية. أما تحويل معرض عسكري إلى دليل مزعوم على عزلة الجزائر، ثم الانتقال إلى السخرية من تسليحها، فلا يكشف عن قوة الحجة بقدر ما يكشف عن ضعفها.
لقد بات من الضروري التعامل مع هذه الحملات بوعي إعلامي أكبر، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم الانجرار وراء محاولات الاستفزاز التي تسعى إلى جر الجزائريين إلى سجالات لا تخدم مصالحهم. فالجزائر أكبر من أن تختزلها مقاطع فيديو، ومكانتها لا تحددها ادعاءات أبواق المخزن، كما أن العلاقات بين شعوب المنطقة ينبغي ألا تظل رهينة خطاب عدائي يقتات على الخصومة ويستثمر في تأجيجها.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة، وإهدار فرص التقارب بين شعوب تجمعها روابط التاريخ والجغرافيا، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطاب عقلاني يركز على التنمية والاستقرار واحترام السيادة. أما من يجعل مهاجمة الجزائر محور خطابه اليومي، ويبحث في كل مناسبة عن رواية جديدة للنيل منها، فعليه أن يدرك أن مصداقية الخطاب لا تُقاس بحدة الهجوم، وإنما بصلابة الأدلة وقدرة الحجج على الصمود أمام التحقق والمساءلة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل تدفع أمريكا نحو حرب طائفية بين الشيعة والسنة في الخليج؟
تتزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون بصدد التحضير لمرحلة جديدة من الت…






