‫الرئيسية‬ الأولى شبكة مخزنية داخل الجزائر… هل تجاوز المروك مرحلة الاستفزاز؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫25 دقيقة مضت‬

شبكة مخزنية داخل الجزائر… هل تجاوز المروك مرحلة الاستفزاز؟

شبكة مخزنية داخل الجزائر… هل تجاوز المروك مرحلة الاستفزاز؟
أوقفت الجزائر 61 مروكياً تسللوا على دفعات إلى الأراضي الجزائرية عبر تونس، بعد وصولهم جواً إلى مطار تونس الدولي، قبل أن يستعملوا المسالك الجبلية الوعرة والممرات الغابية المعزولة في منطقة القالة بولاية الطارف، ثم ينتقلوا براً إلى مدينة وهران، وحسب المديرية العامة للأمن الوطني فإن التحقيقات الأولية كشفت أن أفراد هذه الشبكة الإجرامية الدولية المنظمة وعالية الخطورة كانوا يحضرون لتنفيذ أعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام داخل الوطن، كما يوجد بين الموقوفين عسكري سابق في الجيش المروكي.

وهكذا فإن ما كان إلى وقت قريب في مجال التخمين والشك حول إمكانية انتقال العداء المروكي من الحرب الإعلامية والسياسية إلى العمل فوق الأراضي الجزائرية أصبح اليوم قضية موثقة أمام القضاء الجزائري، فيها موقوفون ومسار تسلل منظم عبر دولة ثالثة وأموال بالدرهم المروكي واليورو وجوازات سفر، وتحقيق سيكشف بالتأكيد معلومات أخرى قد تكون أكثر خطورة على أمن بلدنا.

لم يكن ممكناً أن يواصل مسؤولون مروكيون، على مدى سنوات، تقديم الجزائر باعتبارها العدو، ثم نعتبر أن هذا الخطاب لا يمكن أن تكون له انعكاسات على الأرض. فقد سبق للقنصل المروكي في وهران أن وصف الجزائر سنة 2020 بأنها «بلد عدو»، وهو ما تسبب في أزمة دبلوماسية انتهت بمغادرته الجزائر، ثم جاء فوزي لقجع، بصفته وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية ورئيساً للجامعة الملكية المروكية لكرة القدم، ليتحدث أمام لجنة المالية في البرلمان المروكي عن البلد الذي نافس المروك على تنظيم كأس إفريقيا، والمقصود الجزائر، متهماً إياه بصورة غير مباشرة بالعمل على إفشال التنظيم المروكي. هذا كله يأتي امتداداً لمناخ سياسي أقدم، أساسه فكرة «المروك الكبير» التي دافع عنها علال الفاسي وحزب الاستقلال، والتي طعنت تاريخياً في الحدود الجزائرية والموريتانية واعتبرت مناطق من دول الجوار امتداداً لما تسميه الحدود التاريخية للمروك.

لم يكن منطقياً أن يبقى هذا العداء السياسي والإعلامي المتراكم بلا أي احتمال للانتقال إلى عمليات تخريبية أو شبه عسكرية داخل التراب الوطني، وها نحن اليوم أمام واقع مادي أخطر، 61 مروكياً دخلوا الجزائر خلسة عبر طريق طويل يبدأ من تونس وينتهي في وهران، وتقول أجهزة الأمن الجزائرية إنهم كانوا يتهيأون لتنفيذ أعمال تخريبية، وبينهم عسكري سابق، وهو ما يجعل المسألة تتجاوز بكثير موضوع الهجرة غير الشرعية. ولا يمكن في الوقت نفسه أن نجزم قبل انتهاء التحقيق بأنهم كانوا في مهمة صادرة مباشرة عن الجيش أو المخابرات المروكية، لأن هذا يحتاج إلى دليل قضائي، لكن السؤال أصبح مشروعاً وضرورياً، من نظم هذه الرحلة، ومن دفع الأموال، ومن حدد طريق القالة، ومن وفر الانتقال إلى وهران، وما هي الأهداف التي كانوا يريدون ضربها، ومن كان ينتظرهم داخل الجزائر؟ الأمن الوطني نجح في تفكيك المجموعة، والمؤكد أن التحقيق في الهواتف والاتصالات والتحويلات والمسارات سيكشف إن كانت القضية شبكة إجرامية مستقلة أم جزءاً من مخطط أكبر.

ولا يمكن الحديث عن هذه القضية من دون العودة إلى التصور التوسعي الموجود تاريخياً في جزء من الفكر السياسي المروكي. جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، روى أنه خلال زيارة إلى المروك سنة 1997 رفقة جيمس بيكر شاهد داخل مقر للملك الحسن الثاني خريطة للمروك كما كانت تتصوره تلك الرؤية، وتشمل الصحراء الغربية ونحو نصف الجزائر وجزءاً كبيراً من شمال موريتانيا. أي أننا لا نتحدث عن اتهام جزائري اخترعته الصحافة، بل عن شهادة مسؤول أمريكي كان منخرطاً مباشرة في ملف الصحراء الغربية. كما عادت خلال الأيام الأخيرة حساسية الحدود مع موريتانيا إلى الواجهة، خاصة مع مطالبة نواكشوط بضمانات واضحة حول الحدود النهائية في منطقة الكويرة، وهو ما يعكس استمرار المخاوف الموريتانية من أي مطالب إقليمية مستقبلية مرتبطة بتسوية الصحراء الغربية.

أما استعمال تاريخ الدول والإمبراطوريات القديمة لتبرير التوسع الحالي فهو أمر لا نهاية له، لأن تاريخ شمال إفريقيا متداخل بصورة لا تسمح لأي دولة معاصرة باختيار مرحلة تاريخية ثم رسم حدودها على أساسها. فالمرابطون نشأوا في المجال الصحراوي المرتبط بقبائل صنهاجة الممتدة في مناطق تقع اليوم ضمن موريتانيا والصحراء، والموحدون ظهروا كحركة مغاربية في جبال الأطلس ثم امتدت دولتهم إلى الجزائر وتونس والأندلس، ولو فتحنا باب الخرائط التاريخية بهذه الطريقة فلن يبقى حد واحد في المنطقة على حاله. ولهذا فإن أحلام «المروك الكبير» المبنية على انتقاء التاريخ لا يمكن أن تكون أساساً لعلاقات حديثة بين دول ذات سيادة وحدود معترف بها دولياً.

المملكة المروكية التي تعيش منذ سنوات تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية أصبحت بحاجة مستمرة إلى إبقاء الجزائر في واجهة النقاش الداخلي، فنرى الجزائر حاضرة ليلاً ونهاراً في جزء كبير من الإعلام المروكي، وكل سنة تتوسع هذه الحرب أكثر، من الصحراء الغربية إلى كرة القدم، ومن الاقتصاد إلى الجيش، ومن الرئيس الجزائري إلى القيادات العسكرية والأمنية، والهدف في جزء كبير من هذا الخطاب هو تأليب الرأي العام المروكي والجزائري وصناعة صورة دائمة للجزائر باعتبارها عدواً يهدد المروك. والجزائر، إلى حد الآن، بقيت في الغالب في وضعية الرد والترقب، ولم تعتمد سياسة هجوم مماثلة، لكن المخزن نفسه تجاوز خطاً أحمر عندما ذهب سفيره لدى الأمم المتحدة عمر هلال سنة 2021 إلى الحديث عن «حق الشعب القبائلي في تقرير المصير»، وهو تدخل مباشر في الوحدة الوطنية الجزائرية لم يكن من الممكن أن يمر وكأنه مجرد تصريح عادي.

ومنذ ذلك الوقت بدأ التعامل الجزائري مع الملف الريفي يتغير أيضاً، وظهر الحزب الوطني الريفي وقضيته بصورة أكبر في وسائل الإعلام والفعاليات السياسية القريبة من الجزائر، خاصة أن هذا الحزب يطالب صراحة بحق الريف في تقرير المصير ويقدم نفسه باعتباره امتداداً لجمهورية الريف التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي. لا أجد ما يثبت أن الجزائر أعلنت اعترافاً رسمياً بالدولة الجزائرية بالحزب الوطني الريفي، ولذلك لا أريد أن أقدم ذلك كحقيقة غير موجودة، لكن المؤكد أن القضية الريفية أصبحت أكثر حضوراً بعد أن قرر المخزن بنفسه استعمال ورقة منطقة القبائل ضد الجزائر، ومن يفتح هذا النوع من الأبواب لا يستطيع بعد ذلك أن يطلب من الآخرين إبقاءها مغلقة.

المجموعة التي تم اكتشافها والقبض عليها اليوم تجعل النية العدوانية الموجودة في جزء من الخطاب المروكي أكثر خطورة، لأنها تأتي بعد سنوات من خطاب تحريضي وعسكري نسمعه يومياً، وكأن بعض المروكيين يعتقدون أن إعلان الحرب أو تنفيذ أعمال عدائية ضد الجزائر سيكون عملية من طرف واحد، وأن الجزائر ستبقى مكتوفة الأيدي ولن تصل تداعيات المواجهة إلى الطرف الآخر. هذا منطق غريب نراه حتى في مقاطع الفيديو التي يسخر أصحابها من السلاح الروسي الموجود لدى الجيش الوطني الشعبي ويصفونه بأنه خردة، في خطاب عدواني لا مثيل له تقريباً بين شعبين يفترض أنهما جاران. وكان من الأفضل لمن يتحدث بهذه الطريقة أن يسأل أولاً الجيوش الغربية وحلف شمال الأطلسي وحتى الكيان الصهيوني عن نظرتهم إلى القدرات العسكرية الروسية وعن الأموال التي ينفقونها لمواجهة منظوماتها، قبل تحويل مسائل الحرب والسلاح إلى مادة للسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي.

والمشكلة ليست في أن يختلف المروكي مع الجزائر سياسياً، فهذا حقه، وإنما في انتشار عقلية تتصور الحرب وكأنها ستكون نزهة، وكأن المروك يستطيع تنفيذ عمليات ضد الجزائر ثم انتظار ألا يكون هناك رد. الجزائر لا تبحث عن الحرب ولم تطالب يوماً بوجدة أو الناظور أو فاس أو أي أرض مروكية، ولم تضع خريطة رسمية تضم أجزاء من المروك، لكن من يعتقد أن عدم بحث الجزائر عن الحرب يعني أنها ستقبل العبث بأمنها يرتكب خطأ كبيراً في قراءة تاريخ هذا البلد.

بعد القبض على هؤلاء الـ61 يبقى السؤال الأخطر مطروحاً، هل هناك خلايا ومجموعات أخرى لم يتم اكتشافها بعد، وهل كانت هذه المجموعة الأولى أم واحدة من عدة مجموعات، وما هي درجة خطورتها، وهل توجد شبكات داخل الجزائر كان يفترض أن توفر لها النقل والسكن والاتصال والمعلومات، وهل استعملت تونس لأنها الطريق الأسهل لتجاوز الحدود الغربية الجزائرية المروكية المغلقة والمراقبة؟ هذه الأسئلة يجب ألا تختفي بعد انتهاء الضجة الإعلامية، لأن اكتشاف مجموعة بهذا الحجم يفرض مراجعة أمنية واسعة لكل مسارات التسلل والتمويل والتحرك عبر الدول الثالثة.

المجموعة التي تم توقيفها يمكن اعتبارها خطوة مروكية خطيرة ضد أمن الجزائر إذا أثبت القضاء ارتباطها بجهات مروكية منظمة، ولا أعرف لماذا أعادتني هذه القضية مباشرة إلى حرب الرمال سنة 1963، عندما أخطأ الحسن الثاني في تقدير الجزائر، معتقداً أن دولة خرجت للتو من حرب تحرير طويلة ومدمرة ستكون عاجزة عن الدفاع عن حدودها. الجزائر في ذلك الوقت كانت بالكاد قد بدأت في بناء الجيش الوطني الشعبي والقوات الجوية، وكانت قد حصلت بعد الاستقلال على أولى طائراتها العسكرية من طراز «ميغ 15» وبدأت تكوين طياريها، ومع ذلك لم يتمكن المروك من فرض مطالبه على بشار وتندوف، وانتهت الحرب من دون تغيير الحدود لصالحه.

أما الروايات التي تضخم دور الطيران الجزائري يومها إلى درجة الحديث عن سيطرته الكاملة على سماء المروك أو عن «بكاء الحسن الثاني» أمام الطائرات الجزائرية فلا يوجد بين يدي ما يكفي من الوثائق الموثوقة لتقديمها كحقيقة صحفية، لكن ذلك لا يغير الفكرة الأساسية التي أردت الإشارة إليها، الحسن الثاني دخل حرب الرمال وهو يعتقد أن الجزائر الخارجة من الاستعمار ستكون الحلقة الأضعف، ثم اكتشف أن جيش التحرير الذي قاتل فرنسا لم يكن مستعداً للتنازل عن شبر من الحدود تحت ضغط السلاح. وإذا كان ذلك هو حال الجزائر سنة 1963، فكيف يمكن لأي عاقل أن يتصور الجزائر سنة 2026، بجيشها الحالي وقواتها الجوية ودفاعها الجوي وصواريخها وخبرتها في مكافحة الإرهاب وتأمين حدود تمتد آلاف الكيلومترات، وكأنها ستقف متفرجة أمام أي اعتداء يستهدف أراضيها؟

أحلام المخزن ورؤيته للصراع مع الجزائر تبدو في بعض الأحيان وكأنها ما زالت حبيسة العقلية نفسها، خريطة أكبر من الحدود الحقيقية، استصغار للجيران، تحويل الجزائر إلى عدو دائم، والتعامل مع ضبط النفس الجزائري وكأنه ضعف. لكن الجزائر لم تبن قوتها العسكرية من أجل الاعتداء على المروك، وإنما حتى لا تعيش مرة أخرى تجربة أن يعتقد جار أو قوة أجنبية أن أرضها قابلة للمساومة.

ولهذا فإن قضية الـ61 مروكياً ليست حادثاً صغيراً يمكن أن ينتهي بخبر في التلفزيون، بل يجب أن تكون بداية لمعرفة كل الحقيقة. إذا كانوا شبكة إجرامية مستقلة فعلى القضاء أن يقول ذلك ويحاكمهم وفق الأدلة، أما إذا كشفت التحقيقات عن ارتباطات بمؤسسات أو أجهزة مروكية فإننا سنكون أمام تطور غير مسبوق وخطير في الصراع بين البلدين، لأن الحرب الإعلامية والسياسية ستكون قد انتقلت في تلك الحالة إلى محاولة تنفيذ أعمال تخريبية داخل الأراضي الجزائرية.

الجزائر لا تحتاج إلى المبالغة ولا إلى اختراع الأدلة، لديها اليوم 61 موقوفاً، بينهم عسكري مروكي سابق، دخلوا بطريقة سرية عبر تونس ووصلوا إلى وهران، والأمن الوطني يقول إنهم كانوا يحضرون لأعمال تخريبية. المطلوب الآن أن يتكلم التحقيق، وأن نعرف من أرسلهم ومن مولهم وما الذي كانوا يريدون فعله، لأن ما سيكشفه هذا الملف قد يحدد إن كنا أمام شبكة إجرامية خطيرة فقط، أم أمام مرحلة جديدة من التصعيد المروكي ضد الجزائر.

وفي كل الحالات يجب ألا يخطئ أحد في قراءة الموقف الجزائري، الجزائر قد تتفادى الحرب وتفضل الاستقرار وتحاول عدم جر المنطقة إلى مواجهة كارثية، لكنها عندما يتعلق الأمر بأمنها ووحدة ترابها لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي، ومن يعتقد غير ذلك لم يفهم الجزائر ولا تاريخها.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

المروك والجزائر.. قصة هوس لا تنتهي!

يتواصل هوس المخزن المروكي بالجزائر، في مشهد يعكس حجم الانشغال الذي باتت تحتله الجزائر في ا…