من الهدم إلى التراكم.. الرئيس تبون يضع يده على مرض الجزائر المزمن
عندما قال الرئيس عبد المجيد تبون إن الرئيس الذي سيأتي بعده عليه أن يبني على ما تحقق، وأن يواصل المسار مع تصحيح ما يراه بحاجة إلى التصحيح، كانت العبارة في الحقيقة أكبر من مجرد حديث عابر عن انتقال السلطة. فقد لخصت واحدة من أهم المشكلات التي عانت منها الجزائر على مدى عقود، وهي أن المسؤول، بمجرد وصوله إلى منصبه، يتصرف أحياناً وكأن كل ما سبقه لا قيمة له، وكأن الدولة تبدأ معه من الصفر. هذا السلوك أضر بالبلاد كثيراً، وأضاع سنوات من العمل والمال والخبرة، بل تحول في بعض القطاعات إلى ما يشبه الهدم المنظم لكل ما أنجز سابقاً، قبل البدء في مشاريع جديدة قد لا تكتمل هي الأخرى.
وما قاله الرئيس تبون يبدو نابعاً من تجربته الشخصية الطويلة داخل مؤسسات الدولة، ومن مسار مر فيه بمستويات مختلفة من المسؤولية قبل وصوله إلى رئاسة الجمهورية. ومن عاش داخل الإدارة الجزائرية لعقود يستطيع أن يلاحظ بسهولة هذا المرض المزمن، وهو ضعف تراكم الخبرة واستمرارية المشاريع والسياسات. فالجزائر، بخلاف دول كثيرة استطاعت أن تحول تجاربها السابقة إلى رصيد تستفيد منه الأجيال اللاحقة، عانت طويلاً من ثقافة القطع مع ما سبق، ومن الاعتقاد بأن التغيير يعني بالضرورة إلغاء كل شيء والبدء من جديد.
وهذه ليست مشكلة جزائرية فقط. فقد عرفتها دول أخرى، وبدأت بعضها تفكر في وضع آليات تضمن استمرارية الدولة والمشاريع الكبرى مهما تغير الأشخاص والحكومات. لأن الدولة التي تغير برامجها الاستراتيجية مع كل مسؤول جديد لا يمكنها أن تبني سياسة صناعية أو فلاحية أو تعليمية أو تكنولوجية طويلة المدى. والأخطر أن الهدم لا يضيع المال فقط، بل يضيع الخبرة والوقت والثقة، وقد نصل في النهاية إلى مرحلة نهدم فيها ما بُني ولا ننجح حتى في بناء البديل.
وهنا وضع الرئيس تبون يده على واحدة من العقد الحقيقية التي تعاني منها الجزائر، وهي ضرورة الانتقال من منطق «مشروع المسؤول» إلى منطق «مشروع الدولة». فالتغيير السياسي والإداري أمر طبيعي ومطلوب، ولا يمكن لدولة أن تبقى رهينة الأشخاص، لكن التغيير لا يعني هدم المؤسسات أو إلغاء البرامج الناجحة لمجرد أن من أطلقها غادر منصبه. الديمقراطية نفسها لا تعني أن يبدأ كل من يصل إلى السلطة من ورقة بيضاء، بل تعني أن تتغير الحكومات داخل دولة تستمر مؤسساتها ومشاريعها الكبرى.
والتجارب التي عاشتها دول عربية خلال العقد الأخير تفرض بدورها التوقف عند هذه النقطة. فقد أثبتت أن التغيير غير المدروس يمكن أن يؤدي إلى نتائج أخطر من المشكلات التي كان يفترض أن يعالجها، خصوصاً عندما تنهار مؤسسات الدولة وتدخل البلاد في صراعات تعيدها سنوات إلى الوراء. ما حدث في أكثر من بلد يذكرنا بأن بناء الدولة يحتاج إلى إصلاح وتغيير، لكنه يحتاج أيضاً إلى المحافظة على ما هو قائم وناجح، لأن هدم المؤسسات أسهل بكثير من إعادة بنائها.
وما قاله الرئيس تبون مهم من هذه الزاوية، لأنه يضع أمام الجزائر فكرة يجب أن تتحول إلى ثقافة سياسية وإدارية، وهي ضمان التغيير مع استمرار البناء الوطني. فالبلد يحتاج إلى آليات تجعل المشاريع الكبرى مرتبطة بالدولة وليس بالأشخاص، وتسمح للرئيس أو الوزير أو الوالي الجديد بأن يصحح ما يراه خطأ، من دون أن يعتبر أن مهمته تبدأ بهدم كل ما فعله من سبقه.
والجزائر دفعت ثمناً كبيراً بسبب غياب هذه الثقافة. ففي قطاع الصناعة مثلاً عرفت البلاد خلال عقود مراحل من البناء ثم التفكيك، وأغلقت مؤسسات واختفت قدرات إنتاجية قبل أن نكتشف لاحقاً أننا بحاجة إلى إعادة بناء ما تم التخلي عنه. والأمر نفسه حدث في الفلاحة وفي قطاعات أخرى، حيث انتقلت الجزائر في مراحل مختلفة من مشاريع طموحة لتحقيق الاكتفاء إلى الاعتماد الكبير على الاستيراد.
وكانت النتيجة في فترات معينة اقتصاداً يعتمد بشكل كبير على تصدير المحروقات، ثم يعيد جزءاً مهماً من العائدات إلى الخارج لاستيراد الغذاء والسلع والمعدات التي كان من الممكن إنتاج جزء كبير منها محلياً. وهي حلقة مفرغة لا يمكن لدولة بحجم الجزائر وإمكاناتها البشرية والطبيعية أن تقبل بالبقاء داخلها، لأن الأمن الحقيقي لأي بلد يبدأ من قدرته على إنتاج غذائه وصناعته ومعرفته وليس فقط من حجم احتياطاته من النفط والغاز.
لهذا فإن حديث تبون عن التراكم يحتاج إلى أكثر من مجرد الإشادة به، بل يحتاج إلى التفكير في آليات تحوله إلى قاعدة ثابتة في إدارة الدولة. المطلوب أن تكون هناك مشاريع وطنية تمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، لا تسقط بسقوط حكومة ولا تتغير بمجرد وصول وزير جديد، وأن تكون هناك مؤسسات تحفظ الذاكرة والخبرة والوثائق والتقييمات حتى لا نعود كل مرة إلى النقطة نفسها.
كما تحتاج الجزائر إلى حماية قرارها الوطني من التحولات التي قد تأتي نتيجة ضغوط خارجية أو مصالح لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها. فالعالم اليوم يعرف صراعاً حقيقياً على النفوذ، والدول الكبرى لا تتردد في استعمال أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية مختلفة من أجل حماية مصالحها. ومن السذاجة الاعتقاد أن الديمقراطية أو الانتخابات وحدهما تمنعان التدخل الخارجي، لأن التاريخ الحديث أثبت أن أدوات التأثير أصبحت أكثر ذكاء وتعقيداً.
وهذا لا يعني رفض الديمقراطية أو التغيير، بل على العكس، يعني بناء ديمقراطية وطنية قوية لا تسمح بأن تتحول آلياتها إلى مدخل للتأثير الخارجي أو لهدم المؤسسات من الداخل. المطلوب أن يتغير المسؤول من دون أن تتغير الدولة، وأن يتنافس السياسيون على تحسين المشروع الوطني لا على هدمه من أجل إعادة بنائه بأسمائهم.
وحان الوقت للجزائر أيضاً أن تصنع نخبة قادرة على ضمان هذا المسار التراكمي للدولة، نخبة تؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص وأن المسؤولية مرحلة مؤقتة وليست ملكية خاصة. عقلية «أنا ومن بعدي الطوفان» واحدة من أخطر العقليات على الدولة، لأنها تجعل المسؤول يهتم بما سيُنسب إليه شخصياً أكثر مما يهتم بما سيبقى بعد مغادرته.
وتجارب الدول الصاعدة، وعلى رأسها الصين، تبين أن أحد أسرار النجاح هو الاستمرارية في المشاريع الكبرى، حتى مع تغير المسؤولين والأجيال. فالدولة تضع أهدافاً بعيدة المدى، ثم يأتي كل جيل ليضيف إليها ويصحح مسارها من دون أن يهدم ما بناه من سبقه. وهكذا تراكمت الخبرة وتراكمت الصناعة وتراكم العلم، إلى أن وصلت الصين إلى المكانة التي تحتلها اليوم.
والجزائر بحاجة إلى هذه العقلية أكثر من أي وقت مضى. فالمكاسب التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، مهما كانت الملاحظات والنقائص التي يمكن تسجيلها، تحتاج إلى أن تتحول إلى مؤسسات وسياسات يصعب التراجع عنها بمجرد تغير الأشخاص. فإذا نجحت الدولة في تطوير الصناعة أو الفلاحة أو الرقمنة أو الطاقة أو البنية التحتية، يجب أن يأتي المسؤول التالي ليطور هذه المشاريع، لا أن يعود إلى نقطة الصفر فقط لأنه يريد وضع بصمته الشخصية.
لقد فتح الرئيس تبون بهذا الكلام جرحاً حقيقياً في طريقة إدارة الدولة الجزائرية، وهو جرح لا يتعلق بعهد واحد ولا بشخص واحد، بل بثقافة سياسية وإدارية تراكمت على مدار عقود. والاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى، لكن الأهم هو تحويل هذه القناعة إلى آليات قانونية وإدارية تضمن الاستمرارية وتمنع الهدم العبثي للمشاريع الوطنية.
فالجزائر اليوم تحتاج إلى بناء دولة تتغير فيها الحكومات والمسؤولون، لكن لا تتغير أهدافها الكبرى مع كل تغيير. دولة يستطيع فيها الرئيس القادم أن يقول إن ما أنجزه من سبقه ملك للجزائر وليس ملكاً لذلك الرئيس، وأن نجاحه لا يكون في محو آثار من سبقه، بل في إضافة إنجازات جديدة إليها.
كما أن الاستقرار في هذا السياق لا يعني الجمود، بل يعني وجود مؤسسات قوية قادرة على استيعاب التغيير من دون أن تنهار. الدول القوية لا تخاف من تداول المسؤوليات لأنها تعرف أن الدولة نفسها ستبقى، وأن المشاريع الكبرى ستستمر، وأن الشخص الذي يأتي سيجد أمامه قاعدة يبني عليها.
وفي العالم الحالي، أصبحت الاستمرارية نفسها عنصراً من عناصر القوة. فالدول التي تستطيع التخطيط لعشرين أو ثلاثين سنة تملك أفضلية كبيرة على الدول التي تغير اتجاهها كل خمس سنوات. والاستثمارات الكبرى والصناعة والطاقة والتعليم والبحث العلمي كلها تحتاج إلى وقت، ولا يمكن بناؤها بعقلية البرامج القصيرة المرتبطة بعمر مسؤول واحد.
ولهذا فإن ما قاله الرئيس تبون عن أن من يأتي بعده سيبني على ما تحقق، ويصحح ما يحتاج إلى تصحيح، يجب ألا يبقى مجرد عبارة سياسية عابرة. إنها فكرة تحتاج الجزائر إلى تحويلها إلى عقيدة في إدارة الدولة، لأن بناء البلدان لا يتم بالقفز من تجربة إلى أخرى، وإنما بتراكم التجارب وتصحيح الأخطاء والمحافظة على المكتسبات.
قد يختلف الجزائريون حول تقييم هذه المرحلة أو تلك، وحول أداء هذا الرئيس أو ذاك، وهذا أمر طبيعي، لكن ما يجب ألا يختلفوا عليه هو أن الجزائر ملك لكل أجيالها، وأن المشروع الوطني لا ينبغي أن يبدأ مع كل رئيس وينتهي بخروجه.
فالدولة التي تهدم كل ما بناه السابقون ستبقى دائماً منشغلة بالبداية، أما الدولة التي تعرف كيف تراكم خبراتها ومشاريعها وإنجازاتها، فهي وحدها التي تستطيع الوصول إلى النهاية. وهنا تكمن أهمية ما قاله تبون، أن الرئيس القادم لا يبدأ من الصفر، بل يبني فوق ما تحقق ويصحح ما يجب تصحيحه.
ربما تكون هذه الجملة البسيطة واحدة من أهم القواعد التي تحتاجها الجزائر في المرحلة المقبلة، التغيير نعم، لكن من دون هدم الدولة، والتصحيح نعم، لكن مع الحفاظ على تراكم التجربة الوطنية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أي إعلام تحتاجه الجزائر في زمن الحرب الهجينة؟
وجدت الجزائر نفسها مرة أخرى أمام بيئة إعلامية إقليمية ودولية معقدة، تختلط فيها الأخبار بال…






