من دفع بروكسل إلى التدخل في العلاقات الجزائرية النيجرية؟
تصريحات المتحدث باسم المفوضية الأوروبية للشؤون الخارجية أنور العنوني بخصوص نشر وحدات من الجيش الجزائري في النيجر أثارت موجة من الجدل، خاصة وأن المتحدث فرنسي الجنسية ومن أصول مروكية، في وقت أصبح فيه تأثير الخلفيات والمواقف السياسية على بعض التصريحات والمواقف أمراً لا يمكن تجاهله.
كما أن توجهات السيدة كايا كالاس، المعروفة بمواقفها شديدة التشدد تجاه روسيا، ليست بالأمر الجديد. فخلفيتها السياسية وتاريخ بلدها مع الاتحاد السوفييتي انعكسا بوضوح على مواقفها تجاه موسكو، وهو ما يظهر في كثير من الملفات التي تكون روسيا طرفا فيها. وكل من يدخل في علاقات متقدمة مع موسكو يصبح، في الغالب، محل مراقبة أو انتقاد من جانبها، وهو ما برز أيضا في مواقفها المتعلقة بسوريا ومستقبل الوجود العسكري الروسي هناك.
ولم يعرف الاتحاد الأوروبي، منذ استحداث منصب مسؤول السياسة الخارجية، شخصية بهذا المستوى من التشدد تجاه روسيا وكل من تربطه بها علاقات استراتيجية، وهو توجه ينسجم إلى حد كبير مع الخط العام الذي تتبناه المفوضية الأوروبية تجاه موسكو.
المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني صرح بأن الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب مسألة نشر وحدات من الجيش الجزائري في النيجر، وأن بروكسل تسعى إلى الحصول على توضيحات إضافية بشأن نطاق هذا الانتشار وهدفه والأساس الذي يستند إليه، مضيفا أن الاتحاد الأوروبي يبقى على اتصال بالشركاء المعنيين.
لكن هذا الموقف يطرح في حد ذاته أكثر من سؤال. فهناك تنظيم قاري اسمه الاتحاد الإفريقي، ومن المفترض أن تكون القضايا المتعلقة بالعلاقات بين الدول الإفريقية من اختصاص مؤسسات القارة أولا، لا أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى طرف يتدخل في تفاصيل اتفاقات أو ترتيبات ثنائية بين دولتين إفريقيتين.
العلاقة بين الجزائر والنيجر هي علاقة بين دولتين ذات سيادة، وإذا كان هناك اتفاق أو تنسيق بينهما فهو شأن يخص الطرفين، ولا يحق لأي تجمع إقليمي خارج القارة أن يتصرف وكأنه جهة رقابة أو وصاية على ما يتم الاتفاق عليه بين الجزائر والنيجر.
تحرك الجهاز الدبلوماسي للمفوضية الأوروبية في هذه المسألة يطرح أيضا أسئلة حول الجهة التي دفعت باتجاه هذا الاهتمام، ومن الصعب تجاهل العامل الفرنسي في هذا الملف، خاصة وأن فرنسا فقدت خلال السنوات الأخيرة جزءا كبيرا من نفوذها التقليدي في منطقة الساحل، في وقت أعادت فيه دول المنطقة ترتيب علاقاتها وشراكاتها بعيدا عن باريس.
في المقابل، يبقى الحضور الدبلوماسي الجزائري في بروكسل بحاجة إلى مزيد من الفعالية والظهور، خاصة في ظل حساسية المرحلة وتزايد الضغوط التي تواجهها الجزائر داخل بعض الأوساط الأوروبية. فإلى جانب النشاطات البروتوكولية المعتادة، تبدو الحاجة قائمة إلى حضور أكثر نشاطا في شرح المواقف الجزائرية، والدفاع عن مصالح البلاد، وتعزيز التواصل مع مختلف دوائر القرار والتأثير داخل المؤسسات الأوروبية.
وقد سبق لي أن أثرت هذه المسألة من قبل، لأن قوة الدبلوماسية لا تقاس فقط بحضورها الرسمي، بل أيضا بقدرتها على التحرك في الوقت المناسب، وشرح مواقف الدولة، والدفاع عن مصالحها، والتفاعل السريع مع كل ملف يمكن أن يمس صورة الجزائر أو مصالحها.
الجزائر بحاجة اليوم إلى دبلوماسية نضال، خاصة في الظرف الحالي. دبلوماسية حاضرة وفاعلة، تشبه من حيث الروح والقدرة على الدفاع عن مصالح البلاد ما كانت تقوم به الدبلوماسية الجزائرية خلال فترة حرب التحرير، لأن التحديات تتعاظم والضغوط تتزايد وموازين القوى تتغير بسرعة.
الاتحاد الأوروبي الذي استفاد من الجزائر خلال أزمة الطاقة التي عاشتها أوروبا كان من المفترض أن يتعامل معها بمنطق الشراكة والاحترام المتبادل، لا أن يعطي الانطباع بأنه ينتظر منها تقديم تفسيرات حول تحركات تتم في إطار علاقاتها مع دولة إفريقية مجاورة.
والأغرب أن الجزائر والاتحاد الأوروبي لديهما أصلا مجالس وآليات مشتركة للحوار على عدة مستويات، ومنها الشؤون الخارجية، وكان من الأجدر طرح مثل هذه القضايا داخل هذه الأطر، بدل إخراجها إلى تصريحات علنية تفتح الباب أمام الكثير من التأويلات.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من بروكسل إلى الداخلة… تقرير أوروبي يفضح توظيف السياحة في تكريس الاستعمار المروكي
درس برلمانيون أوروبيون، لساعات داخل مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل، التقرير الخاص بالسياح…






