هل أُغلق باب المنتخب في وجه المدرب الجزائري؟
المعلومات المتداولة بخصوص دراسة السير الذاتية من طرف اللجنة التقنية التابعة للفاف، تحت إشراف وليد صادي، تحمل عدداً من الأسماء الأجنبية. والغريب، حسب ما يتم تداوله إعلامياً، أن هذه القائمة لا تضم أي اسم لمدرب جزائري، لا من العاملين داخل البطولة الوطنية، ولا من الناشطين في الخارج. وهذا أمر محير إلى درجة الذهول، لأنه يطرح سؤالاً بسيطاً وخطيراً في الوقت نفسه، لماذا أصبحت الاتحادية تقصي، بصفة آلية، أي مدرب وطني مهما كانت كفاءته ومساره؟
بل أكثر من ذلك، فإن شعار الفاف في تجربة اختيار مدرب جديد للفريق الوطني يمكن تلخيصه، بعد التجربة الثانية، في عبارة واحدة: “لن تدرب الفريق الوطني إذا كنت جزائرياً”. وهي رسالة خطيرة، ليس فقط للمدربين، بل لكل إطار جزائري يعتقد أن الكفاءة الوطنية ما زالت لها مكانة داخل مؤسسات بلده.
كيف يمكن أن تقبل السلطات السياسية في الجزائر، بداية من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أن لا تتم ولو شكلياً دراسة سيرة ذاتية واحدة لمدرب جزائري؟ كان يكفي، على الأقل، فتح الباب أمام بعض الأسماء الوطنية لإقناع الرأي العام بأن الجزائر لا تدير ظهرها لأبنائها، وأن الرسالة التي يكررها الرئيس تبون حول الثقة في الإطار الجزائري ما زالت سارية المفعول، وليست مجرد خطاب مناسبات.
المصيبة أن رئيس الفاف هو أيضاً وزير للرياضة، والمفروض أن يكون أول من يترجم، على الأقل رمزياً، توجيهات رئيس الجمهورية بشأن الكفاءة الوطنية. كان عليه أن يفتح المجال لدراسة سير ذاتية لمدربين جزائريين يطمحون إلى تدريب الفريق الوطني، وهم كثر، داخل الجزائر وخارجها، وبعضهم يملك تجارب ومسارات محترمة. لكن الرسالة التي تصل اليوم من إدارة الفاف تبدو معاكسة تماماً، أي اسم أجنبي يمكن التفكير فيه، أما الجزائري فليبقَ خارج الباب.
صراحة، هذا التصرف يطرح أسئلة كثيرة، منها البسيط ومنها الخطير. السؤال البسيط يتعلق بعقلية التسيير ومؤهلات رئيس الفاف نفسه، وبمدى خشيته من مدرب جزائري قد يناقشه في كثير من الأمور، وقد يرفض بعض التوجهات، وهذا ما لا يقبله عادة أي مسؤول ناقص احترافية. أما السؤال الأخطر، فهو ذلك الذي يطرحه الرأي العام حول الصفقات المالية وما تخفيه التعاقدات الأجنبية التي تدار في الغرف المغلقة، وهي تساؤلات زادتها فضيحة بيتكوفيتش حدة، وستبقى، على الأرجح، تلاحق رئيس الفاف لسنوات طويلة.
إن إقصاء أي اسم جزائري من دائرة التفكير في تدريب الفريق الوطني، أو انعدام الحديث عن أي سيرة ذاتية تقدم بها مدرب جزائري، أمر يدعو إلى الاستهجان. فهو يعاكس تماماً الخطاب الرسمي الذي يدلي به رئيس الجمهورية في كل مناسبة حول الثقة في الإطار الوطني والكفاءة الجزائرية. إلا إذا كان هذا الخطاب، في قطاع الرياضة على الأقل، لا يجد طريقه إلى التطبيق، أو أن الرياضة أصبحت مجالاً خارج التأثير الحقيقي للتوجيهات السياسية العليا، أو تُركت لمجموعات تفعل بها ما تشاء بعيداً عن روح الشرعية المؤسساتية.
حتى من حيث الشكل، فإن الترشيحات التي يتحدث عنها الإعلام لم تتضمن أي شخصية جزائرية، حتى يقال للرأي العام إن فلاناً ترشح ولم ينجح، أو إن اسماً وطنياً دُرس ملفه ولم يقع عليه الاختيار. في المرة السابقة، على الأقل، أرسل نور الدين زكري ترشحه، ورغم تجاهله، كان هناك شكلاً مدرب جزائري حاول ودخل السباق. أما الآن، فالصورة تبدو أكثر قسوة: وكأن مجرد وجود اسم جزائري في قائمة المرشحين أصبح أمراً غير مرغوب فيه.
هل أصبح محرماً على المدرب الجزائري أن يترشح لتدريب فريق بلده؟ وهل أصبح على الجزائريين أن يفهموا أن التوجيهات الرسمية حول الثقة في الكفاءات الوطنية لا تعني شيئاً داخل الفاف؟ الرسالة التي تصل إلى المدرب الجزائري اليوم مؤلمة: ابحث عن بلد آخر يعترف بك، وعن مؤسسة أخرى تفتح لك الباب، لأن فريق بلدك مغلق أمامك ولو كنت تملك الكفاءة والخبرة والشرعية الرياضية.
هذه ليست قضية اختيار تقني فقط، بل قضية رمزية وسياسية ورياضية في آن واحد. فالمنتخب الوطني ليس نادياً خاصاً، ولا ملكية شخصية، ولا مجالاً للتجارب المغلقة. هو واجهة للجزائر، ومن غير المقبول أن يشعر المدرب الجزائري بأنه ممنوع مسبقاً من الاقتراب من العارضة الفنية لمنتخب بلده، فقط لأن قناعة غير معلنة داخل الفاف تعتبر أن الأجنبي أفضل مهما كان، وأن الجزائري غير مؤهل مهما كان.
المدرب الأجنبي ليس مشكلة في حد ذاته. المشكلة هي أن يتحول الأجنبي إلى خيار آلي، وأن يتحول الجزائري إلى مستبعد آلي. المشكلة أن لا تكون هناك منافسة حقيقية بين السير الذاتية، ولا معايير معلنة، ولا شفافية، ولا توضيح للرأي العام. من حق الفاف أن تختار مدرباً أجنبياً إذا كان هو الأفضل، لكن ليس من حقها أن تجعل المدرب الجزائري خارج النقاش من البداية.
ما يحدث بعد طرد أو رحيل جمال بلماضي، وهو آخر مدرب جزائري قاد الفريق الوطني، يطرح مخاوف حقيقية. فإذا ترسخت هذه القاعدة في الرياضة، فقد تمتد لاحقاً إلى قطاعات أخرى: الكفاءة الوطنية تُمدح في الخطاب الرسمي، لكنها تُستبعد عند القرار العملي. وهذا أخطر ما في الموضوع، لأن الدول لا تبنى بالثقة في الأجانب فقط، بل ببناء الثقة في أبنائها، ومحاسبتهم، وتقييمهم، ومنحهم حق المنافسة العادلة.
أعتقد أن ما يحصل في قطاع الرياضة بعد بلماضي ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على ردة خطيرة في التعامل مع الإطار الجزائري. اليوم يبدأ الأمر بمدرب الفريق الوطني، وغداً قد ينسحب المنطق نفسه على قطاعات أخرى. إنها مسألة وقت فقط إذا لم يتم التصحيح، وإذا لم تفهم السلطات السياسية أن إقصاء الكفاءة الجزائرية من مواقع القرار والتنفيذ يضرب في العمق كل خطاب الدولة حول السيادة، والاستقلال، والثقة في أبناء البلد.
لذلك، السؤال المطروح اليوم ليس فقط: من سيدرب المنتخب الوطني؟ بل، هل اتُّخذ قرار غير معلن بمنع أي مدرب جزائري من تدريب الفريق الوطني؟ وإذا لم يكن هذا القرار موجوداً، فعلى الفاف أن تثبت العكس، لا بالتصريحات، بل بفتح الباب أمام الأسماء الجزائرية، ودراسة ملفاتها بجدية، وإقناع الرأي العام بأن الفريق الوطني ما زال مفتوحاً لأبناء الجزائر.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيسبوك .. منبر للتكفير في الجزائر
يعود التطرف الديني من جديد إلى الواجهة في الجزائر، لكن هذه المرة عبر وسائل التواصل الاجتما…






