حرب اللغات في الجزائر.. نقاش خارج التاريخ
كلما تمكن الإخوان المسلمون من الدفع بأفكارهم إلى واجهة النقاش العام، إلا ودافعوا بشراسة عن اللغة الإنجليزية، ولبسوا ثوب الوطنية في مواجهة اللغة الفرنسية، بحجة أنها لغة الاستعمار. وكأن اللغة الإنجليزية نزلت من السماء، وليست هي الأخرى لغة الاستعمار البريطاني، ذلك الاستعمار الذي ترك بصماته في قارات كاملة، وكان له دور عميق في تشكيل كثير من التيارات السياسية والفكرية في العالم الإسلامي الحديث، وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي التي ما زالت إلى اليوم تستعمل اللغة والهوية كأدوات تعبئة لا كوسائل معرفة.
المبررات التي تُقدَّم لإدراج اللغة الإنجليزية في الجزائر لا تصمد أمام أي مناقشة بسيطة. فإذا كان اعتبارها تعويضاً عن اللغة الفرنسية لأنها لغة الاستعمار، فالإنجليزية أيضاً لغة استعمار. وإذا كانت الحجة أنها لغة التكنولوجيا والبحث العلمي، فهذا كلام تجاوزته الأحداث جزئياً، لأن لغة العلم والاختراع والإبداع لم تعد محصورة في الإنجليزية وحدها. اليوم، اللغة الصينية تتقدم بقوة في مجالات الإنتاج العلمي والتكنولوجي والصناعي، وكان على الجزائر، إذا كانت فعلاً تبحث عن لغة العلم لا عن تصفية حسابات إيديولوجية، أن تفكر في الصينية أو حتى في الألمانية، لغة أول اقتصاد أوروبي، قبل أن تجعل من الإنجليزية معركة هوية مفتعلة.
ثم لنفترض أن الجزائر تخلت نهائياً عن اللغة الفرنسية، وتبنت الإنجليزية وحدها. هل ستتحول بذلك إلى دولة متطورة؟ طبعاً لا. فاللغة الإنجليزية تبنتها دول كثيرة كانت مستعمرات سابقة لبريطانيا، مثل الهند، ودول آسيوية عديدة، ودول الخليج، ومصر، ودول إفريقية كثيرة، لكنها ما زالت، رغم لسانها الإنجليزي أو حضور الإنجليزية في إداراتها وجامعاتها، تدور في فلك التخلف أو تعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تُحصى ولا تُعد. فهل الإمارات، مثلاً، دولة متقدمة لأنها تستعمل الإنجليزية؟ وهل سلطنة عمان أو مصر أو السعودية أصبحت قوى علمية عظمى لأنها اختارت السير في فلك لندن وواشنطن منذ عقود؟ طبعاً لا.
المشكل إذن ليس في اللغة وحدها، بل في المشروع السياسي والاقتصادي والتربوي. اللغة أداة، وليست معجزة. يمكن لدولة أن تتكلم الإنجليزية وتبقى متخلفة، ويمكن لدولة أن تتكلم لغتها الوطنية وتصبح قوة صناعية وعلمية. اليابان لم تصبح اليابان لأنها تخلت عن لغتها، والصين لم تصبح الصين لأنها استبدلت لغتها بالإنجليزية، وألمانيا لم تبن قوتها بالهروب من الألمانية، بل بنتها بالعلم والانضباط والبحث والصناعة والمؤسسات.
والجزائر، إذا دخلت اليوم سباق الإنجليزية بالشكل العاطفي المطروح، فلن تجد نفسها في مركز مريح بين الدول الناطقة بها، بل ستجد نفسها في منافسة قوية مع دول لها أقدمية طويلة في استعمال الإنجليزية في التعليم والإدارة والاقتصاد. بينما كان للجزائر موقع مميز داخل الفضاء الفرنكوفوني، بحكم التاريخ والتكوين والإدارة والجامعة والعلاقات مع إفريقيا وأوروبا. وبعيداً عن خطاب بعض المعرّبين الشعبويين، فإن اللغة الفرنسية ليست ملكاً لفرنسا وحدها، بل تتحدث بها شعوب كثيرة في إفريقيا وبلجيكا وكندا وبعض الولايات الأمريكية ولوكسمبورغ وسويسرا، إضافة إلى فرنسا طبعاً.
وإذا كان مبرر تبني الإنجليزية يعتمد، كما هو شائع، على البحث العلمي، فهذا أيضاً غير مقنع بالشكل الذي يُطرح به. فالباحث العلمي الحقيقي يستطيع تعلم اللغة التي يحتاجها في أي مرحلة من مساره، خصوصاً مع التطور المذهل في أدوات الترجمة الرقمية والذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات العلمية. ثم كم يوجد من باحث علمي في الجزائر؟ الأكيد أنهم ليسوا بالملايين مثل عدد الأطفال في المدارس الابتدائية الذين نحمّلهم اليوم صراعاً إيديولوجياً لا علاقة له بمستقبلهم الحقيقي.
مصيبة بعض الحجج أنها تبدو مضحكة، لأنها تستعمل التاريخ الجزائري، وبالأحرى تاريخ ثورة التحرير، لتبرير إقصاء اللغة الفرنسية، بينما قادة الثورة الجزائرية أنفسهم كانوا، في جزء كبير منهم، مفرنسين. ومعرفتهم باللغة الفرنسية لم تمنعهم من تأسيس واحدة من أعظم حركات التحرر في القرن العشرين، حرب تحرير عالمية وإنسانية ما زال تأثيرها إلى اليوم حاضراً في ذاكرة أحرار العالم. الشهيد سويداني بوجمعة، رحمه الله، لم يكن يحسن كتابة اسمه بالعربية كما يُروى، وكان مفرنساً، لكنه استشهد دفاعاً عن الجزائر ومن أجل حريتها. فهل نقصت وطنيته لأنه عرف لغة المستعمر؟ طبعاً لا.
وشأن الشهيد سويداني بوجمعة هو شأن كثير من محرري الشعوب في إفريقيا وآسيا. صامورا ماشيل، مثلاً، كان يتحدث البرتغالية، وهي لغة الاستعمار البرتغالي، لكنه حرر بلده من ذلك الاستعمار. هوشي منه، قائد فيتنام، درس وعاش في فرنسا، وتأثر باليسار الأوروبي، ثم غادرها ليؤسس واحدة من أعظم حركات التحرر في آسيا، بعدما دافع داخل الأممية الشيوعية عن حق الشعوب المستعمَرة في الانعتاق والتحرر، رغم معارضة قطاعات من اليسار الفرنسي في تلك المرحلة. فهل كانت معرفته بالفرنسية خيانة؟ أم كانت سلاحاً معرفياً وسياسياً استعمله ضد الاستعمار نفسه؟
المسألة إذن ليست لغة المستعمر، بل كيف نستعمل اللغة. يمكن أن تستعمل الفرنسية ضد الاستعمار الفرنسي، ويمكن أن تستعمل الإنجليزية ضد الهيمنة الأنجلوسكسونية، ويمكن أن تستعمل العربية لتبرير التخلف والاستبداد، كما يمكن أن تستعمل الصينية أو الألمانية أو الإسبانية لفتح أبواب العلم والصناعة. اللغة لا تحمل وحدها مشروعاً نهضوياً، بل المشروع هو الذي يعطي اللغة معناها.
قضية التمكن من العلم والتكنولوجيا، إذا أُخذت بجدية، تقودنا مباشرة إلى إعادة بناء المدرسة والجامعة والبحث العلمي، لا إلى معركة سطحية بين الفرنسية والإنجليزية. وإذا كان المقصود فعلاً لغة المستقبل، فلماذا لا نفتح النقاش حول الصينية؟ ولماذا لا نعيد الاعتبار للألمانية؟ ولماذا لا نعلّم أبناءنا لغات متعددة حسب الحاجة الاقتصادية والعلمية؟ أما أن نستبدل الفرنسية بالإنجليزية فقط لأن الأولى لغة استعمار والثانية تُقدَّم كأنها لغة خلاص، فهذا ليس مشروعاً وطنياً، بل مجرد تبديل للسرج، أو كما يقول المثل الجزائري: تبديل البردعة فقط.
مهما كانت الأمور، فإن التطور التكنولوجي الهائل في مجال الترجمة والتحكم في اللغات سيقتل هذا النقاش عاجلاً أم آجلاً. اليوم توجد آلات وتطبيقات بسيطة تترجم من وإلى عشرات اللغات بطريقة فورية، والذكاء الاصطناعي سيجعل حاجز اللغة أقل تعقيداً مما كان عليه في الماضي. لذلك، فإن تحويل اللغة إلى معركة وجودية بين وطنية وخيانة، وبين استعمار وتحرر، هو نقاش خارج التاريخ، أساسه ومنبعه إيديولوجي وانتقامي وتزييفي للذاكرة الجزائرية.
الجزائر لا تحتاج إلى حرب لغات، بل إلى سياسة لغوية ذكية. تحتاج إلى العربية كلغة وطنية ورسمية جامعة، وإلى الأمازيغية كجزء أصيل من الشخصية الوطنية، وإلى الفرنسية بحكم التاريخ والمحيط الإفريقي والمتوسطي، وإلى الإنجليزية بحكم التواصل العلمي والدولي، وإلى الصينية والألمانية والإسبانية حسب مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. أما اختزال كل هذا في شعار “الفرنسية لغة الاستعمار والإنجليزية لغة العلم”، فهو تبسيط قاتل لعقل الأمة، واستمرار لنقاشات لا تنتج معرفة ولا تبني مدرسة ولا تصنع تكنولوجيا.
نحن لا نتقدم باللغة التي نختارها في الشعارات، بل نتقدم بالمدرسة التي نبنيها، والجامعة التي نحترمها، والباحث الذي نموله، والصناعة التي نؤسسها، والعقل الذي نحرره من الانتقام الإيديولوجي. أما الصراع المفتعل بين الفرنسية والإنجليزية، كما يطرحه البعض اليوم، فليس سوى نقاش خارج التاريخ، لا يخدم الجزائر، ولا يخدم أبناءها، ولا يفتح لهم أبواب المستقبل.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الراحل لمين مرباح كما عرفته
التحق بجوار ربه المخرج الجزائري لمين مرباح، بعد معاناة دامت سنوات مع مرض نادر جداً، لم يجد…






