من يزرع أوهام الحرب في المغرب؟
يعود، مرة أخرى، الإعلام المغربي المقرّب من القصر الملكي للحديث عن الحرب ضد الجزائر. وقد أصبح هذا الإعلام يثير هذا الموضوع من حين إلى آخر بصورة متكررة، رغم خطورته البالغة. والمفارقة أن وسائل الإعلام في مختلف دول العالم تتجنب عادة الترويج للحروب أو التعامل معها باستخفاف، لما تمثله من تهديد مباشر لأمن الشعوب واستقرار الدول، بينما يبدو أن بعض المنابر المغربية تتعامل مع الحرب وكأنها مجرد لعبة سياسية أو مادة إعلامية للاستهلاك الداخلي.
والأكثر غرابة أن الخطاب الذي يروّج لهذه الفكرة يوحي أحياناً بأن أي مواجهة عسكرية محتملة مع الجزائر لن تترك آثاراً مدمرة على المغرب نفسه، وكأن الحرب يمكن أن تقع في مكان آخر بعيداً عن الشعب المغربي ومصالحه. وهو تصور يتناقض مع أبسط دروس التاريخ ومع ما تشهده المنطقة والعالم من صراعات أثبتت أن الحروب لا تترك رابحين، بل تخلف الخراب والخسائر البشرية والاقتصادية للجميع.
ورغم الحروب الدائرة في أكثر من منطقة حول العالم، وما تتركه يومياً من مآسٍ إنسانية ودمار للبنى التحتية وانهيار للاقتصادات، لا يزال هذا الإعلام يعود في كل مرة إلى الترويج لسيناريوهات الحرب مع الجزائر. ومن الصعب الاعتقاد بأن هذا النوع من الخطاب يُنشر بمعزل عن دوائر القرار، خاصة عندما يتكرر بنفس المضامين والتوقيتات السياسية.
ويبدو أن الدوافع الحقيقية لهذا الخطاب ترتبط أساساً بالوضع الداخلي المغربي ومحاولة توجيه الرأي العام نحو أخطار خارجية مصطنعة إعلامياً، بما يسمح بإبعاد الأنظار عن القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطن المغربي. فكلما ازدادت التحديات الداخلية، ارتفعت وتيرة الحديث عن “الخطر الجزائري” وعن سيناريوهات الصراع والمواجهة.
كما أن المتابع للشأن المغربي يلاحظ كثرة التكهنات والتسريبات المتعلقة بملف انتقال السلطة ومستقبل المؤسسة الملكية، وهي ملفات تثير اهتماماً واسعاً داخل المغرب وخارجه. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تصدير الأزمات وخلق عدو خارجي وسيلة تقليدية تلجأ إليها بعض الأنظمة لصرف انتباه الرأي العام عن القضايا الداخلية الأكثر إلحاحاً.
وليس جديداً أن يتم توظيف ملفات تاريخية أو حدودية في هذا السياق. فقد شهدت السنوات الأخيرة عودة بعض الخطابات التي تتحدث عن مزاعم تاريخية تتعلق بأراضٍ أو مناطق خارج الحدود المعترف بها دولياً. وهذه الأطروحات لا تساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي بقدر ما تغذي مناخ الشك والتوتر بين شعوب المنطقة التي تحتاج إلى التعاون والتنمية أكثر من حاجتها إلى النزاعات والصراعات.
ومن هذا المنطلق، فإن الجزائر مطالبة بالتعامل مع هذه الخطابات بجدية وحذر، ليس لأنها تعكس بالضرورة سياسة رسمية معلنة، وإنما لأنها تساهم في تشكيل مناخ إعلامي وسياسي قائم على الاستفزاز والتصعيد. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحملات الإعلامية العدائية قد تتحول في بعض الأحيان إلى أدوات لتبرير سياسات أكثر خطورة.
إن الإعلام المسؤول، أياً كان البلد الذي ينتمي إليه، ينبغي أن يدافع عن السلام والاستقرار وأن يساهم في نشر ثقافة الحوار والتفاهم بين الشعوب. أما الترويج للحروب والتعامل معها كخيار سهل أو كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية ظرفية، فهو سلوك يفتقر إلى المسؤولية وإلى الوعي بحجم الكوارث التي يمكن أن تنجم عن أي مواجهة عسكرية.
وخلال الأيام الماضية، برز مثال آخر على ما يعتبره كثيرون جزءاً من الحملات الإعلامية المتبادلة في المنطقة، وذلك عقب الإعلان عن خطوات جديدة تتعلق بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر في اتجاه الأسواق الأوروبية. فبدلاً من مناقشة الجوانب التقنية والاقتصادية للمشروع، لجأت بعض المنابر إلى التركيز على السجالات السياسية وإطلاق مقارنات ودعايات متناقضة.
والواقع أن مشاريع الطاقة الكبرى تخضع لمعايير اقتصادية ومالية دقيقة، وتتطلب استثمارات ضخمة وحسابات طويلة الأمد تتعلق بالجدوى والتمويل والأمن والاستقرار السياسي. ولذلك فإن نجاح أي مشروع أو فشله لا يُحسم بالشعارات الإعلامية، بل بقدرته على جذب المستثمرين وتأمين التمويل وتحقيق المردودية الاقتصادية المطلوبة.
كما شهدت السنوات الأخيرة تداول أخبار متكررة حول اكتشافات طاقوية وثروات طبيعية في المغرب، رافقتها أحياناً مبالغات إعلامية أثارت جدلاً واسعاً. وفي مثل هذه القضايا، يبقى الفيصل هو البيانات العلمية الرسمية والدراسات الجيولوجية المعتمدة، وليس الحملات الدعائية أو العناوين المثيرة.
إن شعوب المنطقة بحاجة إلى إعلام يشرح الحقائق ويقدم المعلومات الدقيقة، لا إلى إعلام يصنع الأوهام أو يؤجج الصراعات. فدور الصحافة ليس تعبئة الجماهير للحروب، وإنما تنوير الرأي العام وتمكينه من فهم الوقائع كما هي.
وبقى الحرب أخطر قرار يمكن أن تتخذه الدول، لأنها تعني سقوط الضحايا وتدمير الممتلكات وتعطيل التنمية لعقود طويلة. أما الاعتقاد بأن أي طرف يمكن أن يخوض حرباً ثم يخرج منها سالماً دون خسائر، فهو رهان أثبت التاريخ مراراً أنه وهم خطير لا مكان له في عالم السياسة الرشيدة ولا في حسابات الدول المسؤولة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
أين الحصن الديني للدولة؟
أصبح زحف التيارات الدينية المتطرفة والمناهضة للمرجعية الدينية الجزائرية يشكل خطراً حقيقياً…






