من تفكيك التاريخ إلى تدنيس الراية.. مؤشرات حرب على الوعي
من المتعارف عليه أن أحد أهم الأسرار التي تربط أي شعب ببلده، وتشكل مصدر فكره الوطني ووعيه الجماعي، يتمثل في اعتزازه بتاريخ السابقين والأجداد والآباء. ولذلك فإن ضرب استقرار أي بلد يبدأ غالبًا بفصل شعبه عن تاريخه وذاكرته، وهو ما تعمل عليه مخابر استعمارية وصهيونية في تعاملها مع الجزائر.
والمصيبة أن الخطاب الرسمي يعترف بوجود حروب من الجيلين الرابع والخامس، وهي حروب تقوم أساسًا على الفكر والوعي والذاكرة، لكن هذا الاعتراف لا ينتقل بالقدر الكافي من الخطاب إلى أرض الواقع، ولا يتحول إلى سياسات واضحة لمحاربة الجهات التي تعمل على تنفيذ هذه الحروب داخل المجتمع. وبالتوازي مع ضرب الذاكرة الوطنية ومحاولة تدميرها، يجري نشر استهلاك المخدرات والمهلوسات على نطاق واسع، في وقت يركز فيه التيار الديني المتخلف، القائم على الكذب وتزوير التاريخ، حربه على شرب الخمور والكحوليات، بينما جرى تعويضها في كثير من المدن بانتشار واسع ومخيف للمخدرات والمؤثرات العقلية.
فالخطاب الديني المتشدد يوجه اهتمامه إلى مظاهر معينة ويحولها إلى قضايا مركزية، لكنه يتجاهل، أو يعجز عن مواجهة، الكارثة الحقيقية المتمثلة في تدمير عقول الشباب عبر المخدرات والمهلوسات، وما ينتج عنها من عنف وانهيار نفسي وأسري واجتماعي.
إن التيار الديني المتطرف، بمختلف امتداداته الوهابية والسلفية والمدخلية، يمثل في كثير من ممارساته إحدى الأدوات التي تخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مشاريع القوى الاستعمارية الغربية والإسرائيلية، لأنه يتولى علنًا، من خلال بعض الخطب في المساجد والمساحات العامة، مهمة فصل الشباب عن تاريخ بلدهم وعن تاريخ أجدادهم. وقد بدأت هذه الحملة وتتوسع في ظل غياب تشريعات وقوانين صارمة توقف الكارثة. فالبرلمان الجزائري تملك داخله القوى الإسلامية المحلية حضورًا مؤثرًا، وهي قوى تعاني، في كثير من الحالات، ضعفًا واضحًا في الفهم الديني والسياسي، لكنها تستطيع مع ذلك التأثير في السلطة أو التحالف معها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما حدث في مراحل سابقة وانتهى إلى تدخل الجيش لإعادة الأمور إلى نصابها.
إن التيار الديني المتطرف الدخيل على المجتمع الجزائري، والذي ساهمت حركة الإخوان المسلمين وأتباع حسن البنا، مؤسس الحركة سنة 1928، في إدخاله وترسيخه داخل الجزائر، يعمل ليلًا ونهارًا على سلخ الشباب عن تاريخهم. ولا يتوقف الأمر عند إبعادهم عن تاريخهم الوطني والديني، بل يصل إلى رمي رموز هذا التاريخ نفسه بالكفر والإلحاد، ووصفهم بـ«القبوريين»، كما يحدث مع الأمير عبد القادر الجزائري، والشيخ بوعمامة، والشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، وسيدي أحمد التجاني، الذي ارتبط اسمه بانتشار الإسلام في مختلف أقطار إفريقيا، ومع مؤسسة الزاوية التيجانية والزاوية الرحمانية التي ينتمي إليها الكثير من مجاهدي الولاية الثالثة خلال حرب التحرير.
إن هذا المسعى، إن استمر، سيحقق واحدًا من أعظم الأهداف التي عملت المخابرات الفرنسية سنوات طويلة من أجل إنجازها، وهو سلخ الشعب الجزائري بالكامل عن تاريخه الديني والسياسي والعسكري والمقاوم والاجتماعي. وهذا هو صلب حروب الجيلين الرابع والخامس التي يتغنى بها كثيرون في الخطابات والندوات، من دون أن يضعوا الأسس والآليات الضرورية لمحاربتها. فتحولت هذه المفاهيم إلى مجرد كلام فارغ وعديم المحتوى، في ظل انتشار تيار يعمل على إعادة صياغة تاريخ الجزائر وشيطنته، بل وتكفير رموزه ورجاله.
وقد بلغت جرأة بعض المنخرطين في تنفيذ حروب الجيلين الرابع والخامس حد استجواب وزير الشؤون الدينية داخل البرلمان كما لو كان طفلًا داخل قسم دراسي، ومساءلته عما يسميه أحد النواب بـ«القبوريين»، قاصدًا بذلك الطرق الصوفية في الجزائر. وتساءل صاحب السؤال لماذا لا يعاقب الوزير هذه الممارسات التي يراها المتطرف المتنكر لتاريخ بلاده انحرافًا في العقيدة، رغم أن الشعب الجزائري اعتنق الإسلام منذ نحو أربعة عشر قرنًا، وطوّر خلال هذه المدة مرجعيته الدينية الوطنية وتقاليده الفقهية والروحية الخاصة.
ورغم أن الدستور الجزائري يقر حرية المعتقد، فإن الوزير لم يكن مضطرًا أصلًا إلى الانجرار وراء سؤال يقوم على تصنيف المواطنين والطعن في معتقداتهم وإطلاق أوصاف إقصائية عليهم. فمؤسسات الدولة لا يفترض أن تتحول إلى منابر لمحاكمة الجزائريين في عقائدهم، ولا أن تكون أداة في يد تيار ديني واحد يريد فرض تفسيره الخاص للدين على مجتمع كامل، وإلغاء تراث ديني ووطني عمره قرون.
إن مواجهة حروب الأجيال الجديدة تتطلب مستوى ثقافيًا عاليًا، ومعرفة دقيقة بتاريخ الجزائر، وفهمًا لطبيعة التحولات السياسية والإعلامية والدينية والاجتماعية. غير أن هذه الشروط تنعدم لدى كثير من الإعلاميين الذين أصبح بعضهم مجرد آلة في يد الحركات الدينية المتطرفة. كما أن عددًا من وسائل الإعلام أصبح يتبع، عن قصد أو عن جهل، نهج التخريب الفكري للعقل الجزائري، عبر استضافة الأصوات المتطرفة وتقديمها باعتبارها مرجعيات دينية، ومنحها مساحة للتشكيك في التاريخ الوطني وتكفير رموزه والطعن في المكونات الروحية والثقافية للمجتمع. ومن لا تصبه سهام التطرف الديني الذي يعمل على مسح ذاكرة الجزائريين، قد يجد نفسه في مواجهة المخدرات والمهلوسات التي تنتشر كالنار في الهشيم وسط الشباب، إلى درجة مخيفة جدًا.
إن هذا الانتشار يتطلب من السلطات الجزائرية اعتماد سياسة وطنية شديدة الصرامة، مستفيدة من تجارب الدول التي واجهت مخاطر مماثلة، ومن بينها الصين التي تعرضت في تاريخها لحرب الأفيون وكاد شعبها أن ينهار، وتنهار معه الدولة بالكامل. فالمخدرات لم تكن في التجربة الصينية مجرد تجارة غير مشروعة، بل كانت أداة استعمارية لتفكيك المجتمع وإضعاف الدولة وفتح الطريق أمام السيطرة الخارجية. وهذه التجربة تفرض على الجزائر التعامل مع انتشار المخدرات باعتباره خطرًا استراتيجيًا يمس الأمن القومي، لا مجرد ملف أمني أو صحي محدود. وفي ظل هذه المخططات التي لا تنام، قد تجد الجزائر نفسها مضطرة إلى مراجعة نموذجها الديمقراطي المنفلت من أساسه، من أجل حماية نفسها من الضياع الكامل، لأن حجم الاستهداف قد يفوق أحيانًا قدراتها التقليدية على مقاومته.
غير أن حماية الدولة لا ينبغي أن تعني إلغاء السياسة أو الحريات، بل إعادة تنظيمها وضبطها ضمن قواعد صارمة تمنع استغلال الديمقراطية في هدم الدولة، أو استعمال البرلمان والإعلام والمساجد والجمعيات لنشر الكراهية والتطرف وضرب الذاكرة الوطنية. وتزداد خطورة الوضع في ظل ظهور جيل جديد لا يرى بعض أفراده حرجًا في الدوس على العلم الوطني وتصوير الحدث إعلاميًا في قلب العاصمة الجزائرية. وهذا مؤشر من أخطر المؤشرات التي شهدتها الجزائر منذ استقلالها. فالواقعة لا يمكن اختزالها في تصرف فردي معزول، لأنها تحمل رسالة خطيرة إلى المخابر والمخابرات الأجنبية التي تعمل على تدمير الضمير الجمعي الجزائري، ذلك الضمير الذي صنعته المقاومة الشعبية وثورة التحرير والاستقلال الوطني.
إن تدنيس الراية الوطنية يمثل حالة الذروة التي وصلت إليها حرب الجيلين الرابع والخامس، والمتمثلة في تدمير الذاكرة التاريخية للجزائر وتدنيسها وتكفير رموزها وفصل الأجيال الجديدة عنها. وهو مؤشر بالغ الخطورة بالنسبة إلى كل من يحمل ذرة من الوطنية والوعي بضرورة حماية البلاد، وكان يفترض أن يستنفر وحده جميع المؤسسات والإرادات من أجل فحص الظاهرة والإسراع في وضع الحلول المناسبة لها.
إن العلم الوطني ليس مجرد قطعة قماش، بل هو خلاصة قرون من المقاومة والتضحيات وملايين الشهداء والضحايا. والدوس عليه أو تدنيسه ليس مجرد سلوك استفزازي، بل محاولة رمزية لكسر الرابطة بين المواطن وتاريخ بلاده ودولته. وأول الحلول يتمثل في منع التيارات الدينية التكفيرية من ممارسة أي نشاط يحرض على الكراهية أو يهدم المرجعية الدينية الوطنية أو يكفر الجزائريين ورموزهم التاريخية. ولا يتعلق الأمر بمنع التدين أو التضييق على حرية العقيدة، بل بحماية المجتمع من التنظيمات والخطابات التي تستعمل الدين أداة للسيطرة السياسية، وتعمل على تفكيك الهوية الوطنية وإقصاء المكونات الدينية والثقافية التاريخية للجزائر.
كما يجب رفع الحصانة والقداسة غير المكتوبة التي يتمتع بها بعض رجال الدين أمام القانون في الجزائر، لأن رجل الدين مواطن يخضع للقانون مثل غيره، ولا يجوز أن تمنحه صفته الدينية حق التحريض أو التكفير أو نشر الأكاذيب أو الطعن في المواطنين ومعتقداتهم.
إن رفع هذه القداسة الزائفة سيشكل الخطوة الأولى لتحرير الشباب الجزائري نفسيًا من سيطرة الكذبة والمشعوذين ومن ينشرون روايات مكذوبة عن التاريخ الإسلامي، وفق أهوائهم وأهدافهم الأيديولوجية. فلا أحد يملك احتكار الإسلام، ولا أحد يملك حق منح صكوك الإيمان أو الكفر، ولا يجوز تحويل الدين إلى سلطة موازية للدولة أو إلى وسيلة لإخضاع المجتمع وإلغاء تاريخه. كما أن حماية الجزائر تفرض إعادة تنظيم الكتلة الوطنية التي لا تجد، رغم التوجه الوطني الذي تتبناه السلطة الحالية، مجالًا سياسيًا يجمعها ويؤطر عملها.
فالكتلة الوطنية موجودة داخل المجتمع، وبين المثقفين والإعلاميين والمجاهدين وأبناء الشهداء والإطارات والنقابيين والطلبة والشباب، لكنها مشتتة ولا تملك إطارًا سياسيًا وفكريًا موحدًا يسمح لها بالدفاع عن الدولة وعن المرجعية الوطنية. ولهذا تصبح العودة إلى إحياء العمل السياسي الحقيقي ضرورة وطنية، لأنه الطريق الوحيد لحماية التوجه الوطني الحالي من التعثر والسقوط، وضمان استمراريته في مواجهة التيارات التي تعمل ليلًا ونهارًا على هدم ما بنته الجزائر خلال قرون. فالاعتراف بوجود حروب من الجيلين الرابع والخامس لا يكفي لمحاربتها. ولا معنى للحديث عنها في الخطب والندوات إذا لم تتحول إلى سياسات وقوانين ومؤسسات وخطط عمل واضحة.
إن هذه الحروب تستهدف الذاكرة والتاريخ والعقيدة الوطنية والعلم والشباب والمؤسسات، ومواجهتها لا تكون بالشعارات، بل ببناء مشروع وطني متكامل يعيد الاعتبار للتاريخ الجزائري، ويحمي المرجعية الدينية الوطنية، ويكافح المخدرات، وينظم المجال الإعلامي والسياسي، ويضع حدًا للتكفير والتطرف والتحريض. وإذا لم تتحرك المؤسسات بسرعة، فإن ما يبدو اليوم مجرد خطابات متطرفة أو حوادث معزولة قد يتحول غدًا إلى تيار اجتماعي وسياسي واسع يصعب احتواؤه.
فالبلدان لا تسقط دائمًا بالجيوش، بل قد تسقط عندما يفقد شعبها ثقته بتاريخه، ويحتقر رموزه، ويدنس علمه، ويسلم عقله للمخدرات والخرافة والتطرف. وهذه هي المعركة الحقيقية التي يتعين على الجزائر أن تدرك خطورتها قبل فوات الأوان.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
الانزلاق التونسي الخطير
أثار بث قناة تونسية عمومية خريطة لدول شمال إفريقيا، ظهرت فيها أجزاء من الأراضي الجزائرية ض…






