حين تصمت المؤسسات… تصنع الإشاعة وعي الجزائريين وتُسقط مصداقية الدولة
الدول المحترمة لا تترك صناعة الأكاذيب وانتشار المعلومات المغلوطة من دون مواجهة، مهما كان القطاع المعني، سواء تعلق الأمر بالرياضة أو السياسة أو الاقتصاد، لأن الأكاذيب لا تبقى مجرد أخبار عابرة تنتهي بانتهاء الجدل، بل تتحول مع مرور الوقت إلى روايات مستقرة في أذهان المواطنين، وتؤسس لهوة عميقة بين السلطة والمجتمع، وتزيد من عزلة مؤسسات الدولة، وتضرب مصداقيتها في جميع المجالات التي تديرها.
وما نراه اليوم في قطاع الرياضة أمر مؤسف للغاية، يسيء إلى الجزائر أيما إساءة، ويساهم في عزل السلطة عن المجتمع وخلق حالة مستدامة من انعدام الثقة. فلا يمكن تسيير الشأن العام بهذه الطريقة، في وقت تعمل فيه الدول التي تمتلك منظومات اتصال فعالة ليلًا ونهارًا، وعلى مدار الساعة، لمواجهة المعلومات المغلوطة، من خلال تزويد الرأي العام بالحقائق، أو على الأقل تقديم الرواية الرسمية الواضحة التي تحد من انتشار الإشاعات والحملات المغرضة.
ورغم أن الجزائر تعاني منذ سنوات من انتشار الأخبار الكاذبة وحملات التشويه والتضليل، فإنها لم تنجح إلى اليوم في وضع آليات إعلامية فعالة وسريعة لمواجهتها. وما يحدث حاليًا في قطاع الرياضة لا يزيد الأزمة الإعلامية التي تعيشها البلاد إلا تعقيدًا، ويوسع الهوة بين السلطة والمواطن، ويجعل أزمة الثقة تنتقل تدريجيًا إلى قطاعات أخرى قد يصبح من الصعب معالجة مشاكلها في مراحل لاحقة.
لقد تحولت مجرد أزمة تتعلق بمدرب المنتخب الوطني، خلال أسابيع قليلة، إلى معارك إعلامية غير مسبوقة، وإلى سيل من الأخبار المتناقضة والتسريبات غير المؤكدة والتحليلات التي تحولت عند البعض إلى حقائق نهائية، بينما كان من المفترض أن يتدخل المسؤولون، كما هو معمول به في المؤسسات المحترمة، لتقديم المعلومة الرسمية في وقتها، وشرح ما يحدث، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام.
ومن الأمثلة الموثقة على هذا الخلل ما حدث عند تمديد عقد الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش. ففي 7 جوان 2026 أعلنت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم رسميًا تمديد عقده، رفقة طاقمه الفني، إلى غاية 31 جويلية 2028، وقدمت حصيلة نتائجه منذ تعيينه، مؤكدة أن القرار يعكس الاستقرار والثقة في العمل المنجز. غير أن البيان لم يكشف التفاصيل المالية للعقد، ولا الشروط الدقيقة المتعلقة بالأهداف والنتائج المنتظرة، وهو ما لاحظته صحف وطنية مباشرة بعد الإعلان، فبقيت أسئلة مهمة مفتوحة أمام التأويل والتسريبات..
المشكلة هنا ليست في قرار التمديد نفسه، فقد تكون للاتحادية أسباب فنية ورياضية تراها مقنعة، وإنما في طريقة تقديمه للرأي العام. فالعقد يتعلق بمنتخب وطني يمثل الجزائر، ويثير اهتمام ملايين المواطنين، ويرتب التزامات مالية ومهنية، ولذلك كان من الطبيعي أن تشرح الاتحادية، ولو في حدود ما تسمح به السرية التعاقدية، الأهداف الأساسية للمرحلة المقبلة والمعايير التي ستعتمدها لتقييم عمل المدرب.
عندما تغيب هذه التفاصيل، لا يبقى المجال فارغًا، بل تملؤه الروايات المتضاربة، طرف يتحدث عن شروط مالية استثنائية، وآخر يزعم وجود بنود جزائية، وثالث يؤكد أن القرار فُرض على الاتحادية، ورابع يعلن قرب رحيل المدرب. وهكذا يتحول النقص في المعلومة الرسمية إلى مصنع مفتوح للإشاعة، ثم تجد المؤسسة نفسها مضطرة إلى مواجهة عشرات الروايات التي كان بإمكانها الحد منها منذ البداية بتواصل واضح ومحترف.
وبدل أن تتولى الجهة الرسمية تقديم المعلومة الدقيقة، أصبح المواطن يبحث عنها في صفحات مجهولة وحسابات لا يعرف أصحابها، وفي تسريبات قد تكون صحيحة جزئيًا أو مختلقة بالكامل. وهذا الوضع لا يضر بقطاع الرياضة وحده، بل يضرب الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على التواصل وإدارة الأزمات واحترام حق المواطن في الوصول إلى المعلومة. وقد تكون بعض التسريبات ناتجة عن فوضى داخلية، وقد يكون بعضها محاولة لكسب الوقت أو جس نبض الرأي العام أو صرفه عن الموضوع، لكن النتيجة واحدة في جميع الحالات: إضعاف مصداقية المؤسسة الرسمية وتعميق الهوة بينها وبين المواطن.
فكلما تأخرت المعلومة الرسمية، تمددت الإشاعة، وكلما غابت الحقيقة، احتلت الأكاذيب مكانها. وحين تظهر الرواية الرسمية متأخرة، يكون المواطن قد كوّن قناعته، وقد لا يعود مستعدًا لتصديق البيان مهما كان صحيحًا.
لا توجد دولة تحترم مؤسساتها وتترك الأخبار المغلوطة تصنع وعي مواطنيها من دون تدخل. فالتواصل الرسمي لم يعد ترفًا إداريًا ولا نشاطًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من إدارة الدولة وحماية صورتها ومصداقيتها وأمنها الداخلي. وقطاع الرياضة ليس قطاعًا هامشيًا كما يتعامل معه بعض المسؤولين، بل هو من أكثر القطاعات حساسية لدى الرأي العام الوطني. يتابعه ملايين الجزائريين يوميًا، ويتفاعلون معه بعاطفة كبيرة، ويربط كثير منهم نجاح المنتخب الوطني بصورة البلاد ومكانتها وكرامتها.
ولهذا فإن ترك الرياضة تحت رحمة الإشاعات أمر خطير على المجتمع وعلى الدولة الجزائرية، لأنه يزيد من فقدان مصداقيتها لدى الرأي العام الوطني، وحتى لدى المتابعين في الخارج. فالطريقة التي تُدار بها الأزمات الرياضية أصبحت مرآة يقيس من خلالها المواطن قدرة المؤسسات على التواصل والشفافية وتحمل المسؤولية. ويبدو أن التعامل مع قطاع الرياضة وكأنه ليس جزءًا من مؤسسات الدولة أمر في غاية الخطورة، ويعكس رؤية متخلفة، حتى لا نقول بدائية، لأن حجب المعلومة وعدم مخاطبة الرأي العام لا يضران بالرياضة وحدها، بل يخلقان فقدانًا عامًا للمصداقية في المؤسسات الرسمية، مهما اختلفت القطاعات التي تشرف عليها.
فالمواطن لا يفصل دائمًا بين ما يحدث في الرياضة وما يحدث في الاقتصاد والسياسة والإدارة. عندما يرى مؤسسة رياضية عاجزة عن تقديم معلومة واضحة حول مدرب أو عقد أو قرار، فإنه يبدأ تلقائيًا في التشكيك في قدرة مؤسسات أخرى على قول الحقيقة في ملفات أكثر تعقيدًا وخطورة. وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن الثقة لا تتجزأ. فإذا فُقدت في قطاع واحد، فإن آثارها تنتقل بسرعة إلى بقية القطاعات. والمواطن الذي لا يصدق بيانًا رياضيًا قد لا يصدق غدًا تصريحًا اقتصاديًا أو سياسيًا أو إداريًا، لأن صورة الدولة في ذهنه واحدة، ومؤسساتها، مهما اختلفت أسماؤها واختصاصاتها، تمثل السلطة نفسها.
لقد عانت الجزائر منذ سنوات من حملات تشويه واسعة، ومن انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات التي تستهدف مؤسساتها ومسؤوليها وصورتها في الداخل والخارج. وقد تركت هذه الحملات آثارًا سلبية على نفسية المواطن وعلى نظرته إلى بلده، وكان يفترض أن تدفع هذه التجربة السلطات إلى بناء منظومة اتصال قوية وسريعة وشفافة، قادرة على التدخل فورًا وتقديم المعلومات قبل أن تتحول الإشاعة إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس.
لكننا، للأسف، ما زلنا نكرر الأخطاء نفسها. تنتشر الأخبار المغلوطة، وتصمت المؤسسات، ثم تظهر بعد أيام أو أسابيع لتصدر بيانًا مقتضبًا لا يجيب عن الأسئلة الأساسية، وكأن المطلوب من المواطن أن يصدق من دون أن يفهم، وأن يقتنع من دون أن يحصل على التفاصيل التي تسمح له بتكوين رأيه.
هذه الطريقة لم تعد صالحة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتقل الأخبار في ثوانٍ، وتتحول الإشاعة خلال ساعات إلى قناعة عامة. ولم يعد بإمكان أي مسؤول أن يعتقد أن الصمت يمنحه السيطرة على الوضع، لأن الفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا، بل تملؤه الصفحات المجهولة، والمصالح المتصارعة، والحسابات الباحثة عن الإثارة والمشاهدات، والجهات التي قد يكون هدفها الحقيقي ضرب ثقة المواطن في دولته.
إن الفوضى الإعلامية التي يتميز بها قطاع الرياضة في الجزائر أمر غير مبرر، ونتائجها ستكون خطيرة على المواطن الذي يواجه يوميًا قناطير من الأخبار المغرضة والكاذبة والمتناقضة. وما يحدث اليوم سيزيد في ضرب ما تبقى من ثقته في المؤسسات الرسمية.
فإذا ترسخت لدى المواطن قناعة بأن المؤسسات تخفي عنه الحقيقة، أو أنها لا تملك القدرة على تقديمها، فإنه يصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي إشاعة، مهما كانت خطيرة أو سخيفة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المعلومة الرسمية هي التي تحتاج إلى إثبات، بينما تتحول الإشاعة إلى حقيقة لا يناقشها أحد.
وهذه أخطر نتيجة يمكن أن يصل إليها ضعف التواصل المؤسساتي، لأن الدولة تخسر عندها المعركة قبل أن تبدأ، وتصبح عاجزة عن إقناع مواطنيها حتى عندما تكون روايتها صحيحة. فالمشكلة لا تعود في وجود معلومة كاذبة واحدة، بل في انهيار المرجعية التي يعود إليها المواطن حتى يفرق بين الحقيقة والكذب.
الدول، مهما كان مستوى تطورها، لا تترك الأخبار المغلوطة تشكل وعي المواطن وتنغرس في ذاكرته. بل تواجهها من خلال تقديم الوقائع، ونشر البيانات، وتنظيم الندوات الصحفية، وتمكين المسؤولين من شرح قراراتهم والرد على الأسئلة، بدل الاختباء وراء الصمت أو التسريبات أو العبارات الغامضة. ولا تعني الرواية الرسمية فرض رأي واحد على المجتمع أو مطالبة المواطن بتصديقه دون نقاش، بل تعني تحمل المؤسسة مسؤوليتها، والخروج إلى الرأي العام، وتقديم ما لديها من معلومات، وشرح خلفيات قراراتها، والإجابة عن الأسئلة المشروعة، وفتح المجال أمام الصحافة لمناقشتها ومحاسبتها.
إن المعلومة الرسمية ليست منّة تقدمها المؤسسة إلى المواطن، بل هي حق من حقوقه، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع يمول من المال العام، ويمثل الجزائر في المنافسات الدولية، وتتخذ داخله قرارات تترتب عنها التزامات مالية وعقود ورواتب وتعويضات. ومن حق الجزائري أن يعرف على أي أساس تتخذ القرارات الرياضية، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما أهدافها، وما النتائج المنتظرة منها. وليس من المقبول أن يعرف المواطن تفاصيل ملفات بلده من صحف أجنبية أو صفحات مجهولة، بينما تلتزم المؤسسات المعنية الصمت وكأن الأمر لا يعني الرأي العام.
لقد أصبحت المعركة الإعلامية جزءًا أساسيًا من إدارة الدولة، ولا يمكن لأي بلد حماية صورته أو استقراره إذا بقي عاجزًا عن التواصل مع مواطنيه. فالمعلومة لم تعد مجرد خبر، بل أصبحت مسألة سيادة وأمن وثقة عامة. والدولة التي تتأخر في تقديم المعلومة تترك الآخرين يقدمونها بدلًا عنها، والدولة التي لا تشرح قراراتها تسمح للخصوم بتفسيرها، والدولة التي تصمت أمام الأكاذيب تساهم، بقصد أو من دون قصد، في تحويلها إلى حقائق مستقرة في أذهان المواطنين.
وإذا كانت بعض المؤسسات عاجزة عن إدارة أزمة تتعلق بمدرب المنتخب الوطني، وعن تقديم جواب واضح حول عقد أو قرار رياضي، فكيف ستقنع المواطن بأنها قادرة على إدارة ملفات أعقد وأخطر تمس الاقتصاد والأمن والسياسة ومستقبل البلاد؟
المطلوب ليس تبرير كل قرار، ولا حماية المسؤولين من النقد، ولا منع الصحافة من طرح الأسئلة، بل تقديم الحقيقة في وقتها، ووقف صناعة الأخبار المغلوطة من داخل المؤسسات أو خارجها، ووضع حد لحالة الغموض التي أصبحت تسيء إلى الجزائر أكثر مما تسيء إلى أي مسؤول أو هيئة.
كما أن المطلوب ليس إنشاء جهاز دعاية يقدم كل شيء بصورة وردية، لأن الدعاية المبالغ فيها لا تقل ضررًا عن الصمت، بل المطلوب تأسيس اتصال مؤسساتي محترف يحترم عقل المواطن، يعترف بالخطأ عندما يقع، ويشرح القرار عندما يتخذ، وينفي الإشاعة بسرعة عندما تكون كاذبة، ويقدم الأدلة بدل الاكتفاء بالشعارات.
إن مصداقية الدولة لا تُبنى بالخطب والوعود، بل بالوضوح والشفافية واحترام عقل المواطن. والمؤسسة التي تصمت عندما تنتشر الأكاذيب لا تحمي نفسها، بل تسمح للإشاعة بأن تتحدث باسمها، وتشارك من حيث لا تدري في ضرب صورتها وصورة الدولة التي تمثلها.
لم تعد الجزائر تحتمل مزيدًا من الفوضى الإعلامية، ولا مزيدًا من المؤسسات التي تعتبر مخاطبة المواطن أمرًا ثانويًا. فالثقة التي تهدمت خلال سنوات لا يمكن استرجاعها ببيان متأخر أو تصريح مقتضب، وإنما تستعاد بعمل يومي يقوم على الصراحة والسرعة والشفافية والمحاسبة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يفقد المواطن ثقته في كل ما يصدر عنها، وأن يصبح أكثر استعدادًا لتصديق حساب مجهول من تصديق مؤسسة رسمية. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، فإن المشكلة لا تعود إعلامية فقط، بل تتحول إلى أزمة سياسية ومؤسساتية حقيقية.
الدولة التي لا تقدم المعلومة في وقتها تترك الآخرين يصنعون حقيقتها وصورتها أمام مواطنيها، والمؤسسات التي تعجز عن مواجهة الإشاعة لا تضرب مصداقيتها وحدها، بل تساهم في ضرب مصداقية الدولة كلها. للجزائر ربّ يحميها.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
متى يبدأ إصلاح قطاع الإعلام في الجزائر؟
معالي الوزير، كنا ننتظر منكم، كما انتظرنا من الأساتذة الذين سبقوكم إلى هذا المنصب، العمل ع…






