‫الرئيسية‬ الأولى من يوقظ فتن المذاهب في الجزائر؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

من يوقظ فتن المذاهب في الجزائر؟

من يوقظ فتن المذاهب في الجزائر؟
كمواطن جزائري، أعرف جيداً أن البت والنقاش في مسائل الدين أمر معقد جداً في الجزائر، وأن الجهاز القضائي، وحده، ليس مؤهلاً دائماً للحكم في القضايا ذات الخلفية الدينية والعقائدية. لذلك، فإن الضرورة تفرض وجود هيئة دينية وطنية مرجعية تتدخل في كل القضايا الدينية التي تُطرح أمام القاضي، على الأقل لتقديم رأي علمي ومؤسساتي يمثل المرجعية الدينية الوطنية، ويساعد العدالة على اتخاذ الأحكام الصائبة بعيداً عن ضغط التيارات المتطرفة أو التأويلات المذهبية الضيقة.

منذ عدة أشهر، إن لم أقل منذ سنوات، ظهرت اتجاهات دينية متطرفة في الجزائر، قامت بالطعن في الصوفية وتكفيرها، وناقشت قضايا العقيدة عند الإخوة الإباضيين بطريقة خطيرة، والجميع يعرف أن بعض هذه التوجهات تكفر الإباضية أيضاً أو تطعن في معتقداتهم. ومع ذلك، لم نسمع ولم نرَ تحركاً قضائياً جدياً ضد هذا الخطاب تحت بند المساس بالمعلوم من الدين بالضرورة، وهو البند الذي لا يتحرك، في كثير من الأحيان، إلا عندما تستعمله التيارات المتطرفة نفسها ضد مخالفيها.

إن إدخال المجتمع الجزائري في قضايا دينية وعقائدية حُسمت تاريخياً منذ قرون، خاصة بعد إدراج المادة 144 مكرر في فقرتها الثانية، يمثل في تقديري واحداً من أخطر ما تعرضت له الجزائر من مؤامرات خلال السنوات الماضية. فهذه المادة، التي ساهمت تيارات الإسلام السياسي في الدفع نحوها، أصبحت اليوم أداة يركبها التيار الديني المتطرف أمام قضاة قد لا يملكون دائماً التكوين الكافي للتعامل مع قضايا الدين والمذاهب والتاريخ الإسلامي، وربما لا يعرف بعضهم حتى السياقات التاريخية لظهور كبار المحدثين والفقهاء، ولا علاقة هذه النقاشات المعقدة بالإسلام والشريعة والمرجعية الوطنية.

المتعارف عليه أن القاضي يفصل بين الأحياء، وأن الشاكي يقف أمامه شخصياً ليطرح مشكلته، ويسأله القاضي إن احتاج إلى توضيحات إضافية لتكوين فكرة واضحة عن القضية. أما في قضايا الدين والتاريخ والعقائد، فنحن غالباً أمام نقاش حول أموات غادروا هذه الدنيا منذ قرون، ولم يبقَ من آثارهم إلا ما تناقلته الكتب عنهم، مدحاً أو نقداً أو اختلافاً، وهي كتب ومرويات هائلة ومتعددة ومتعارضة أحياناً.

وأغلب من ينزعجون من تصريحات أو نقاشات معينة يفعلون ذلك لأنها تتنافى مع مذاهبهم وقناعاتهم، ثم يجري استعمال القضاء لقمع الفكر المخالف. وهذه أمور عرفتها المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية منذ قرون طويلة، وقُتل بسببها من قُتل، وسُجن بسببها الآلاف، ثم استقرت المجتمعات الحديثة على قاعدة أساسية، ترك التاريخ لأهله، وحماية التعايش، ومنع تحويل الخلافات المذهبية إلى معارك قضائية واجتماعية.

لم يختر السني ولا الإباضي ولا الشيعي ولا المسيحي ولا اليهودي مذهبه أو ديانته في الغالب. كلهم ورثوا ذلك عن عائلاتهم ومحيطهم وتاريخهم الجغرافي والثقافي. ولا أحد يُمدح أو يُذم لأنه وُلد داخل مذهب أو دين معين. وقد دخلت الإنسانية، منذ قرون، في مرحلة يفترض أنها تقوم على التعايش السلمي بين الأديان والمذاهب، واحترام ما استقر في المجتمعات من تنوع ديني وثقافي.

لكن ما يحدث اليوم في الجزائر من إحياء لصراعات دينية قديمة يحمل في داخله شرارات خطيرة من التكفير والتحريض والتهديد، وهي شرارات لا معنى لها في بلد استقر منذ قرون على مرجعية دينية وطنية معروفة. فالجزائر ليست أرضاً بلا ذاكرة، وليست مجتمعاً ينتظر من تيارات وافدة أن تعيد فتح معارك القرن الأول الهجري داخل أحيائها ومحاكمها ومدارسها ومساجدها.

الإباضي لم يختر مذهبه، بل وُلد غالباً في عائلة إباضية، كما وُلد المالكي في عائلة مالكية، والحنفي في عائلة حنفية، والصوفي في بيئة صوفية. لذلك فإن الطعن في معتقدات الناس، أو استفزازهم في موروثهم الديني، أو جرهم إلى معارك مذهبية قديمة، هو جريمة رمزية خطيرة في حق المجتمع، وإحياء لمسائل حُسمت منذ قرون، ولا يمكن أن يؤدي إلا إلى تسميم الحياة الوطنية.

إن استدعاء هذه الصراعات إلى أرض الشهداء يحمل في داخله مؤامرة واضحة لإغراق البلد في أمور غير متحكم فيها، لا فكرياً ولا سياسياً ولا قضائياً. فالقاضي ليس مؤرخاً للمذاهب، والسياسي ليس عالماً في الفرق، ورجل الأمن ليس مختصاً في علم الكلام. لذلك، وجب إقامة سياج وطني حول موروثنا الديني، وحمايته من كل اعتداء، حتى نعيش في سلام داخل تنوعنا التاريخي المعروف.

لكن ما نراه اليوم أن التيارات الدخيلة، التي تخبئ للبلد مصائب لا أول لها ولا آخر، هي التي تحاول فرض أجندتها على السياسي والقاضي ورجل الأمن والإعلامي والمواطن. وعلينا أن نتساءل بجدية: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل نريد دولة تحمي مرجعيتها الدينية الوطنية؟ أم نريد فتح الباب أمام كل تيار وافد ليجر الجزائريين إلى معاركه القديمة، ثم يطلب من القضاء أن يحسم قضايا عجز التاريخ نفسه عن إغلاقها نهائياً؟

ألا يكفي أن نعرف أن التاريخ الإسلامي نفسه عرف مراحل دامية ومأساوية عندما تحولت السياسة إلى صراع ديني، والدين إلى أداة للانتقام؟ عند انقلاب العباسيين على الأمويين، قُتل من قُتل من البيت الأموي، ووصل الأمر، حسب روايات تاريخية، إلى إخراج بعض موتاهم من القبور والتمثيل بهم في مشاهد بشعة. وقبل ذلك، شهد التاريخ الإسلامي نفسه مآسي أخرى، منها استباحة المدينة المنورة في سياقات صراع السلطة، وهي أحداث تكشف إلى أين يمكن أن يقود استدعاء الدين إلى الصراعات السياسية والمذهبية.

إن العودة اليوم إلى تلك المراحل التاريخية، التي حملت خراباً لا مثيل له، ستكون في الجزائر بمثابة بحث متعمد عن الخراب نفسه، وربما عن خراب أكبر. فالجزائر التي عاشت عشرية دموية بسبب خطاب ديني وسياسي متطرف لا تملك ترف اللعب بالنار مرة أخرى، ولا تملك حق السماح لأي طرف بإحياء الخنادق المذهبية والعقائدية داخل مجتمعها.

هناك من يعيش في الجزائر خارج التاريخ، ويريد فرض هذا الماضي على بقية الجزائريين. وعلى الدولة أن ترفض هذا التصرف بحزم، لأنه قد يوصل المجتمع إلى تطاحن ديني وعقائدي لا بداية له ولا نهاية. والجميع يعرف أن الحروب المذهبية والدينية هي من أصعب الحروب على الإطلاق، لأنها لا تنتهي بسهولة، ولا تقف عند حدود السياسة، بل تدخل البيوت والعائلات والمدارس والمساجد والضمائر.

لن نستطيع أن نغير شيئاً من الأحداث التي عرفها التاريخ الإسلامي، ولن نستطيع أن نعيد كتابة ما وقع قبل قرون. لكننا نستطيع أن نحمي بلدنا ممن يريدون استدعاء تلك القرون إلى حياتنا اليوم في الجزائر. نستطيع أن نقول بوضوح إن الماضي يُدرس في الجامعات ومراكز البحث، لكنه لا يُستعمل سلاحاً ضد المجتمع ولا أداة لتقسيم الجزائريين.

إن حماية الجزائر اليوم لا تكون فقط بحماية حدودها، بل أيضاً بحماية ذاكرتها الدينية والاجتماعية من العبث. فالمرجعية الدينية الوطنية ليست شعاراً إدارياً، بل هي صمام أمان. هي ما يسمح للمالكي والإباضي والصوفي والحنفي وكل المكونات الأخرى بالعيش داخل وطن واحد، دون خوف من التكفير أو الطعن أو التشهير أو الاستفزاز.

من يكفر الصوفي أو الإباضي أو المالكي أو الحنفي أو أي مكون من مكونات الذاكرة الدينية الوطنية، يرتكب فعلاً خطيراً في حق الجزائر، ويدفع البلاد نحو خندق حرب دينية انتهت منذ قرون. ومن يريد إعادة فتح هذه المعارك اليوم، باسم الغيرة على الدين أو الدفاع عن العقيدة، فهو لا يحمي الإسلام، بل يهدد السلم الوطني، ويضع المجتمع على طريق فتنة لا يعرف أحد كيف يمكن أن تنتهي.

احذروا استدراج الجزائر إلى خندق الحروب الدينية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين الجزائريين ومذاهبهم، بل بين دولة تريد حماية وحدتها ومرجعيتها، وتيارات تريد تحويل الدين إلى سلاح ضد المجتمع. وإذا لم تتحرك الدولة مبكراً، وإذا لم يُضبط هذا الملف بعقل وصرامة وعدل، فقد نجد أنفسنا أمام نار لا تشبه إلا أسوأ ما عرفته الجزائر في تاريخها الحديث.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

حرب إسلاموية رقمية لتزوير ذاكرة الجزائريين

تعود الآلة الدعائية الإسلاموية، بين فترة وأخرى، إلى فتح ملفات العشرية السوداء بالطريقة نفس…