من أعطى الجهل حق توزيع صكوك الوطنية في الجزائر؟
قرأت، خلال الفترة الأخيرة، عدة منشورات ومقالات تتناول القضية اللغوية في الجزائر. وللأسف الشديد، وصل بعضها إلى مستوى خطير من التخوين، حتى صار من يتكلم الفرنسية، في نظر هذا التيار، مشبوهاً في وطنيته، وامتداداً للاستعمار الفرنسي، بل إن هناك من يذهب أبعد من ذلك حين يربط اللغة بالعقيدة، وكأن من درس الفرنسية أو يتقنها أصبح تلقائياً علمانياً أو بعيداً عن الإسلام.
هذا المنطق ليس نقاشاً لغوياً، ولا دفاعاً عن العربية، ولا انتصاراً للهوية الوطنية. إنه خليط من الجهل والحقد والتوظيف الإيديولوجي، وربما شيء من التآمر على الوعي الجزائري نفسه. فقد بدأت، منذ فترة ليست قصيرة، عملية خطيرة تُقدَّم فيها فئة معينة على أنها وحدها صاحبة الوطنية، ووحدها المخولة بتوزيع صكوك الانتماء، بينما يُدفع كل من درس الفرنسية أو كتب بها أو اشتغل بها إلى خانة الشبهة والعمالة.
لا أستطيع أن أصنف هذا السلوك، هل هو خبث، أم جهل، أم تآمر، أم الثلاثة معاً؟ لأن ما يجري اليوم لا علاقة له بالنقاش الطبيعي حول مكانة اللغات في الجزائر، بل بمحاولة سرقة التاريخ الوطني والتحرري، وتحويله إلى ملكية خاصة لمن يعتبرون أنفسهم أوصياء على اللغة والدين والوطنية.
لم أسمع، ولم أقرأ، طيلة حياتي المهنية التي قادتني إلى زيارة دول عديدة عبر العالم، أن مواطناً هندياً خوّن ابن بلده لأنه يتكلم اللغة الإنجليزية، رغم أنها لغة الاستعمار البريطاني. ولم أسمع أن مواطناً مصرياً اتهم مواطناً آخر في وطنيته أو دينه لأنه يتقن الإنجليزية. ولم أسمع أن كوبياً خوّن مواطناً كوبياً لأنه يتكلم الإسبانية، ولا أن برازيلياً عُدَّ عميلاً لأنه يتحدث البرتغالية، وهي أيضاً لغة استعمارية تحولت إلى لغة رسمية للبرازيل.
أما في الجزائر، فقد أصبح من تعلم الفرنسية بعد الاستقلال يُقدَّم عند بعضهم كخائن وعميل، رغم أنه درسها في مدارس الدولة الجزائرية، وتحت سلطة حكام جزائريين، كثير منهم من الرعيل الأول للثورة التحريرية. وهذا أمر لا أكاد أجد له وصفاً، لأنه يعني ببساطة أن يأتي ابن اليوم ليحاكم جيل والده وجده، ويتهمه بالعمالة لأنه تعلم لغة كانت الدولة الوطنية نفسها تدرّسها بعد الاستقلال.
الكثير من الجزائريين أصبحوا معلمين، وأساتذة، ومترجمين، وأدباء عالميين، وأطباء، وصيادلة، ومهندسين، وإطارات دولة، بفضل هذه اللغة أو من خلالها. فهل يتحول هؤلاء فجأة إلى خونة لأن تياراً متشنجاً قرر أن يجعل من الفرنسية معياراً للخيانة، ومن الجهل بها دليلاً على الوطنية؟
المفارقة المؤلمة أن الجزائري الذي لم يبذل أي مجهود لتعلم هذه اللغة قد يصبح، في نظر هذا الخطاب، أشرف وطنياً وأقرب إلى الصفاء العقائدي ممن درس وتعب واجتهد لسنوات حتى أتقن الفرنسية، وأصبح طبيباً يعالج الناس، أو مهندساً يبني، أو أستاذاً يدرّس، أو كاتباً يدافع عن الجزائر في الخارج. ثم يأتي من لم يتعلم، ولم يجتهد، ولم ينجز، ليشتمه ويخوّنه فقط لأن تياراً تافهاً أقنعه بأن الفرنسية هي لغة الاستعمار.
نعم، الفرنسية كانت لغة الاستعمار في الجزائر، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدل. لكن الإنجليزية أيضاً كانت لغة استعمار في الهند، وفي إفريقيا، وفي مناطق واسعة من العالم. والإسبانية والبرتغالية والروسية والهولندية كلها لغات ارتبطت بتاريخ استعماري في مناطق مختلفة. فهل ألغت الشعوب هذه اللغات من حياتها؟ أم حولتها إلى أدوات معرفة، وعمل، ودبلوماسية، وعلم، وتواصل، دون أن تتخلى عن هويتها؟
الأخطر أن نفس التيار الذي يهاجم الفرنسية بحجة أنها لغة استعمار، يدعو إلى تعلم الإنجليزية دون أن يشرح للناس أنها هي الأخرى لغة إمبراطوريات استعمارية كبرى. المشكلة إذن ليست في الاستعمار ولا في الذاكرة، بل في استعمال اللغة كسلاح إيديولوجي لتخوين فئة من الجزائريين، ولخلق عداوة مصطنعة بين أبناء البلد الواحد.
ما ذنب الرئيس عبد المجيد تبون، مثلاً، الذي درس الفرنسية في بلده بعد الاستقلال، ويتحدث بها بطلاقة، كما يتحدث العربية أيضاً؟ هل ارتكب جريمة لأنه تعلم لغة كانت موجودة في المدرسة والإدارة والتكوين؟ هل كل من درس الفرنسية في الجزائر المستقلة صار محل شبهة؟ هل انتهت حرب الاستقلال سنة 1962 أم أن البعض يريد إبقاءها مفتوحة داخل عقول الجزائريين، لا ضد الاستعمار، بل ضد بعضهم البعض؟
في الحقيقة، ما نعيشه ليس حرباً بين العربية والفرنسية، ولا بين الوطنية والعمالة. إنها، في جزء كبير منها، حرب انتقام الجهل من العلم. وحسب هذا المنطق الذي يجد أحياناً منابر وصحفاً ممولة من الخزينة العمومية تدافع عنه، فإن الكاتب العالمي ياسمينة خضرا، وقبله رشيد بوجدرة، وكاتب ياسين، وغيرهم من الأسماء الجزائرية الكبيرة، كان عليهم ألا يتعلموا الفرنسية، وألا يكتبوا بها، وألا يوصلوا صوت الجزائر إلى العالم.
كان على ياسمينة خضرا، حسب هذا المنطق البائس، ألا يتقن الفرنسية، وألا يدافع بها عن الجزائر في القنوات والمنابر الفرنسية، وألا يكتب روايات تُترجم لاحقاً إلى لغات أخرى. كان عليه، فقط لإرضاء تيار الجهل والحقد والتخوين، أن يبقى خارج العالمية، وأن لا يستعمل لغة يعرف بها العالم، حتى لا يتهمه أحد بأنه أقل وطنية ممن لا يعرف إلا توزيع الاتهامات.
والأمر لا يتوقف عند الأدباء. كم من طبيب جزائري درس بالفرنسية؟ كم من صيدلي؟ كم من مهندس؟ كم من باحث؟ كم من أستاذ جامعي؟ كم من إطار إداري؟ هل سنرمي كل هؤلاء في خانة الخيانة لأنهم تعلموا لغة كانت جزءاً من واقع الجزائر التعليمي والإداري بعد الاستقلال؟ هل أصبحت الوطنية تقاس بعدد اللغات التي لا نعرفها، لا بما قدمه الإنسان لبلده؟
هذا الذي لا يبذل جهداً في التعلم، ولا يعرف أحياناً حتى أبجديات الإنجليزية التي تُدرَّس في الجزائر منذ عقود، أصبح يحكم على الجزائريين الذين اجتهدوا وتعلموا وعملوا، وصاروا أطباء ومهندسين وسفراء وصيادلة ومترجمين وإطارات. والغريب أن الغالبية العظمى من هؤلاء الإطارات تتحكم في أكثر من لغة، وتستعملها لخدمة نفسها وبلدها، بينما يكتفي أصحاب التخوين بالصراخ.
ثم ماذا نقول عن ملايين الجزائريين في الخارج؟ عدد كبير من الجزائريين المقيمين خارج الوطن يعيشون في فرنسا أو في دول ناطقة بالفرنسية، وأبناؤهم وبناتهم يدرسون ويتكلمون ويعملون بهذه اللغة. فهل يعني هذا، حسب خطاب هؤلاء، أنهم خونة؟ هل يجب تجريدهم من جواز السفر الجزائري؟ هل يجب نزع الجنسية عنهم لأنهم تعلموا الفرنسية أو يتكلمون بها في حياتهم اليومية؟
إنها الكارثة عندما يتحول الجهل إلى معيار للوطنية. المسلم في نظر هذا الخطاب لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اختار اللغة التي يرضى عنها التيار، والوطني لا يكون وطنياً إلا إذا تحدث كما يريدون، وكتب كما يشتهون، وكره كما يكرهون. أما من يخالفهم، فهو عندهم علماني، أو عميل، أو مشكوك في انتمائه، أو خارج عن الوطنية.
والمصيبة أن بعض من يفكر بهذه الطريقة يدعي أنه امتداد لجمعية العلماء المسلمين، ووريث لخط عبد الحميد بن باديس. والحقيقة أن ابن باديس كان أكبر وأعمق من هذا الاختزال البائس. كان مشروعه مشروع تعليم، ونهضة، ووعي، لا مشروع تخوين لغوي. وقد رُوي عنه في سياق دعم تعليم البنات وفتح المدارس أنه لم يكن يرى النهضة ممكنة دون تعليم المجتمع كله، رجالاً ونساءً. فكيف يأتي اليوم من يدّعي الانتساب إلى هذا الإرث، ثم يحول اللغة إلى محكمة تفتيش ضد الجزائريين؟
الوطنية لا تبنى بالتخوين، ولا تقاس باللغة التي تعلمها الإنسان في المدرسة، ولا بعدد الكلمات الفرنسية أو العربية أو الإنجليزية التي يستعملها. الوطنية تقاس بما يقدمه المواطن لبلده، وبمدى احترامه لتاريخه، وبقدرته على العمل، والإنتاج، والدفاع عن الجزائر، لا بصراخه ضد لغة تعلمها ملايين الجزائريين في مدارس الدولة الجزائرية.
أما تحويل المعرب وحده إلى مالك للوطنية، والمتفرنس إلى متهم دائم، فهو تزوير للتاريخ. الثورة الجزائرية لم تكن ملكاً لفئة لغوية واحدة. فيها من كتب بالعربية، وفيها من كتب بالفرنسية، وفيها من تكلم الأمازيغية، وفيها من لم يدخل مدرسة أصلاً، لكنه حمل السلاح أو دعم الثورة أو ضحى بما يملك. فكيف يأتي اليوم من يريد تقسيم ذاكرة التحرير حسب اللغة؟
الجزائر لم تتحرر بلغة واحدة، ولم تُبنَ بلغة واحدة، ولن تتقدم بلغة واحدة. الجزائر تحتاج العربية لأنها لغتها الوطنية والرسمية وعمقها الحضاري، وتحتاج الأمازيغية لأنها جزء أصيل من هويتها، وتحتاج الفرنسية لأنها جزء من واقعها التاريخي والاجتماعي والعلمي، وتحتاج الإنجليزية لأنها لغة علم وتكنولوجيا وتواصل دولي. الدول العاقلة لا تحارب اللغات، بل تحارب الجهل.
ما نراه اليوم هو وطنية رخيصة، وطنية “زوج فرنك”، تصنع من اللغة معركة وهمية، وتترك المعارك الحقيقية: التعليم، البحث العلمي، الصناعة، الصحة، الاقتصاد، التكنولوجيا، والعدالة الاجتماعية. بدل أن نسأل لماذا لا يتقن الطالب الجزائري العربية كما ينبغي، ولا الفرنسية كما ينبغي، ولا الإنجليزية كما ينبغي، نضيّع الوقت في تخوين من تعلم، وشتم من اجتهد، وتمجيد من لا يريد أن يتعلم أصلاً.
في عصر تتسابق فيه الأمم على تعدد اللغات، وعلى الذكاء الاصطناعي، وعلى البحث العلمي، وعلى الترجمة، وعلى الصناعة المعرفية، ما زال بعضنا يناقش هل من يتكلم الفرنسية خائن أم لا. وهذا وحده يكشف حجم الانحطاط الذي نعيشه. فالعالم لا ينتظرنا، والتاريخ لا يرحم الشعوب التي تحول الجهل إلى فضيلة، والتعلم إلى تهمة.
إن الدفاع عن العربية لا يكون بشتم الفرنسية، والدفاع عن الهوية لا يكون بتخوين الجزائريين، والدفاع عن الإسلام لا يكون باتهام من تعلم لغة أجنبية بأنه علماني أو مشكوك في دينه. الإسلام لم يكن يوماً ضد العلم، ولا ضد الترجمة، ولا ضد تعلم لغات الناس. والحضارات لم تنهض إلا عندما أخذت من غيرها، وترجمت، وتعلمت، ثم أضافت.
الجزائر تحتاج إلى عقول تتعلم، لا إلى ألسنة تخوّن. تحتاج إلى شباب يتقن العربية والفرنسية والإنجليزية ولغات أخرى، لا إلى شباب يظن أن الوطنية تعني كراهية لغة بعينها. تحتاج إلى مدرسة قوية تُعلّم أبناءها كيف يفكرون، لا كيف يكرهون. وتحتاج إلى خطاب وطني جامع، لا إلى تيار يريد أن يقسم الجزائريين بين “وطني” و“خائن” حسب اللغة التي يتكلمون بها.
الوطنية ليست في كره الفرنسية، ولا في تمجيد الإنجليزية، ولا في استعمال العربية كشعار سياسي. الوطنية في بناء بلد يعرف لغاته، يحترم تاريخه، يستعمل كل أدوات المعرفة المتاحة، ولا يسمح للجهل أن يلبس لباس الدين والوطنية ليحاكم ملايين الجزائريين.
إذا كان من درس الفرنسية خائناً، فمعنى ذلك أن جزءاً كبيراً من أجيال الجزائر المستقلة، من رؤساء، ووزراء، وأطباء، وأساتذة، ومجاهدين، وكتاب، وإطارات، ومهاجرين، وأبناء مهاجرين، يجب أن يُوضع في قفص الاتهام. وهذا عبث لا يقوله إلا من يريد أن يحاكم الجزائر كلها لا أن يدافع عنها.
لذلك يجب أن يقال بوضوح: اللغة ليست خيانة. تعلم الفرنسية ليس عمالة. تعلم الإنجليزية ليس خلاصاً. الجهل وحده هو الخطر. والتخوين هو الخطر. وسرقة التاريخ باسم اللغة هي الخطر. أما الجزائر، فهي أكبر من هذا الخطاب الصغير، وأكبر من تيار يريد تحويل العجز عن التعلم إلى بطولة، وتحويل الكراهية إلى وطنية، وتحويل اللغة إلى سلاح ضد الجزائريين.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
حرب إسلاموية رقمية لتزوير ذاكرة الجزائريين
تعود الآلة الدعائية الإسلاموية، بين فترة وأخرى، إلى فتح ملفات العشرية السوداء بالطريقة نفس…






