فتوى السبي ورضّع العشرية.. من يحاسب صُنّاع الدين الموازي؟!
لفت انتباهي، خلال استضافة الشيخ بن عزوز زبدة في بودكاست يومية “الخبر”، ما صرّح به بشأن طلبٍ قال إنه تلقّاه من الجماعات الإرهابية خلال العشرية السوداء. فبحسب روايته، طُلب منه إصدار فتوى تعتبر الفتيات والنساء الجزائريات المختطفات “سبايا” على غرار سبايا أوطاس، حتى يصبح استغلالهن جنسيًا “جائزًا شرعًا” في نظر تلك الجماعات. كما شاهدتُ فيديو ثانيًا يتحدث فيه شيخ، دون أن يُظهر وجهه، عن الفتوى المنسوبة إلى أبي قتادة الفلسطيني، الذي كان يقيم في لندن آنذاك، والتي قضت هيئة قضائية بريطانية بأنها برّرت قتل زوجات “المرتدين” وأطفالهم في الجزائر، فيما يقول أبو قتادة إنها أُسيء فهمها. ويؤكد المتحدث في الفيديو أن عمليات قتل الرضّع على أيدي الإرهابيين وقعت بعد صدور هذه الفتوى. وهي، إن صحّت، شهادة أخرى على جرائم الجماعات المسلحة واستسهالها القتل دون أدنى تأنيب للضمير، إن كان لديها ضمير أصلًا.
الشهادتان مهمتان بلا شك، لكنهما جاءتا متأخرتين بعشرات السنين عن مرحلة ارتكاب تلك الجرائم البشعة، حين كاد الإرهاب أن يدمّر الدولة الجزائرية الفتية. ومن حق القارئ أن يتساءل: لماذا لم نسمع بهذه الشهادة إلا اليوم؟ وما جدواها الآن، سوى كتابة التاريخ بعد فوات الأوان؟ ألم يكن من الممكن أن يُسهم كشفها في حينه في تفادي بعض الجرائم؟ فرفض الشيخ إصدار تلك الفتوى، كما يروي، لم يوقف العمل الإجرامي بحق النساء الجزائريات. إذ تفيد شهادات من تلك الفترة بأن بعض المختطفات ذُبحن بدم بارد بعد أن حملن، للتخلص منهن نهائيًا. ولو كُشف هذا الأمر علنًا في حينه، لربما حافظنا على أرواح كثيرة ومنعنا جرائم بشعة ارتُكبت باسم الدين.
ولا أزال إلى اليوم أبحث عن “السبب الديني” الذي يمكن أن يدفع شابًا إلى ذبح والدته. فمن القصص المتداولة عن تلك المرحلة في باتنة قصة شاب يُروى أنه ذبح أمه أمام جدّته وهي تصرخ، لأن شيخًا ما أقنعه بأن المرأة التي لا تضع قطعة قماش على رأسها كافرة. وأيًّا كانت تفاصيلها، فهي تطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لفكر أن يجرّد إنسانًا من كل إحساس تجاه أمٍّ منحته الحياة؟ وللأسف، عرفت سوريا حادثة مشابهة مطلع عام 2016. فقد أفادت منظمات رصد بأن عنصرًا في تنظيم “داعش” أعدم والدته علنًا في الرقة، بعدما نصحته بترك التنظيم ومغادرة المدينة معها، وقيل أيضًا إنها كانت من الطائفة العلوية. فوشى بها لدى جماعته التي اتهمتها بالردّة، ثم نفّذ فيها حكم الإعدام بنفسه.
إن ما قاله الشيخ بن عزوز زبدة يستدعي اهتمامًا خاصًا من الهيئات الدينية المكلّفة بالحفاظ على المرجعية الدينية الوطنية. فعليها أن تقف بحزم في وجه فوضى الفتاوى التي نراها اليوم، حتى لا نعود إلى سنوات العشرية السوداء. كما يقتضي ذلك العمل على تأطير الفتوى ومنعها خارج الأطر الرسمية، وفق المرجعية الدينية الوطنية.
غير أن الهيئات الدينية الرسمية، سواء وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أو المجلس الإسلامي الأعلى، لا تبدو لي حاضرة في هذا الملف بالقدر المطلوب. فالمجلس، في تقديري، لا يمنح مسألة الفتاوى المنافية للمرجعية الوطنية ما تستحقه من نقاش علني. والأمر نفسه ألاحظه في نشاطات الوزارة، التي لا ألمس فيها اهتمامًا كافيًا بواقع الفتوى، ولا بمتابعة ما يُلقى من خطب في المساجد.
إن ما كشفه الشيخ بن عزوز زبدة، إن ثبت، أمر في غاية الخطورة. وهو يستوجب التمعّن فيه وتحليله، والبحث عن آليات تمنع نشوء “دين موازٍ” بدأنا نرى بعض مؤشراته، وقد أدى في الماضي إلى جرائم لا تُعدّ ولا تُحصى في حق الجزائر.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
بعد 2030 لا مكان لـ”المغامرين”.. السيسي يضع الأكاديمية العسكرية بوّابةً لكرسي الرئاسة
أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن ولايته الرئاسية تنتهي سنة 2030، واصفًا الأمر بأنه …






