‫الرئيسية‬ الأولى قوى “غير دستورية” تتحكم في الرياضة الجزائرية!…
الأولى - رأي - رياضة - مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

قوى “غير دستورية” تتحكم في الرياضة الجزائرية!…

قوى "غير دستورية" تتحكم في الرياضة الجزائرية… من يحكم فعلًا؟
أطلق صحفي جزائري متخصص في الشأن الرياضي، خلال ظهوره على إحدى القنوات الوطنية، تصريحًا خطيرًا قال فيه إن شخصًا أو شخصين يتحركان من وراء الستار، ويقرران كل صغيرة وكبيرة في قطاع الرياضة، بينما لا يفعل رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم سوى تنفيذ إملاءاتهما دون نقاش أو اعتراض.

هذا التصريح مخيف فعلًا، ليس فقط بسبب ما يتضمنه من حديث عن طريقة تسيير قطاع حساس مثل الرياضة، بل لأنه يوحي، إن صحّ طبعًا، بوجود أشخاص لا يحملون أي صفة رسمية معلنة، ومع ذلك يملكون سلطة اتخاذ القرار والتأثير في مؤسسات يفترض أنها تعمل وفق قوانين الجمهورية وتحت رقابة السلطات الدستورية.

نأخذ كلام الصحفي بكل تحفظ، لأنه لم يقدم أسماءً ولا وثائق ولا أدلة علنية تسمح للرأي العام بالتأكد من صحة ما قاله، لكن خطورة التصريح تفرض مناقشته وعدم المرور عليه كأنه مجرد تعليق عابر داخل حصة رياضية.

عندما يقول إعلامي معروف إن شخصًا أو شخصين من وراء الستار يقرران مصير الرياضة الجزائرية، فهذا يعني أننا قد نكون أمام قوى غير دستورية تتدخل في التعيينات والقرارات والعقود والخيارات الاستراتيجية، من دون أن يعرف المواطن من تكون، وما الصفة التي تحملها، ومن منحها الحق في التدخل، ولصالح من تتحرك.

السؤال هنا لا يتعلق فقط برئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، ولا بمدرب المنتخب الوطني، ولا بنتيجة مباراة أو إقصاء رياضي، بل يتعلق بمبدأ أساسي في تسيير الدولة: من يقرر؟ وهل تتخذ القرارات داخل المؤسسات الرسمية، أم في اجتماعات غير معلنة يجلس فيها أشخاص لا يعرفهم الشعب ولا يخضعون لأي رقابة أو مساءلة؟

ما يدفعنا إلى طرح هذا الموضوع هو التجربة المريرة التي عاشتها الجزائر خلال سنوات حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وهي المرحلة التي ارتبطت بفضائح فساد واسعة وبظهور دوائر نفوذ كانت تحيي وتميت، رغم أنها لا تتمتع بأي شرعية دستورية أو انتخابية.

لقد ظهر خلال تلك المرحلة أشخاص ورجال أعمال وأقارب ومستشارون ومسؤولون غير منتخبين، يملكون نفوذًا يفوق أحيانًا نفوذ الوزراء والمؤسسات الرسمية. وكان الجزائريون يسمعون عن قرارات مصيرية تتخذ خارج الحكومة، وعن مسؤولين يُعيّنون ويُقالون بتدخل من شبكات لا يعرف أحد حدودها الحقيقية.

ولهذا وُصفت تلك المجموعات في الخطاب السياسي والإعلامي آنذاك بأنها «قوى غير دستورية»، لأنها كانت تتلاعب بمصير الجزائر وتتدخل في شؤون الدولة خارج الأطر القانونية، وتفرض قراراتها على مؤسسات كان يفترض أنها تمثل الجمهورية وتحمي مصالح الشعب. ولا أشك لحظة واحدة في أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون هو المسؤول الأول في الدولة، وأنه صاحب الشرعية الدستورية في إدارة شؤون البلاد وتمثيل الجزائر، كما لا أعتقد أنه يقبل بعودة ممارسات شبيهة بتلك التي عانى منها شخصيًا خلال عهد بوتفليقة.

فالرئيس تبون نفسه كان من بين المسؤولين الذين اصطدموا، في مرحلة سابقة، بدوائر نفوذ المال والسياسة التي كانت تتصرف وكأنها فوق الدولة، وتقرر مصير الوزراء والحكومات والمؤسسات وفق مصالحها الخاصة.

لكن حماية الدولة من القوى غير الدستورية لا تتحقق بالنوايا وحدها، بل بالشفافية، وبوضوح آليات اتخاذ القرار، وبإجبار المسؤولين على شرح خياراتهم أمام الرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات تكلف الخزينة العمومية أموالًا ضخمة أو تؤثر في صورة الجزائر ومكانتها.

إن غياب الشفافية عن بعض القرارات الرياضية، ولا سيما الجدل الذي رافق مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم، ثم تمديد عقد المدرب فلاديمير بيتكوفيتش، فتح الباب أمام عشرات الأسئلة والتأويلات.

المشكلة ليست فقط في تمديد العقد، لأن الاتحادية قد تملك مبررات رياضية وقانونية لذلك، وإنما في توقيت القرار، وطريقة اتخاذه، وغياب الشروحات المقنعة حول الجهة التي اقترحته، والأهداف التي كان يفترض تحقيقها، والكلفة المالية المترتبة عليه، والضمانات التي تحمي مصالح الجزائر في حال فشل المشروع الرياضي.

عندما تُتخذ قرارات بهذه الأهمية في غياب كامل للشفافية، وعندما لا يجد الصحفيون والمتابعون أجوبة واضحة، يصبح المجال مفتوحًا أمام الشكوك، ويبدأ المواطن في الاعتقاد بأن هناك قوى خفية تدير مصالحها من وراء الستار، وأن بعض المسؤولين الرسميين ليسوا سوى واجهة لتنفيذ قرارات صادرة عن جهات غير معلنة.

وما يقال على وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من اتساع دائرة الشك، حيث تتكرر روايات عن أشخاص يتدخلون في قضايا حساسة، وعن شبكات تملك القدرة على التأثير في المؤسسات، من دون أن يعرف المواطن كيف تعمل، ومن يقودها، وما مصالحها الحقيقية.

طبعًا، لا يمكن اعتبار كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي حقيقة، ولا يجوز بناء اتهامات على الإشاعات، لكن تكرار الحديث عن مراكز قرار موازية يفرض على المؤسسات الرسمية أن تخرج عن صمتها، وأن تقدم المعلومات للرأي العام بدل ترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات.

المواطن الجزائري اكتوى لسنوات من وجود مجموعات موازية للمؤسسات، وبعضها كان يتمتع بنفوذ يسمح له بالتدخل حتى في الأجهزة الرسمية، واستعمال الدولة لتصفية الحسابات أو حماية المصالح الخاصة. وقد روى لي أحد المعارضين الجزائريين، خلال فترة بوتفليقة، أنه اكتشف بالصدفة، بفضل ميكانيكي كان يصلح سيارته، وجود خلل يشتبه في أنه متعمد وكان يمكن أن يتسبب له في حادث خطير. تبقى هذه رواية شخصية لا أملك الأدلة التقنية والقضائية التي تسمح بتحويلها إلى اتهام مباشر، لكنها تعكس حجم الخوف الذي كان يعيشه كثير من الجزائريين أمام شبكات النفوذ غير المرئية.

القوى غير الدستورية يجب ألا يكون لها مكان في الجزائر، مهما كان قطاع نشاطها: سياسيًا أو رياضيًا أو اقتصاديًا أو إعلاميًا أو اجتماعيًا. كما يجب رفض أي شبكة نفوذ قائمة على المصالح العائلية أو الجهوية أو المالية أو الدينية أو على الصداقات الشخصية التي تتجاوز القانون وتمنح أصحابها امتيازات لا يملكون أي حق فيها.

المشكلة ليست في وجود علاقات بين الأشخاص، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، وإنما في تحول هذه العلاقات إلى شبكات مغلقة تخترق مؤسسات الدولة، وتعطل القوانين، وتفرض المسؤولين، وتوزع الصفقات والمناصب، ثم تمنع الرقابة والمحاسبة.

كل دول العالم تحارب شبكات النفوذ التي تعمل خارج القانون، لأنها تؤسس لدولة داخل الدولة، وتضعف المؤسسات الرسمية، وتفقد المواطن ثقته في العدالة وفي نزاهة الإدارة وفي جدوى المشاركة السياسية. وعندما يشعر المواطن بأن القرارات لا تتخذها الجهات التي يعرفها، وأن المسؤول الرسمي لا يملك القرار الحقيقي، فإن الثقة في الدولة تبدأ في الانهيار، ويصبح كل منصب محل شك، وكل صفقة محل اتهام، وكل قرار عرضة للتأويل.

من حق الجزائريين أن يعرفوا من يدير قطاع الرياضة، ومن اتخذ قرار تمديد عقد المدرب، ومن يتحمل مسؤولية النتائج، وما الدور الحقيقي لكل مسؤول داخل الاتحادية ووزارة الرياضة والهيئات الأخرى. وإذا كان تصريح الصحفي غير صحيح، فمن واجب الجهات المعنية أن تنفيه بوضوح وتطلب منه تقديم أدلته. أما إذا كان يملك معلومات دقيقة عن أشخاص يقررون من وراء الستار، فعليه أن يتحمل مسؤوليته المهنية، وأن يضع ما لديه أمام الجهات الرقابية والقضائية المختصة.

لا يكفي إطلاق التصريحات الخطيرة على شاشة التلفزيون، ثم ترك الرأي العام غارقًا في الشكوك. فالحديث عن أشخاص مجهولين يسيطرون على الرياضة ليس خبرًا رياضيًا بسيطًا، بل اتهام يمس طريقة تسيير مؤسسات الدولة، ويجب إما إثباته وإما تصحيحه.

شخصيًا، أتمنى ألا تعود الجزائر إلى ما عرفته من فساد سياسي ومؤسساتي خلال السنوات الأخيرة من عهد بوتفليقة، وأن تبقى تلك المرحلة صفحة بائسة من تاريخ البلاد، يجب استخلاص الدروس منها لا إعادة إنتاجها بأسماء وواجهات جديدة.

إن الجزائر الجديدة لا يمكن أن تُبنى بوجود مسؤولين رسميين في الواجهة وأصحاب قرار مجهولين في الخلف. ولا يمكن محاربة الفساد بينما تظل آليات اتخاذ القرار غامضة، ولا يمكن الحديث عن دولة القانون إذا كان شخص أو شخصان قادرين على فرض إرادتهما على قطاع كامل دون صفة دستورية أو رقابة.

القضية اليوم أكبر من كرة القدم ومن نتائج المنتخب الوطني. إنها قضية دولة ومؤسسات وشرعية وشفافية. وعلى الجهات المعنية أن تطمئن الجزائريين بالحقيقة، لأن الفراغ في المعلومات لا يبقى فارغًا طويلًا، بل تملؤه الإشاعات والشكوك والاتهامات.

الجزائريون لا يريدون العودة إلى زمن القوى غير الدستورية، ولا إلى مرحلة كانت فيها القرارات تصدر من خارج المؤسسات. إنهم يريدون دولة يعرفون من يحكمها، ومن يقرر داخلها، ومن يحاسب عند الخطأ، لأن الدولة التي تعمل من وراء الستار لا يمكن أن تكون دولة قانون.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

حين تصمت المؤسسات… تصنع الإشاعة وعي الجزائريين وتُسقط مصداقية الدولة

الدول المحترمة لا تترك صناعة الأكاذيب وانتشار المعلومات المغلوطة من دون مواجهة، مهما كان ا…