‫الرئيسية‬ الأولى الراحل لمين مرباح كما عرفته
الأولى - فنون وثقافة - مقالات - ‫‫‫‏‫4 دقائق مضت‬

الراحل لمين مرباح كما عرفته

الراحل لمين مرباح كما عرفته
التحق بجوار ربه المخرج الجزائري لمين مرباح، بعد معاناة دامت سنوات مع مرض نادر جداً، لم يجد له الأطباء أثراً عضوياً واضحاً، بل صنّفوه ضمن الأمراض النفسية ذات التأثير على الجسد، أو ما يعرف بالأمراض السيكوسوماتية. رحل صاحب رائعة «بني هندل»، ذلك الفيلم الذي أخرجه الراحل لمين مرباح بالاعتماد على بحث سوسيولوجي أكاديمي للأستاذ الجيلالي صاري، وعالج فيه علاقة الشعب الجزائري بأرضه، وكيف عملت ظروف الاستعمار على تغيير تلك العلاقة العميقة بين الإنسان والتراب.

وشخصياً، أعتبر هذا العمل من أهم أعمال الراحل لمين مرباح، ابن مدينة قصر الشلالة، مدينة الهضاب العليا، التي أعطت للجزائر عدة وجوه سياسية وثقافية، من بينها الدبلوماسي والمجاهد سعد دحلب، ووالد المخرج الراحل، مولاي مرباح، الذي كان ملازماً لرحلة أب الوطنية الجزائرية مصالي الحاج في مختلف مراحله السياسية، من نجم شمال إفريقيا إلى حزب الشعب، وكان مولاي مرباح يجد نفسه، في عدة مراحل، أمام مسؤولية تسيير الحزب في غياب مصالي الحاج، الذي كان الاستعمار الفرنسي يقوم بسجنه بسبب وبدون سبب.

التقيت آخر مرة بالراحل لمين مرباح منذ سنوات في بروكسل، وكان حينها في رحلة علاج، يبحث عن فهم المرض الغريب الذي ألمّ به وأثر على حركة جسده. كان يريد أن يعرف ما الذي يحدث له، وكيف يمكن لجسد مبدع، ظل لسنوات يتحرك بالكاميرا والفكرة والصورة، أن يجد نفسه فجأة أمام عجز لا يفسره الأطباء بسهولة. غير أن الفحوصات لم تكشف سبباً فيزيائياً واضحاً، فوُصف المرض بأنه نفسي التأثير، جسدي الأعراض، وقدمت له حينها علاجات للتخفيف من آلامه وأعراضه.

وكان اللقاء رفقة شقيقه، المخرج عبد القادر مرباح، والفنان التشكيلي جمال مرباح، المقيم في مدينة لياج البلجيكية، والمعروف بلوحاته الفنية الجميلة داخل الأوساط المحبة للفن والرسم. كان لقاءً عائلياً وفنياً وإنسانياً في الوقت نفسه، جمع بين المرض والذاكرة، وبين الحنين إلى الجزائر والحديث عن السينما، وبين ألم الجسد وحضور الروح المبدعة التي لم تكن قد انطفأت في داخله.

توفي الراحل لمين مرباح بعد معاناة طويلة مع مرض قاسٍ، لكنه مرض لم يؤثر على إنتاجه الفكري، ولا على رغبته في إنجاز أعمال فنية كثيرة بثها التلفزيون الجزائري. بقي منتجاً، ومتشبثاً بالإخراج، ومتصلاً بعالم الصورة إلى آخر يوم في حياته. لم يتوقف، ولو للحظة واحدة، عن التفكير في العمل، رغم ظروفه الصحية الصعبة، وكأن السينما كانت بالنسبة إليه ليست مجرد مهنة، بل طريقة في الوجود، ووسيلة لمقاومة المرض والنسيان.

ما زلت أتذكر نقاشي معه عندما كان مديراً عاماً لشركة الإنتاج السمعي البصري التابعة للقطاع العام، وكنت أحاول إقناعه بتسجيل شهادات والده، المجاهد مولاي مرباح، حول الحركة الوطنية ومراحل الثورة التحريرية، وحتى فترة ما بعد الاستقلال، حين كان منفياً في مدينة ورقلة ويشتغل محامياً، إضافة إلى حياته في ألمانيا خلال فترة الحركة الوطنية. كنت أرى أن شهادة مولاي مرباح ليست ملكاً للعائلة وحدها، بل جزء من الذاكرة الوطنية التي يجب أن تُحفظ للأجيال.

دارت بيني وبين الراحل لمين مرباح نقاشات طويلة في هذا الموضوع. حاولت أن أشرح له أن تسجيل تلك الشهادات لا يعني استغلالها إعلامياً أو سياسياً، بل حفظها وصونها، على أن لا تُستعمل إلا من طرف المؤرخين والباحثين المختصين لأغراض الدراسة والبحث التاريخي. كنت أعتقد، وما زلت أعتقد، أن رجالاً من حجم مولاي مرباح لا يحق للتاريخ أن يمر عليهم في صمت، لأن صمتهم يحرم الأجيال اللاحقة من فهم مسارات دقيقة من تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية.

لكن كلما نقل لمين مرباح هذا الطلب إلى والده، كان مولاي مرباح يقابله بالرفض القطعي. ظل الرجل، كما يبدو، وفياً لصمته، محتفظاً بأسراره، رافضاً أن يفتح دفاتر الماضي، إلى أن توفي رحمه الله، وأخذ معه جزءاً مهماً من ذاكرة الحركة الوطنية إلى دار الحق. وهكذا حُرمت أجيال ما بعد الاستقلال من شهادات رجل كان قريباً من مصالي الحاج، ومن لحظات مفصلية في تاريخ الجزائر السياسي، ومن أسرار كان يمكن أن تضيء كثيراً من المناطق المعتمة في تاريخنا الوطني.

والمرحوم مولاي مرباح من الشخصيات التاريخية التي كانت قريبة من أسماء بحجم مصالي الحاج، ومن عظماء الفكر الوطني الذين لا نجد لهم، للأسف، شهادات مسجلة تحفظ صوتهم وروايتهم للأجيال. وهذه خسارة كبيرة، لأن التاريخ لا يُكتب فقط بالوثائق الرسمية، بل أيضاً بالأصوات الحية، بالذاكرة الشفوية، وبشهادات الرجال الذين عاشوا الأحداث من الداخل، ورأوا ما لم يُكتب، وسمعوا ما لم يصل إلى الأرشيف.

أما لمين مرباح، فقد رحل وهو يترك، بعكس والده، أثراً فنياً واضحاً للأجيال الصاعدة. ترك مدرسة في الفن السابع، ومكتبة أفلام ثرية يمكن الاستفادة منها دراسةً وتوجهاً وإلهاماً لكل من أراد أن يفهم كيف يمكن للسينما أن تكون ذاكرة، وكيف يمكن للصورة أن تحمل سؤال الأرض، والإنسان، والاستعمار، والهوية، والتحرر.

لقد كان لمين مرباح، كما عرفته، مخرجاً مثقفاً، هادئاً، عميقاً، ومتصالحاً مع فكرة أن الفن ليس زينة ثقافية، بل مسؤولية تجاه الذاكرة والمجتمع. لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الضجيج، بل كان من الذين يتركون أعمالهم تتكلم عنهم. ولذلك ستبقى أعماله شاهدة عليه، كما ستبقى «بني هندل» واحدة من العلامات المهمة في السينما الجزائرية التي حاولت أن تفهم علاقة الجزائري بأرضه، لا كموضوع جغرافي فقط، بل كقضية وجود وكرامة وهوية.

رحل لمين مرباح، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، تاركاً وراءه اسماً محترماً، وتجربة فنية تستحق القراءة والدراسة، وذكرى إنسانية لا تُنسى عند من عرفوه واقتربوا منه. رحل الجسد، وبقيت الصورة، وبقيت الأفلام، وبقي ذلك الهدوء العميق الذي كان يميز رجلاً آمن بأن السينما، حين تكون صادقة، تستطيع أن تحفظ ما يعجز الكلام أحياناً عن حفظه.

رحم الله الفقيد لمين مرباح، المخرج المثقف كما عرفته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

حرب اللغات في الجزائر.. نقاش خارج التاريخ

كلما تمكن الإخوان المسلمون من الدفع بأفكارهم إلى واجهة النقاش العام، إلا ودافعوا بشراسة عن…