المرزوقي والصحراء الغربية… حقوق الإنسان تسقط عند حدود المخزن!
عاد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي إلى مهاجمة الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية، في تصريح خاص لجريدة “القدس العربي”، نافياً امتلاكه الجنسيتين الفرنسية والمغربية، ومؤكداً أنه لا يملك سوى الجنسية التونسية، رداً على اتهامات وجهها إليه وزير الثقافة والإعلام الجزائري السابق عبد العزيز رحابي، تحدث فيها عن “توظيف مواد تونس في مهام دبلوماسية لخدمة فرنسا والمغرب” ومحاولة تمرير ما وصفه بـ“صفقة” تقوم على قبول خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية مقابل منح الجزائر منفذاً على المحيط الأطلسي. غير أن المرزوقي لم يكتفِ بنفي الاتهامات المتعلقة بالجنسية أو الاتصال بالسلطات الفرنسية والمغربية، بل ذهب أبعد من ذلك حين حمّل الجزائر مسؤولية ما سماه “الموت السريري” للاتحاد المغاربي بسبب موقفها من القضية الصحراوية.
تصريحات المرزوقي تكشف مرة أخرى أن الرجل لم يخرج من القاموس السياسي نفسه الذي ظل يردده منذ سنوات حول الصحراء الغربية والاتحاد المغاربي. فهو يختزل أزمة إقليمية معقدة، قائمة على قضية تصفية استعمار وحق شعب في تقرير مصيره، في اتهام مباشر للجزائر، وكأن الاتحاد المغاربي كان قائماً ومزدهراً ولم يعطله سوى موقف الجزائر من الشعب الصحراوي. هذا التبسيط، في حد ذاته، ليس قراءة سياسية بريئة، بل محاولة لإعادة ترتيب الوقائع على نحو يخدم الأطروحة المغربية، ويجعل من الجزائر المتهم الدائم، ومن المغرب صاحب اليد الممدودة، رغم أن تاريخ الاتحاد المغاربي نفسه يقول غير ذلك.
المرزوقي يقول إن سياسة الجزائر في قضية الصحراء هي سبب “الموت السريري” للاتحاد المغاربي، وإنها تقود إلى مزيد من الفقر والمعاناة، بل يتحدث عن “المتاجرة بآلام الصحراويين المحتجزين في تندوف منذ أجيال”، وهي عبارات تعيد إنتاج الخطاب المغربي الرسمي تقريباً، ليس فقط في توصيف النزاع، بل أيضاً في نزع الصفة السياسية والقانونية عن قضية الشعب الصحراوي. فالصحراويون، في هذا الخطاب، لا يظهرون كشعب له قضية، ولا كطرف سياسي معترف به في مسار أممي، بل ككتلة بشرية “محتجزة” تستعملها الجزائر. وهذه بالضبط هي الزاوية التي تعتمدها الرباط منذ سنوات لمحاولة إخراج القضية من إطارها الدولي وتحويلها إلى ملف جزائري مغربي فقط.
الأخطر في كلام المرزوقي أنه يتعامل مع موقف الجزائر وكأنه نزوة سياسية أو عقدة تاريخية ضد المغرب، بينما الموقف الجزائري المعلن يقوم على مبدأ معروف في العلاقات الدولية، هو حق الشعوب في تقرير المصير، وهو المبدأ نفسه الذي تأسست عليه شرعية حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومن الغريب أن يصدر هذا النوع من الخطاب عن رجل قدم نفسه طويلاً باعتباره مدافعاً عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، ثم يصبح، عندما يتعلق الأمر بالشعب الصحراوي، أقرب إلى منطق تصفية القضية باسم “المصلحة المغاربية” و“الحكم الذاتي” و“المصالحة التاريخية”.
المرزوقي يحاول أن يقدم نفسه ضحية حملة إعلامية جزائرية، فيقول إن الإعلام الرسمي الجزائري “مجند” ضده، ويستحضر عبارة غوبلز حول الكذب والدعاية، لكنه في الوقت نفسه يستعمل قاموساً شديد القسوة ضد الجزائر، ويتحدث عن “فيتو النظام الجزائري” ضد الثورة الديمقراطية في تونس، ويصف الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد بـ“والي النظام الجزائري على تونس”، وهي عبارة لا تسيء إلى الجزائر فقط، بل تسيء أيضاً إلى الدولة التونسية وإلى الشعب التونسي ومؤسساته. فمن حق المرزوقي أن يعارض قيس سعيد كما يشاء داخل الشأن التونسي، لكن تحويل الخلاف الداخلي التونسي إلى اتهام للجزائر بالوصاية على تونس يكشف أن الرجل لا يجد حرجاً في استعمال نفس الأدوات التي يدعي أنه ضحية لها.
كان بإمكان المرزوقي أن يرد على عبد العزيز رحابي بهدوء، وأن ينفي امتلاك جنسيات أخرى، وأن يوضح علاقته بالمغرب وفرنسا، وأن يدافع عن مواقفه السياسية دون أن ينزلق إلى تحميل الجزائر كل أعطاب المنطقة. لكنه اختار مرة أخرى أن يضع الجزائر في قلب كل فشل: فشل الاتحاد المغاربي، فشل المصالحة مع المغرب، فشل التجربة الديمقراطية في تونس، وحتى تصاعد ميزانيات التسلح. وهذه ليست قراءة سياسية، بل هروب من تعقيدات الواقع نحو عدو جاهز اسمه الجزائر.
المفارقة أن المرزوقي يتحدث عن الاتحاد المغاربي وكأنه مشروع عطّلته الجزائر وحدها، بينما تشير قراءات تاريخية منشورة حول مسار الاتحاد إلى أن المغرب جمد رسمياً عضويته في مؤسسات الاتحاد سنة 1995 احتجاجاً على الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية، وأن الأزمة المغربية الجزائرية بعد 1994 و1995 ساهمت في شل مؤسسات الاتحاد. وهذا يعني أن تحميل الجزائر وحدها مسؤولية “الموت السريري” للاتحاد المغاربي ليس سوى انتقاء للوقائع، لأن الرباط نفسها استعملت الاتحاد ورقة ضغط، وطلبت تجميد مؤسساته عندما لم يخدم الموقف الجماعي أطروحتها في الصحراء.
الأكثر غرابة أن المرزوقي يتحدث عن منفذ للجزائر على المحيط الأطلسي باعتباره من “منافع المصالحة التاريخية”، وكأن الجزائر دولة محاصرة تنتظر صدقة جغرافية من أحد. الجزائر دولة متوسطية وإفريقية كبرى، تملك عمقاً قارياً، وحدوداً واسعة، وثقلاً طاقوياً وجيوسياسياً، ولا تحتاج إلى مقايضة قضية شعب بحق مرور نحو الأطلسي. هذا الطرح، قبل أن يكون سياسياً، يحمل في داخله تصوراً مهيناً للجزائر، لأنه يتعامل معها كدولة يمكن إغراؤها بممر بحري مقابل التخلي عن مبدأ تاريخي في دعم حركات التحرر.
قول المرزوقي إن مقترحه كان يهدف إلى مصالحة تاريخية لا يلغي حقيقة أن هذا المقترح يضع الجزائر في موقع المساوم على قضية ليست ملكاً لها. فالصحراء الغربية ليست عقاراً يمكن نقله بين العواصم، وليست ورقة تفاوض بين الجزائر والمغرب، وليست ثمناً لمنفذ بحري أو مشروع اتحاد مغاربي. هناك شعب صحراوي، وهناك مسار أممي، وهناك نزاع لم يحسم وفق الإرادة الحرة للمعنيين به. ومن يريد بناء اتحاد مغاربي حقيقي لا يبدأ بإلغاء أحد أطراف النزاع ولا بتقديم وصفة جاهزة مستعارة من الرباط.
المرزوقي يقول أيضاً إنه أدان تطبيع المغرب مع إسرائيل، وإن ذلك أدى إلى برودة في علاقته مع الرباط. لكن إدانة التطبيع لا تكفي لتبرئة موقفه من الانحياز الواضح للأطروحة المغربية في الصحراء الغربية. فالكثيرون ينتقدون التطبيع المغربي، لكنهم في الوقت نفسه يكررون رواية الرباط حول الحكم الذاتي والجزائر وتندوف. والاختبار الحقيقي ليس فقط في إدانة التطبيع، بل في رفض استعمال حقوق شعب كعملة تفاوضية، وفي عدم تحويل القضية الصحراوية إلى تفصيل مزعج أمام مشروع مغاربي مبني على تجاهل أصل النزاع.
كما أن المرزوقي يتحدث عن “الحياد الإيجابي” التونسي وكأنه كان وحده المؤهل لتفسيره أو تجاوزه. والحال أن تونس، عبر تاريخ طويل، حاولت الحفاظ على مسافة من النزاع الصحراوي، لا لأنها لا تملك موقفاً أخلاقياً، بل لأنها تدرك حساسية موقعها بين الجزائر والمغرب. غير أن المرزوقي، عندما كان في الرئاسة وبعدها، لم يتعامل مع الملف بحذر دولة، بل بمنطق ناشط سياسي يريد أن يصنع حدثاً مغاربياً سريعاً ولو على حساب توازنات إقليمية عميقة. والنتيجة أن خطابه لم يقرب بين العواصم، بل زاد من حدة الشكوك حول موقعه الحقيقي من الصراع.
هجوم المرزوقي على عبد العزيز رحابي لم يبقَ في حدود الرد الشخصي، بل تحول إلى هجوم على الجزائر وعلى خياراتها. فهو يتحدث عن “الفيتو” الجزائري على شخصه وعلى الربيع العربي، ويصور الجزائر كأنها قوة إقليمية وظيفتها منع الديمقراطية في تونس وإسقاط كل مشروع لا يعجبها. هذه القراءة تلغي مسؤولية الطبقة السياسية التونسية، وتلغي تناقضات الداخل التونسي، وتلغي فشل التحالفات التي حكمت بعد سقوط بن علي، وتحوّل الجزائر إلى شماعة جاهزة. وكأن تونس، بتاريخها ونخبها وصراعاتها ومؤسساتها، لم تكن سوى ساحة تتحكم فيها الجزائر من بعيد.
المرزوقي يرفض اتهامه بالعمالة، وهذا من حقه، ولا يمكن لأي نقاش سياسي محترم أن يبني أحكامه على اتهامات بلا أدلة. لكن المشكلة أن الرجل، وهو يرفض هذه الاتهامات، لا يتردد في إطلاق اتهامات سياسية ثقيلة ضد الجزائر، من نوع الحديث عن وصاية على تونس، أو مسؤولية مباشرة عن تعطيل الاتحاد، أو قيادة المنطقة نحو الحرب. فإذا كان يرفض أن يُحاكم بالاتهام، فعليه أن لا يحاكم دولة كاملة بنفس المنطق. وإذا كان يطالب بإنصافه من الدعاية، فعليه أن لا يستعمل الدعاية نفسها ضد الجزائر.
ما قاله المرزوقي في “القدس العربي” لا يضيف جديداً إلى موقفه القديم، لكنه يكشف أن الرجل لم يراجع شيئاً من قراءته للمغرب العربي. لا يزال يعتبر أن الحل يبدأ من قبول الأطروحة المغربية في الصحراء، ولا يزال يرى أن الجزائر هي العقبة الكبرى، ولا يزال يختزل الاتحاد المغاربي في خلاف واحد، مع تجاهل عوامل كثيرة، منها غلق الحدود بعد أزمة 1994، ومنها قرار المغرب تجميد مؤسسات الاتحاد، ومنها استعمال ملف الهجرة والحدود والاقتصاد والسيادة في الصراع بين الرباط والجزائر. هذه العوامل كلها تسقط من خطاب المرزوقي عندما يريد تحميل الجزائر المسؤولية وحدها.
من الناحية الإخبارية، نحن أمام تصريح سياسي جديد للرئيس التونسي الأسبق، لكنه من حيث المضمون جزء من خط سياسي قديم: تبني الحكم الذاتي المغربي كمدخل لحل قضية الصحراء، تحميل الجزائر كلفة تعطيل الاتحاد المغاربي، رفض اتهامات العمالة، ثم قلب الهجوم باتهام الجزائر بالتدخل في تونس ومعاداة الربيع العربي. الجديد ليس في الفكرة، بل في حدة اللغة التي استعملها، خاصة عندما وصف قيس سعيد بأنه “والي النظام الجزائري”، وهي عبارة ستبقى أكثر ما يثير الغضب لأنها تهين دولتين في جملة واحدة، الجزائر التي يتهمها بالوصاية، وتونس التي يصورها كأنها فقدت قرارها.
كان يمكن للمرزوقي، لو أراد فعلاً خدمة الاتحاد المغاربي، أن يبدأ من احترام حساسيات الشعوب والدول، وأن لا يتحدث عن الصحراء الغربية كما لو أن الشعب الصحراوي مجرد تفصيل أمام “مئة مليون مغاربي”، وأن لا يعرض على الجزائر منفذاً أطلسياً مقابل موقفها المبدئي، وأن لا يختزل تونس في صراع شخصي مع قيس سعيد والجزائر. الاتحاد المغاربي لا يبنى بمنطق الإلغاء، ولا بالهجوم على الجزائر، ولا بترديد الصياغات المغربية حول تندوف والحكم الذاتي، بل يبنى على الاعتراف بالمشكلات الحقيقية كما هي، لا كما تريد الرباط أو خصوم الجزائر أن تظهر.
يظهر المرزوقي في هذا التصريح كسياسي غاضب أكثر منه رجل دولة سابق. فهو يدافع عن نفسه من تهمة، لكنه يفتح عشر تهم ضد الجزائر. ينفي امتلاك جنسية مغربية أو فرنسية، لكنه يؤكد سياسياً انحيازه إلى أطروحة مغربية في ملف شديد الحساسية. يتحدث عن الحرية والديمقراطية، لكنه يتجاهل حق الصحراويين في أن يقرروا مصيرهم. يتحدث عن الاتحاد المغاربي، لكنه يحمّل الجزائر وحدها مسؤولية موته، مع أن التاريخ القريب للاتحاد يقول إن الرباط نفسها كانت طرفاً أساسياً في شلله. وهنا تكمن مشكلة المرزوقي: لا تكفي النوايا المعلنة لصناعة موقف عادل، ولا يكفي الحديث عن المصالحة لتغطية قراءة منحازة، ولا يكفي نفي العمالة لإقناع الجزائريين بأن من يكرر مفردات الرباط حول الصحراء يقف فعلاً على مسافة واحدة من الجميع.
تصريحات المرزوقي قد تجد صدى في بعض المنابر المعادية للموقف الجزائري، لكنها في الجزائر لن تُقرأ إلا كحلقة جديدة من مسلسل سياسي قديم، عنوانه تحميل الجزائر مسؤولية كل ما فشل فيه الآخرون. والجزائر، التي دفعت ثمناً كبيراً من أجل استقلال قرارها ودعمها لقضايا التحرر، ليست مطالبة اليوم بأن تعتذر لأنها لم تقبل مقايضة موقفها بمنفذ على الأطلسي، ولا بأن تقبل محاضرات في الديمقراطية من سياسي لم يستطع الحفاظ على الإجماع داخل بلده، ثم وجد في الجزائر سبباً جاهزاً لكل ما انكسر في تونس والمغرب العربي.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مستفيدو 10507 مسكن عدل بالرحمانية يطالبون بتوفير الماء والغاز وتشغيل المصاعد
ينتظر مستفيدو مشروع 10507 مسكن بصيغة البيع بالإيجار “عدل” بالرحمانية استكمال الخدمات الأسا…











