‫الرئيسية‬ الأولى تحقيق دولي يكشف مملكة التجسس في المغرب

تحقيق دولي يكشف مملكة التجسس في المغرب

تحقيق دولي يكشف مملكة التجسس في المغرب
كشف تحقيق صحفي دولي جديد عن معطيات خطيرة تتعلق بما وصفه بـ«الترسانة الأمنية» التي راكمتها أجهزة الاستخبارات المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي لم تقتصر، حسب التحقيق، على برنامج التجسس الإسرائيلي الشهير «بيغاسوس»، بل امتدت إلى أدوات أخرى تشمل برمجيات خبيثة، أجهزة اعتراض الاتصالات، هواتف يشتبه في بيعها ببرامج تجسس مثبتة مسبقاً، ووسائل مراقبة تقليدية مثل الميكروفونات والكاميرات المخفية.

التحقيق، الذي نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية ضمن عمل منسق مع منصة Forbidden Stories وبمشاركة عدة وسائل إعلام دولية، استند إلى شهادة ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية، المعروفة اختصاراً بـDGST، والذي تحدث تحت اسم مستعار هو «سفير»، بسبب المخاطر الأمنية التي قد تترتب عن كشف هويته.

وحسب ما أوردته «لوموند»، فإن الشاهد قدم رواية من داخل الجهاز الأمني المغربي حول طريقة استخدام أدوات المراقبة ضد صحفيين، ناشطين حقوقيين، معارضين، وشخصيات سياسية. كما اعتمد التحقيق على وثائق غير منشورة، بعضها صادر عن إجراءات قضائية أو عن مصالح مغربية، إلى جانب شهادات أخرى لمبلغين سابقين، وتحليل تقني ساهم فيه مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية.

وتكمن أهمية هذه المعطيات في أنها لا تعيد فقط فتح ملف «بيغاسوس» الذي تفجر سنة 2021، بل توسع دائرة الاتهامات لتشمل منظومة مراقبة أشمل، استخدمت، حسب التحقيق، أدوات رقمية وميدانية لتتبع المعارضين، اختراق أجهزتهم، مراقبة تحركاتهم، والتضييق عليهم داخل المغرب وخارجه.

ففي سنة 2021، كان مشروع «بيغاسوس» قد كشف عن استخدام برامج تجسس متطورة ضد صحفيين وحقوقيين ومسؤولين سياسيين في عدة دول. وقد ورد اسم المغرب حينها ضمن الدول المتهمة باستخدام هذه التكنولوجيا، وهي اتهامات نفتها الرباط في السابق. غير أن التحقيق الجديد يقول إن شهادة «سفير» ووثائق إضافية تعزز الرواية التي تربط أجهزة مغربية باستخدام هذا البرنامج.

ويُعد «بيغاسوس» من أخطر برمجيات التجسس المعروفة، لأنه يسمح، عند اختراق الهاتف، بالوصول إلى الرسائل والصور والملفات والمكالمات، وتشغيل الكاميرا والميكروفون، وتتبع الموقع الجغرافي، دون أن يشعر صاحب الجهاز بالضرورة بما يحدث. ومع تطور هذه التكنولوجيا، لم يعد الاختراق يحتاج دائماً إلى ضغط الضحية على رابط خبيث، إذ تحدثت تقارير سابقة عن إمكان استغلال ثغرات في تطبيقات التواصل لاختراق الهاتف عن بعد.

لكن الأخطر في التحقيق الجديد أن «بيغاسوس» لم يكن، حسب الشهادة المنشورة، سوى جزء من منظومة أوسع. فقد أشار التحقيق إلى استعمال أدوات أخرى، من بينها برمجيات مراقبة يمكن تثبيتها عبر مفاتيح USB، أو من خلال أجهزة حاسوب في مقاهٍ إنترنت كان يرتادها ناشطون، إضافة إلى هواتف بدت جديدة للمستخدمين، لكنها كانت، حسب الشهادة، مجهزة مسبقاً ببرمجيات تجسس.

وتحدث التحقيق أيضاً عن استخدام أجهزة IMSI catchers، وهي معدات قادرة على محاكاة أبراج الاتصالات من أجل التقاط بيانات الهواتف أو اعتراض الاتصالات في محيط جغرافي معين. ووفق الرواية المنشورة، استُخدمت هذه الأدوات في سياقات احتجاجية، من بينها مراقبة تحركات ناشطين وفاعلين في مناطق شهدت توترات اجتماعية.

ولم تقف الترسانة، بحسب التحقيق، عند الجانب الرقمي فقط. فقد أوردت «لوموند» وشركاؤها معطيات تتعلق باستعمال وسائل مراقبة تقليدية، مثل الميكروفونات والكاميرات المخفية داخل المنازل والمقاهي وأماكن اللقاءات. ومن أكثر ما أثار الانتباه في التحقيق الحديث عن كاميرات صغيرة قيل إنها وُضعت داخل تجهيزات منزلية، من بينها مكيفات هواء، بهدف الحصول على صور أو تسجيلات تستعمل لاحقاً في حملات ضغط أو تشهير.

ويشير التحقيق إلى أن الهدف لم يكن جمع المعلومات فقط، بل تحويل المراقبة إلى أداة لإسكات الأصوات المزعجة. فالمعطيات الخاصة، حسب ما ورد، لم تكن تبقى داخل الملفات الأمنية، بل كانت بعض التسريبات تجد طريقها إلى وسائل إعلام قريبة من السلطة أو إلى حملات رقمية تستهدف سمعة المعارضين والحقوقيين والصحفيين.

وتوقف التحقيق عند حالة الصحفي المغربي عمر الراضي، باعتبارها واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بملف المراقبة الرقمية في المغرب. فقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن تحدثت عن استهدافه ببرمجية «بيغاسوس»، كما تعرض لاحقاً لملاحقات قضائية مثيرة للجدل، قبل أن يحصل على عفو ملكي سنة 2024. ووفق التحقيق الجديد، لم يكن الراضي مستهدفاً فقط ببرنامج تجسس، بل أيضاً بأدوات مراقبة أخرى، شملت التتبع الميداني والتنصت والكاميرات المخفية.

كما أعاد التحقيق إلى الواجهة استهداف ناشطين صحراويين. فقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن أعلنت سنة 2022 أن هواتف الناشطة الحقوقية الصحراوية أميناتو حيدر تعرضت للاستهداف والإصابة ببرنامج «بيغاسوس»، بناءً على تحليل تقني أجراه مختبر الأمن التابع للمنظمة، وأكدته أيضاً جهة بحثية مستقلة. هذه المعطيات عززت المخاوف من أن مراقبة النشطاء الصحراويين لم تكن حالة معزولة، بل جزءاً من سياسة أوسع لملاحقة الأصوات المدافعة عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وتكتسب هذه القضية بعداً دولياً إضافياً بسبب ما أوردته تقارير إعلامية حول استهداف شخصيات ومسؤولين خارج المغرب. فقد تحدث تحقيق «الغارديان» ضمن الملف نفسه عن شهادة الضابط السابق التي تشير إلى بدء استخدام DGST لبرنامج «بيغاسوس» منذ سنة 2017، وعن توجيهه ضد أهداف داخلية وخارجية، بينها صحفيون وحقوقيون وسياسيون في المغرب وفرنسا وإسبانيا. كما أشار التقرير إلى أن معطيات التحقيق دعمتها وثائق مسربة وسجلات استهداف وتحليلات تقنية.

وفي السياق نفسه، تحدثت Forbidden Stories عن خلفيات اقتناء المغرب لهذه التكنولوجيا، مشيرة إلى علاقة مفترضة جمعت بين شركة NSO الإسرائيلية والمغرب ووسيط إماراتي، وإلى عروض تقنية وتدريبات مرتبطة ببرنامج «بيغاسوس». ووفق المنصة، فإن هذا الملف يكشف شبكة علاقات معقدة بين شركات تجسس خاصة، دول، ووسطاء إقليميين، في سوق باتت فيه تكنولوجيا المراقبة العابرة للحدود خطراً مباشراً على الصحافة وحقوق الإنسان.

وتثير هذه المعطيات أسئلة ثقيلة حول حدود الدولة الأمنية، وحول غياب الرقابة القضائية والسياسية على أدوات شديدة الخطورة يمكن أن تحول الهاتف الشخصي إلى غرفة مراقبة متنقلة. فحين تصبح الكاميرا والميكروفون والرسائل الخاصة والموقع الجغرافي في متناول جهاز أمني دون ضمانات قضائية صارمة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة تقنية، بل بانتهاك مباشر للحق في الخصوصية، وحرية الصحافة، وحرية التعبير، والعمل الحقوقي.

كما تكشف القضية عن تطور خطير في أساليب قمع المعارضين. فالقمع لم يعد يقتصر على الاعتقال أو المحاكمة أو المنع الإداري، بل أصبح يمر عبر الاختراق الرقمي، التشهير المنظم، الابتزاز بالمعلومات الخاصة، وحملات الجيوش الإلكترونية. هذه الآليات تجعل الضحية محاصرة على أكثر من مستوى: في هاتفها، في بيتها، في عملها، في سمعتها، وفي علاقاتها الاجتماعية.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما توجه ضد الصحفيين. فالصحافة لا تستطيع أداء دورها الرقابي إذا كان الصحفي نفسه تحت المراقبة المستمرة، وإذا كانت مصادره مهددة بالكشف، واتصالاته قابلة للاختراق، وحياته الخاصة قابلة للاستغلال. لذلك فإن استعمال برمجيات تجسس ضد الصحفيين لا يستهدف فرداً بعينه فقط، بل يستهدف حق المجتمع في المعرفة، ويضرب جوهر العمل الإعلامي المستقل.

أما بالنسبة للنشطاء الحقوقيين، فإن المراقبة المكثفة تؤدي إلى عزلهم تدريجياً، لأن المحيطين بهم يخافون من الاتصال بهم أو لقائهم. وحسب ما أورده التحقيق، عبّر بعض المستهدفين عن هذا الأثر النفسي والاجتماعي بوضوح: فالمراقبة لا تسرق المعلومات فقط، بل تخلق الخوف، وتقطع العلاقات، وتحول الناشط إلى شخص محاصر داخل دائرة الشك.

ورغم خطورة هذه الاتهامات، يشير التحقيق إلى أن السلطات المغربية وشركة NSO لم تردا على الأسئلة المتعلقة بالمعطيات الجديدة. وكانت الرباط قد نفت في السابق اقتناء أو استخدام «بيغاسوس»، كما خاضت مسارات قضائية ضد وسائل إعلام نشرت اتهامات مماثلة. غير أن التحقيقات الدولية الأخيرة تقول إن الأدلة التقنية والشهادات والوثائق القضائية تفتح الملف من جديد، وتطرح ضرورة مساءلة جدية حول ما حدث.

إن ما تكشفه هذه التحقيقات لا يخص المغرب وحده، بل يطرح سؤالاً عالمياً حول تجارة برامج التجسس، وحول الشركات الخاصة التي تبيع أدوات قادرة على اختراق حياة الأفراد تحت شعار مكافحة الإرهاب والجريمة، بينما تُستخدم، بحسب منظمات حقوقية وصحفية، ضد صحفيين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي غياب آليات دولية صارمة لتنظيم هذه السوق، ستبقى برمجيات التجسس أداة خطيرة في يد الأنظمة التي تسعى إلى السيطرة على الفضاء العام، وإسكات الأصوات المستقلة، وملاحقة المعارضين داخل الحدود وخارجها. فالقضية لم تعد مجرد نزاع بين دولة وصحفي أو بين جهاز أمني وناشط، بل أصبحت معركة كبرى حول مستقبل الحريات في العصر الرقمي.

التحقيق الجديد يضع السلطات المغربية أمام أسئلة صعبة، لكنه يضع أيضاً المجتمع الدولي أمام مسؤوليته. فالصمت على استعمال أدوات تجسس عابرة للحدود ضد الصحفيين والنشطاء يعني عملياً قبول تحويل التكنولوجيا إلى سلاح سياسي، وقبول تحويل الخصوصية إلى امتياز لا يتمتع به إلا من لا يزعج السلطة.

وبين «بيغاسوس» والكاميرات المخفية والهواتف المفخخة رقمياً، تظهر صورة قاتمة لمنظومة مراقبة لا تستهدف جمع المعلومات فقط، بل إنتاج الخوف. والخوف، في النهاية، هو الهدف الحقيقي لكل جهاز يريد أن يجعل الصحفي يفكر مرتين قبل أن يكتب، والناشط يتردد قبل أن يتصل، والمعارض ينظر إلى هاتفه لا كأداة تواصل، بل كعين مفتوحة عليه في كل لحظة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

سبتة تسقط قناع المخزن… والريف يعود كحل استراتيجي لإسبانيا

دعا مقال نشره موقع Otra Lectura، بتاريخ 14 أوت 2026، تحت عنوان “ريف مستقل.. ضرورة استراتيج…