العلمانية في قفص التكفير الإسلاموي
استعار المتأسلمون في الجزائر معنى مشوهاً للعلمانية، لا علاقة له بالمفهوم السياسي الحديث الذي يقوم على حياد الدولة وضمان حقوق جميع المواطنين، بل جعلوا منها تهمة دينية وأخلاقية جاهزة، يرمون بها كل من يخالفهم أو يرفض وصايتهم على المجتمع. فالذي يطالب بدولة محايدة، أو يدافع عن حرية المرأة، أو يرفض تدخل الجماعات الدينية في القانون والإدارة والمدرسة، يصبح عندهم “علمانياً” بمعنى الكافر أو المعادي للدين أو الخارج عن الإسلام، وكأنهم يملكون وحدهم حق توزيع الإيمان والوطنية والهوية.
هذا الفهم المرضي للعلمانية لا يخص الإسلام وحده، بل يشبه ما نجده عند جماعات دينية متشددة في ديانات أخرى، حين تتحول العقيدة إلى أداة لعزل المجتمع وتقسيم الناس بين متدينين وغير متدينين، أطهار ومنحرفين، مؤمنين وخارجين عن الطريق. ومن يريد أن يفهم هذا المنطق، عليه أن يشاهد بعض الأفلام الوثائقية حول جماعات دينية متشددة، مثل بعض جماعات الحريديم في القدس أو نيويورك، ليرى كيف تتحول تفاصيل الجسد واللباس والصوت والشعر وحركة المرأة في الفضاء العام إلى مسائل رقابة جماعية، وكيف يصبح الدين، في يد المتطرفين، نظاماً لإخضاع المجتمع لا لتزكيته روحياً.
المشكلة أن بعض المتأسلمين عندنا يستوردون مناخات التشدد نفسها، ثم يقدمونها على أنها جوهر الإسلام. يتحدثون عن شعر المرأة وكأنه عورة مطلقة، وعن صوتها وكأنه فتنة، وعن وجهها وكأنه خطر، وعن خروجها إلى المجتمع وكأنه تهديد للعقيدة. وهذه ليست روح الإسلام الجزائري الذي عرفته الزوايا والعائلات والمدن والقرى، بل هي عقلية حصار اجتماعي تتشابه، في بنيتها، مع أشكال التشدد الديني المغلق في أكثر من ديانة وثقافة. الفكرة واحدة، السيطرة على الجسد، مراقبة المرأة، تقسيم المجتمع، ثم تقديم كل ذلك باسم الدين.
العلمانية، عند المتأسلمين والإخوان ومن يدور في فلكهم، تُستعمل غالباً بمعناها التخويني، لا بمعناها السياسي. فهي عندهم ليست حياد الدولة، ولا ضمان الحقوق، ولا منع تسلط فئة دينية على أخرى، بل تهمة. كلمة تُرمى في وجه الخصم لإسكاته. فإذا قلت إن الدولة يجب أن تكون محايدة بين المواطنين، قالوا إنك علماني. وإذا قلت إن القانون يجب أن يحمي الجميع، قالوا إنك ضد الإسلام. وإذا قلت إن المرأة مواطنة كاملة، قالوا إنك تنشر الفساد. وإذا قلت إن المدرسة ليست مكاناً للدعاية الحزبية والدينية، قالوا إنك تحارب الدين.
بينما المفهوم السياسي والعلمي للعلمانية لا يحمل بالضرورة أي شحنة عدائية ضد الدين. العلمانية، في معناها العملي الأقرب إلى العقل، هي حياد الدولة. أي أن الدولة لا تتحول إلى أداة في يد مذهب، أو جماعة، أو طائفة، أو حزب ديني، بل تحمي حقوق جميع المواطنين، المتدين وغير المتدين، المسلم وغير المسلم، المالكي والإباضي والصوفي والحنفي، وكل مكونات المجتمع. وهذا هو المصطلح الأدق الذي أفضل استعماله، لا حياد الدولة، لأنه يخرجنا من الشحن الإيديولوجي والديني الذي ألصقته التيارات المتطرفة بكلمة العلمانية.
من منا لا يريد أن يعيش في دولة محايدة تحمي الجميع؟ من منا لا يريد دولة لا تميز بين مواطنيها بسبب اللباس أو المذهب أو القناعة أو طريقة التدين؟ لن تجد عاقلاً في العالم يرفض دولة تساوي بين مواطنيها وتحمي حقوقهم. فالحياد ليس عداء للدين، بل حماية للدين من الاستغلال السياسي، وحماية للمواطن من تسلط الجماعات، وحماية للدولة من أن تتحول إلى رهينة في يد فئة تزعم أنها وحدها تمثل الله على الأرض.
الدولة المحايدة لا تمنع الناس من الصلاة، ولا من الصيام، ولا من الحج، ولا من بناء المساجد، ولا من تعليم أبنائهم قيمهم الدينية. لكنها تمنع فئة واحدة من فرض فهمها على الجميع. تمنع أن يتحول الداعية إلى شرطي، والفتوى إلى قانون، والشارع إلى محكمة أخلاقية، واللباس إلى ملف أمني، والمرأة إلى موضوع تفتيش دائم. وهذا بالضبط ما يخشاه المتأسلمون، لأن مشروعهم لا يكتمل إلا عندما تصبح الدولة نفسها أداة في يدهم.
على عكس ما يروجه بعض السفهاء عندنا، فإن حياد الدولة مطبق بدرجات مختلفة في أغلب دول العالم، وهو الشكل الغالب للحكم الحديث. باستثناء دول قليلة تقوم صراحة على حكم ديني، مثل الفاتيكان، أو نماذج دينية مغلقة كإمارة أفغانستان، أو نماذج تجمع بين الدولة والمذهب مثل إيران، فإن أغلب الدول الحديثة تعتمد مبدأ الفصل بين سلطة الدولة وسلطة رجال الدين، حتى لو بقي الدين حاضراً في المجتمع والثقافة والهوية. فالمسألة ليست حرباً على الدين، بل تنظيماً لعلاقة الدولة بالمواطنين.
في الجزائر، يكثر بعض المتأثرين بأردوغان من تمجيد التجربة التركية، لكنهم يتجاهلون نقطة أساسية: تركيا، رغم صعود حزب ذي مرجعية إسلامية إلى الحكم، لم تلغِ علمانية الدولة التي أقرها مصطفى كمال أتاتورك بعد سقوط الخلافة العثمانية. بل إن التجربة التركية نفسها، بكل تناقضاتها، ظلت تتحرك داخل إطار دولة لا تعلن نفسها دولة دينية. وهنا تصاب بالغثيان وأنت تسمع بعض أتباع النموذج التركي في الجزائر يهاجمون حياد الدولة عندنا، بينما لا يجرؤون على مساءلة النموذج الذي يعبدونه سياسياً عن سر بقائه داخل الإطار العلماني التركي.
النزاهة الفكرية تقتضي من هؤلاء أن يسألوا أنفسهم، لماذا لم يلغِ أردوغان علمانية الدولة التركية؟ لماذا لم يحول تركيا إلى دولة دينية على الطريقة التي يحلمون بها في الجزائر؟ لماذا حافظ، رغم خطابه المحافظ، على مؤسسات دولة حديثة؟ ولماذا بدأ، في مراحل معينة، يراجع علاقته ببعض شبكات الإسلام السياسي عندما اكتشف أنها قد تتحول إلى خطر على الدولة التركية نفسها؟ هذه الأسئلة لا يريدون طرحها، لأن الإجابة ستفضحهم، هم لا يفهمون الدولة كما يفهمها من وصل إلى الحكم، بل يفهمونها كغنيمة مؤجلة.
المفروض، إذا كانوا فعلاً أتباعاً صادقين للنموذج التركي، أن يتبعوا خطاه في الحفاظ على حياد الدولة، أو على الأقل أن يتوقفوا عن تخوين كل من يستعمل كلمة العلمانية أو يدافع عن الدولة المدنية المحايدة. لكنهم لا يفعلون لا هذا ولا ذاك. هم يريدون أردوغان عندما ينتصر انتخابياً، ولا يريدون تجربة الدولة التركية عندما تكشف لهم أن السياسة أعقد بكثير من خطب المساجد وصفحات فيسبوك.
ومن هنا نستنتج أن جزءاً من المتأسلمين في الجزائر لا يملكون قدرة حقيقية على التفكير في مصير الدولة. إنهم متعصبون، متشنجون، وخطرون على مستقبل البلد إذا تُركوا يصنعون الوعي العام وحدهم. فهم لا يناقشون المفاهيم، بل يشوهونها. لا يشرحون للناس معنى حياد الدولة، بل يختصرونه في الكفر. لا يقدمون مشروعاً مؤسساتياً، بل يوزعون الاتهامات. لا يبنون دولة، بل يحلمون بالسيطرة على دولة بناها الشهداء ثم استعمالها لمعاقبة المجتمع.
استعمال مصطلح العلمانية في الجزائر لا يخرج، عندهم، عن طابعه التكفيري. لقد حولوه إلى كلمة رعب، مثلما حولوا كلمات أخرى إلى تهم جاهزة: حداثي، نسوي، متفتح، عقلاني، مدني، صوفي، إباضي، مالكي غير متشدد، أو حتى جزائري يرفض وصايتهم. كل هؤلاء قد يصبحون، في خطابهم، مشبوهين، لأنهم لا يخضعون للقراءة المغلقة نفسها.
وهكذا يستمر تيار الاستيراد الديني في تحديث طرقه. يستعير من جماعات متشددة في ديانات وثقافات أخرى منطق الرقابة على الجسد والمرأة والمجتمع، ثم يلصقه بالإسلام. يستعمل مصطلحات سياسية حديثة، ثم يفرغها من معناها ويعيد شحنها بالتكفير. يتحدث عن الأخلاق، لكنه لا يحترم حرية الناس. يتحدث عن الدين، لكنه يحوله إلى أداة ترهيب. يتحدث عن الهوية، لكنه يستورد أكثر الأفكار انغلاقاً من خارج التاريخ الجزائري.
الجزائر لا تحتاج إلى هذه الحرب المصطلحية السخيفة. الجزائر تحتاج إلى دولة قوية ومحايدة، تحمي المساجد من التوظيف الحزبي، وتحمي المدرسة من الدعاية، وتحمي المرأة من الوصاية، وتحمي المواطن من التكفير، وتحمي الدين من تحويله إلى بطاقة عضوية في تيار سياسي. فحياد الدولة ليس مرضاً، بل ضمانة. المرض الحقيقي هو أن تتحول الدولة إلى أداة في يد جماعة، وأن يتحول المجتمع إلى قطيع تحت رقابة المتشددين.
العلمانية، أو بالأدق حياد الدولة، ليست عدواً للإسلام. العدو الحقيقي للإسلام هو من يحوله إلى سلاح ضد الناس. العدو الحقيقي للدين هو من يجعل منه وسيلة للتخوين والتكفير ومراقبة النساء وتبرير السيطرة على المجتمع. أما الدولة المحايدة، فهي التي تترك الناس يتدينون بحرية، وتمنع في الوقت نفسه أي جماعة من تحويل تدينها الخاص إلى قانون عام يفرض على الجميع.
لذلك يجب إخراج كلمة العلمانية من الابتزاز الإسلاموي، وإعادتها إلى معناها السياسي الهادئ: حياد الدولة. ومن لا يريد هذا الحياد، فليقل صراحة إنه يريد دولة تابعة لجماعة، لا دولة لجميع الجزائريين. ومن يرفض أن تكون الدولة على مسافة واحدة من الجميع، فليعترف بأنه لا يبحث عن الإسلام، بل عن السلطة باسم الإسلام.
ليست المشكلة في الكلمة، بل في من يستعملها للتكفير والتخويف. وليست المشكلة في حياد الدولة، بل في من يريد دولة منحازة إلى جماعته وفهمه ومزاجه. الجزائر أكبر من هذا العبث، وأكبر من أن تُدار بمصطلحات مشحونة، وأكبر من أن تُسلَّم لتيارات لا ترى في المواطن إلا تابعاً، ولا ترى في المرأة إلا جسداً يجب ضبطه، ولا ترى في الدولة إلا غنيمة تنتظر لحظة الاستيلاء عليها.
الدولة التي نريدها ليست دولة ضد الدين، بل دولة تحمي الدين من المتاجرة به. دولة لا تسأل المواطن عن درجة تدينه قبل أن تحميه. دولة لا تسمح لأي جماعة بأن تصادر الإسلام أو الوطنية أو الأخلاق. دولة محايدة، عادلة، قوية، تحمي الجميع من الجميع. وهذا هو المعنى الذي يجب أن يدافع عنه كل عاقل في الجزائر، مهما كانت لغته، ومهما كان مذهبه، ومهما كانت قناعته.
أما تحويل العلمانية إلى مرض، وحياد الدولة إلى كفر، والاختلاف إلى خيانة، فهو جزء من معركة طويلة يخوضها المتأسلمون ضد الدولة الحديثة. وهي معركة يجب كشفها بوضوح، لأن من يبدأ بتشويه الكلمات ينتهي دائماً بتشويه العقول، ومن يشوه العقول يستطيع، في لحظة ضعف، أن يشوه الدولة والمجتمع معاً.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
شيخ الجبل… الرجل الذي حوّل الجنة إلى مصنع للقتلة
يُعدّ حسن الصباح، المعروف في الروايات التاريخية بلقب “شيخ الجبل”، واحداً من أكثر الشخصيات …






