رحيل محمد بن شيكو.. صاحب «بوتفليقة.. الخديعة الكبرى» ومؤسس «لوماتان»
رحل محمد بن شيكو في باريس بعد معاناة مع المرض. ومحمد، كما عرفته، ينتمي إلى ذلك الرعيل من الصحفيين المثقفين الذين تكوّنوا وتأثروا بمرحلة الرئيس الراحل هواري بومدين، وهي الفترة التي كان لها دور كبير في بناء نخبة من المثقفين وإشراك الشباب في مهام البناء الوطني، حتى أصبحت المشاركة في حملات التطوع، ولا سيما تلك المرتبطة بالثورة الزراعية، من أبرز الأنشطة التي انتشرت في أوساط الطلبة الجامعيين والشباب الجزائري آنذاك.
كان محمد بن شيكو صحفياً يسارياً، عمل لسنوات في جريدة «المجاهد» اليومية، وكان من أقلامها البارزة. وحلم، مثل كثير من أبناء جيله ورفاقه، بإعادة إحياء جريدة «Alger Républicain – الجزائر الجمهورية»، اليومية اليسارية العريقة التي تأسست خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، ثم اختفت بعد التصحيح الثوري، أو الانقلاب كما يسميه البعض، الذي عرفته الجزائر سنة 1965. وكانت هذه الجريدة مرتبطة في الذاكرة الصحفية والسياسية باسم هنري علاق، أحد أبرز وجوهها، الذي انحاز إلى قضية استقلال الجزائر، وسُجن وعُذب بسبب مواقفه ونشاطه المؤيد للثورة التحريرية وجبهة التحرير الوطني.
إصلاحات الإعلام التي شهدتها الجزائر في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، والتي ارتبط تنفيذ جانب مهم منها بحكومة مولود حمروش، أتاحت أخيراً الفرصة لتحقيق حلم محمد بن شيكو وعدد كبير من رفاقه، فعادت «الجزائر الجمهورية» إلى الصدور في ثوب جديد، وأصبح بن شيكو مديراً لتحريرها ضمن مجموعة من المناضلين والمثقفين اليساريين الذين ساهموا في تلك التجربة، ومن بينهم الراحل عبد الحميد بن زين وخالفة معمري وآخرون من قيادات ومناضلي اليسار الجزائري. كما التحق بالجريدة عدد من صحفيي الجيل الجديد، وبدأت المؤسسة نشاطها من مقر لها في دار الصحافة «الطاهر جاووت»، التي كانت آنذاك تحتضن عدداً متزايداً من التجارب الصحفية الجديدة التي ولدت مع الانفتاح الإعلامي.
وظل محمد بن شيكو مديراً لتحرير «الجزائر الجمهورية» إلى أن تفجر خلاف حاد بينه وبين قيادة التيار أو الحزب اليساري المرتبط بالجريدة حول طريقة تسييرها. وكان من بين ما تردد في تلك الفترة أن بن شيكو لم يكن موافقاً على استعمال أموال الصحفيين ومستحقاتهم، التي ساهمت في إعادة إحياء الجريدة، في تمويل نشاط الحزب السياسي. ومن هنا بدأت أزمة داخلية سرعان ما تحولت إلى صراع بين رفاق الأمس، وبلغت درجة من التوتر كادت أن تقود إلى أزمة إنسانية حقيقية بالنسبة إلى عدد من الصحفيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة وضع مهني واجتماعي شديد الصعوبة.
وفي تلك الفترة كنت قد أسست شركة للإنتاج السمعي البصري، وكان مقرها هي الأخرى في دار الصحافة، إلى جوار العديد من الزملاء العاملين في مهنة المتاعب. وقد عشت أزمة «الجزائر الجمهورية» عن قرب، ولم يكن من السهل بالنسبة إليّ أن أرى زملاء أعرفهم وأتقاسم معهم يومياً فضاء العمل يواجهون ذلك الوضع. لذلك تدخلت شخصياً لدى مدير دار الصحافة آنذاك، السيد بن سنان، بالنظر إلى علاقة الاحترام التي كانت تجمعنا، وبدأنا نبحث عن مخرج يسمح بحل الأزمة من دون أن تتحول إلى قطيعة مدمرة بين رفاق النضال.
وكان من بين الحلول التي اقترحتها منح مقر للصحفيين الشباب الذين تمردوا على قيادة حزب الطليعة حتى يتمكنوا من تأسيس جريدتهم الجديدة ومواصلة العمل، بدل أن يجدوا أنفسهم خارج المهنة وبين ليلة وضحاها من دون وسيلة للعمل. وقد رحب مدير دار الصحافة بالمقترح، قبل أن يُطرح على الجهات الحكومية المعنية بتنفيذ إصلاحات الصحافة آنذاك. كما رحب السيد درقاوي، رئيس ديوان محمد غريب وزير العمل في تلك المرحلة، بالفكرة، وبدأت بذلك أولى بوادر الحل تتبلور على أرض الواقع.
وبالفعل، تم منح الزملاء المنسحبين من «الجزائر الجمهورية» مقراً لجريدتهم الجديدة، بعد أن كانوا قد شرعوا عملياً في التحضير لتأسيس جريدة «Le Matin – لوماتان» من مكتبي في دار الصحافة. وقد قدمت لهم، في حدود ما كان متاحاً لي، كل التسهيلات التي تمكنهم من العودة إلى نشاطهم الصحفي ومواصلة العمل، على أمل أن تجد الأزمة حلاً ودياً يحفظ علاقات رفاق النضال ويجنب الجميع مزيداً من الصراع.
ومن رحم تلك الأزمة وُلدت واحدة من أبرز التجارب الصحفية في الجزائر خلال التسعينيات. فقد أسس محمد بن شيكو، فقيد المهنة، جريدة «لوماتان» التي سرعان ما ذاع صيتها وأصبحت واحدة من أهم الصحف اليومية في البلاد، وحققت حضوراً قوياً لدى القراء بفضل خطها التحريري وجرأة صحفييها. ولم يكن محمد بن شيكو صحفياً يبحث عن المساحات الآمنة في الكتابة، بل كان يميل إلى الدخول في مناطق الاحتكاك مع السلطة، وهو ما جعل جريدته مع مرور الوقت في مواجهة مباشرة مع النظام السياسي القائم آنذاك.
وكانت كتاباته حول عدد من المسؤولين، وعلى رأسهم الراحل يزيد زرهوني، من بين المقالات التي أثارت جدلاً واسعاً وجلبت له غضب دوائر في السلطة. ثم جاء كتابه الشهير «بوتفليقة.. الخديعة الكبرى» ليزيد من حدة المواجهة، بعدما قدم فيه قراءته لمسار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وانتقد الروايات التي أحاطت بتاريخه السياسي ودوره في مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر، وذهب إلى تفكيك الكثير مما اعتبره أساطير وادعاءات صنعت حول الرجل وصورته السياسية.
دخل محمد بن شيكو نتيجة هذا الصراع مع السلطة واحدة من أصعب مراحل حياته المهنية والشخصية، وانتهى به الأمر إلى السجن لمدة سنتين في قضية أثارت آنذاك جدلاً واسعاً داخل الجزائر وخارجها، قبل أن تستمر معركته الصحفية والسياسية بعد خروجه. ومع مرور السنوات أصبح وجوده في فرنسا أطول، وظل يكتب ويتابع الشأن الجزائري ويعبر عن مواقفه حتى سنواته الأخيرة.
اليوم يرحل محمد بن شيكو في باريس، وتغلق برحيله صفحة من صفحات الصحافة الجزائرية التي عاشت سنوات الانفتاح والصراع والأمل والانكسار. قد يختلف البعض معه في مواقفه السياسية أو في خياراته التحريرية، وقد يختلف آخرون في تقييم تجربته، لكن من الصعب إنكار أنه كان واحداً من الصحفيين الذين تركوا بصمتهم في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الصحافة الجزائرية، وأن اسم «لوماتان» سيظل مرتبطاً باسمه وبمرحلة كاملة من تاريخ الصحافة المستقلة في الجزائر.
رحم الله محمد بن شيكو، وأسكنه فسيح جناته، وخالص التعازي لعائلته وأصدقائه وزملائه ولكل من تقاسم معه سنوات طويلة من مهنة المتاعب.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
ثورة نوفمبر لم تسأل الشهداء بأي لغة درسوا
اختار جزء من التيار المتطرف التكفيري في الجزائر هذه المرة مهاجمة بعض كتاب البلاد ومثقفيها …






