‫الرئيسية‬ الأولى شنقريحة يدعو لبناء الوعي.. فمن يمكّن الصحافة من كسب المعركة؟
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫53 دقيقة مضت‬

شنقريحة يدعو لبناء الوعي.. فمن يمكّن الصحافة من كسب المعركة؟

شنقريحة يدعو لبناء الوعي.. فمن يمكّن الصحافة من كسب المعركة؟
حين يغادر صحفي متمرس غرفة التحرير، لا تخسر المؤسسة اسمًا من قائمة العاملين فقط. تخسر شبكة مصادر بناها على مدى سنوات، ومعرفة بملفات معقدة، وقدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والرواية المصنوعة بإتقان. وحين يُلغى تحقيق بسبب كلفته، يبقى سؤال دون جواب، وقد تتقدم الشائعة لتملأ مكانه. بهذه التفاصيل اليومية، التي لا تظهر في العناوين، تبدأ هشاشة الإعلام.

ومن هنا تبرز أهمية ما طرحه الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال افتتاح الملتقى الوطني «الإعلام الوطني والحروب الهجينة… مجابهة التحديات وكسب الرهان». فقد دعا إلى تعزيز اليقظة، وبناء الوعي المجتمعي، وتفكيك المغالطات الإعلامية المعادية، وصياغة سردية وطنية قوية وموضوعية، مؤكدًا أهمية النهج الاستباقي والوقائي.

هذه الدعوة تضع أمام قطاع الإعلام سؤالًا عمليًا، كيف نبني مؤسسات قادرة على أداء هذه المهام؟ فالتحقق يحتاج إلى وقت، والعمل الميداني يحتاج إلى تمويل، والتخصص يحتاج إلى تكوين واستقرار. وإذا كانت مواجهة التضليل مسؤولية وطنية، فإن توفير شروط العمل الصحفي جزء من تحمّل هذه المسؤولية.

ولهذا، لا يمكن فصل النقاش حول الجبهة الإعلامية عن طريقة توزيع الإشهار العمومي. فالمورد الذي يساعد المؤسسة على دفع أجورها وتطوير محتواها قد يتحول، إذا انفصل عن معايير واضحة ونتائج قابلة للقياس، إلى آلية لإدامة التبعية وإضعاف المنافسة المهنية.

والإشهار العمومي ليس ريعًا لمجرد أن مصدره مؤسسة عمومية. إنه خدمة لها غرض وجمهور وكلفة. لكنه يأخذ طابع الريع حين تصبح الاستفادة منه امتيازًا لا يتغير بتغير الأداء، أو حين تنقطع الصلة بين الحصة الممنوحة والعمل الإعلامي الفعلي. عندها يتراجع السؤال عن القارئ، ويتقدم السؤال عن كيفية ضمان الاستفادة.

وتعرض المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، على موقعها، شبكة تضم أكثر من مئتي وسيلة إعلامية وخمس وكالات جهوية. وهذا الاتساع يجعل جودة الحوكمة مسألة مؤثرة في قطاع كامل، لكنه لا يكشف وحده حجم الإنفاق أو توزيع الحصص أو مردودها. فتعداد المؤسسات المتعاملة مع المنظومة لا يكفي لتقييم ما ينتجه التمويل من قيمة إعلامية.

المطلوب أن نعرف ما الذي يصل إلى الجمهور مقابل هذا الإنفاق، وما الذي يتغير داخل المؤسسات المستفيدة. هل تُوظَّف كفاءات جديدة؟ هل تتحسن التغطية المحلية؟ هل يتوسع الإنتاج الأصلي؟ وهل تستطيع الجريدة أو المنصة أن تموّل تحقيقًا أو تحتفظ بصحفي متخصص، بدلًا من الاكتفاء بإعادة نشر الأخبار المتاحة للجميع؟

وقد سبق الإعلان، سنة 2020، عن خمسة عشر معيارًا انتقاليًا لتوزيع الإشهار العمومي، تناولت السحب والمبيعات والمهنية، إلى جانب متطلبات تتعلق بالوضعية الجبائية والاجتماعية والتصريح بالعاملين. وكانت تلك الخطوة اعترافًا بأهمية إخضاع الاستفادة لضوابط، لكن تقييم المنظومة اليوم يحتاج إلى معرفة كيفية تطبيق القواعد المعتمدة، وإمكانية التحقق من نتائجها.

فالمؤسسة التي تستوفي الشروط القانونية تكون قد أثبتت أهليتها، لكن ذلك لا يفسر وحده حجم حصتها. ولا بد أن تكون هناك إجابات مفهومة عن الفروق بين المستفيدين، وعن وزن الانتشار الفعلي، وطبيعة الجمهور، وملاءمة الوسيلة للحملة، والسعر، وجودة الخدمة المقدمة للمعلن.

حين لا يستطيع الناشر توقّع موارده أو فهم أسباب تغيرها، يصبح الاستثمار مخاطرة يصعب تحمّلها. فتوظيف صحفي ليس نفقة عابرة، وفتح مكتب جهوي ليس قرارًا لشهر واحد، وتطوير منصة رقمية لا ينتهي بشراء تصميم جديد. كلها التزامات تحتاج إلى تخطيط، بينما يدفع التمويل المتقلب المؤسسة إلى تأجيل التطوير والانشغال بالمصاريف العاجلة.

ويصل هذا الأثر إلى الصحفي والقارئ معًا. فالمراسل الذي يعمل دون استقرار يجد صعوبة في التفرغ للمتابعة، والمحرر الذي يتولى ملفات متعددة لا يملك دائمًا الوقت لبناء تخصص، والمؤسسة التي تقلص تنقلاتها تصبح أكثر اعتمادًا على الروايات الجاهزة. ومع مرور الوقت، تتشابه المواد، ويقل حضور الميدان، وتضعف الإضافة التي تمنح الوسيلة قيمتها.

وهذا بالضبط ما يجعل تمويل الصحافة مرتبطًا بدعوة شنقريحة إلى الاستباق والوقاية. فالصحافة الاستباقية تتابع الأسئلة قبل تحولها إلى أزمات، وتشرح الإجراءات قبل انتشار التأويلات، وتكشف مواضع الغموض التي يمكن استغلالها. وهي تحتاج إلى علاقة منتظمة بالمصادر وإلى وصول فعلي إلى المعلومة، لا إلى تعبئة ظرفية بعد اتساع الجدل.

ولنتصور، مثلًا، مقطعًا قديمًا يُعاد نشره على أنه حادث جديد داخل الجزائر. تفنيده يتطلب تتبّع النسخة الأولى، وفحص المكان والتاريخ، والاتصال بالجهات المعنية، ثم إيصال النتيجة إلى الجمهور الذي شاهد الادعاء. وقد يستغرق إنتاج التضليل دقائق، بينما يحتاج تصحيحه إلى عمل جماعي. فإذا غابت المهارات والموارد، تأخر الرد، واستقرت الرواية الأولى في أذهان المتابعين.

وتوضح معطيات دولية حجم الحاجة إلى هذا العمل. ففي دراسة لليونسكو صدرت في نوفمبر 2024، وشملت خمسمئة صانع محتوى في خمس وأربعين دولة، أفاد 62 بالمائة من المشاركين بأنهم لا يتحققون من المعلومات بصورة منهجية قبل مشاركتها، فيما استخدم 42 بالمائة الإعجابات والمشاهدات للحكم على مصداقية المحتوى. وأبدى 73 بالمائة رغبة في التكوين في التربية الإعلامية والمعلوماتية. وهذه نتائج تخص العينة المدروسة، لكنها تكشف مشكلة تواجه الجمهور في البيئة الرقمية، حيث قد تُفهم الشعبية باعتبارها دليلًا على الصحة.

كما خلصت دراسة نشرها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مجلة «ساينس» سنة 2018، وشملت نحو 126 ألف قصة خبرية متداولة على «تويتر» بين 2006 و2017، إلى أن الأخبار الكاذبة انتشرت أبعد وأسرع وعلى نطاق أوسع من الأخبار الصحيحة ضمن البيانات المدروسة. وأبرزت دور المستخدمين البشر في هذا الانتشار، بما يؤكد أن مواجهة التضليل تحتاج أيضًا إلى فهم الجمهور وطرق تفاعله.

في مثل هذه البيئة، يصبح تمويل التحقق والتخصص استثمارًا في قدرة المجتمع على التمييز. لكن هذا الاستثمار لا ينجح إذا اقتصر قياس الأداء على عدد المنشورات أو المشاهدات. فالمادة المثيرة قد تحقق انتشارًا واسعًا دون قيمة معرفية، بينما يخدم تحقيق محلي عددًا أقل من القراء، لكنه يكشف مشكلة ويتيح معالجتها.

ولهذا ينبغي أن تتنوع أدوات التقييم. فالانتشار مهم للمعلن، لكن أرقامه تحتاج إلى تدقيق، مع التمييز بين النسخ المطبوعة والمباعة، وبين الوصول الرقمي الفعلي والزيارات المصطنعة. كما ينبغي مراعاة اختلاف وظائف الوسائل، لأن صحيفة محلية أو متخصصة لا تُقاس بالمقياس نفسه الذي تُقاس به منصة عامة واسعة الجمهور.

ولا تعني العدالة توزيع الحصص بالتساوي. فقد تكون وسيلة أقدر على الوصول إلى فئة معنية بحملة، وقد يكون إعلان محلي أنفع في صحيفة قريبة من سكان المنطقة. العدالة تعني أن يكون الاختيار قابلًا للتفسير، وأن تتمكن المؤسسة المستبعدة من فهم القرار والاعتراض عليه، وأن يعرف المعلن ما حصل عليه مقابل ما أنفقه.

ومن الضروري كذلك الفصل بين شراء المساحة الإعلانية ودعم التعددية الصحفية. فإذا كان الهدف هو ضمان حضور صحافة محلية أو علمية أو ثقافية ذات منفعة عامة، فينبغي أن يكون لذلك إطار معلن وشروط ومتابعة. أما ترك هذه الوظيفة داخل توزيع الإشهار دون وضوح، فيصعّب تقييم النجاح ويخلط بين أهداف مختلفة.

وتحمل دعوة شنقريحة إلى سردية وطنية «موضوعية» معنى أساسيًا في هذا النقاش. فالموضوعية تتطلب أن تتحقق الوسيلة من الأخبار التي توافق موقفها بالصرامة نفسها التي تتحقق بها من الأخبار المخالفة، وأن تصحح الخطأ، وأن تتيح للجمهور فهم مصادر المعلومة وحدودها.

هذه الممارسة هي التي تمنح الخطاب الوطني قوته. فالقارئ الذي يجد في وسيلة إعلامية متابعة جادة لانشغالاته اليومية يكون أقرب إلى الثقة بها حين تفنّد ادعاءً مضللًا عن بلاده. أما تجاهل الأسئلة المشروعة، أو استبدال الشرح بالتكرار، فيضعف الرصيد الذي تحتاج إليه المؤسسة وقت الأزمات.

ولا ينبغي تحميل جهة توزيع الإشهار وحدها مسؤولية القطاع. فالناشر مطالب بإثبات نشاطه التحريري، وصحة أرقامه، واحترام حقوق العاملين، واستثمار موارده في تطوير الخدمة. كما أن تنويع المداخيل عبر الاشتراكات والإشهار التجاري والخدمات المهنية المشروعة يساعد على تقليل الهشاشة، متى حُفظ الفصل بين المصالح التجارية والقرار التحريري.

ومن المسارات العملية المفيدة توفير برامج مشتركة للتكوين في التحقق الرقمي، وحماية الحسابات والأرشيف، وقراءة البيانات، وتغطية الاقتصاد والشؤون الدولية. فمجابهة التهديدات السيبرانية التي تناولها شنقريحة تشمل أيضًا قدرة المؤسسة على حماية أدواتها ومصادرها وضمان استمرار عملها.

كما يحتاج الصحفي إلى وصول منتظم وسريع إلى المعلومة العمومية. فلا جدوى من مطالبته بالسبق إلى التوضيح إذا ظلت أسئلته دون إجابة. والتنسيق الذي يخدم الجبهة الإعلامية ينبغي أن ييسّر الوصول إلى الوقائع والوثائق والمختصين، بما يتيح للمؤسسات إنتاج مواد متنوعة وموثوقة، بدلًا من الاكتفاء بنسخ رواية واحدة.

ولا تسمح المعطيات المتاحة بإصدار حكم كمي على عدالة التوزيع الحالي أو حجم أثره في تراجع مؤسسات بعينها. لكن غياب هذا القياس يبرز الحاجة إلى بيانات دورية وتقييم مستقل، حتى يُناقش الملف على أساس النتائج، لا الانطباعات أو الخصومات.

إن دعم ما طرحه شنقريحة يقتضي الانتقال من الإشادة بدور الإعلام إلى تمكينه من أدائه. ويبدأ ذلك بتمويل واضح القواعد، وأجور منتظمة، وتكوين مستمر، ووصول إلى المعلومة، ومؤسسات تستطيع الاحتفاظ بكفاءاتها.

فحين يُوجَّه المورد إلى خدمة صحفية حقيقية، تصل فائدته إلى المواطن في صورة خبر موثوق وتفسير واضح وتحقيق جاد. وحين يتحول إلى امتياز منفصل عن الأداء، نخسر المال والقدرة على التأثير معًا. وهذه خسارة لا تتحملها الصحافة وحدها، بل تتحملها الجبهة الإعلامية التي تحتاج إليها الجزائر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

العدد 92 من يوميـــــة “المؤشر” 25|10|2026

…